آخر الأخبار

الأمازيغية في الميزان الانتخابي.. مطالب حازمة بإنهاء زمن الشعارات والانتقال إلى التنزيل

شارك

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود القضية الأمازيغية إلى واجهة النقاش السياسي في المغرب، وسط مطالب متزايدة بضرورة انتقال الأحزاب السياسية من مرحلة استحضار الأمازيغية في الخطابات والبرامج الانتخابية إلى الالتزام الفعلي بتنزيل طابعها الرسمي داخل المؤسسات ومختلف مناحي الحياة العامة.

ويرى باحثون وفاعلون في المجال الأمازيغي أن السنوات التي أعقبت إقرار الإطار الدستوري والقانوني لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية كشفت عن فجوة لا تزال قائمة بين ما هو منصوص عليه في الوثائق الدستورية والقوانين، وبين ما يجري تنفيذه فعليا على أرض الواقع، محذرين من استمرار التعامل مع الأمازيغية باعتبارها ورقة انتخابية موسمية بدل اعتبارها ورشا وطنيا ومكونا أساسيا من مكونات الهوية المغربية.

فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة
قال لحسن أمقران، الأستاذ الجامعي والباحث في اللغة والثقافة الأمازيغيتين، في تصريح لجريدة “العمق” إن الإشكال الأساسي في ملف الأمازيغية يرتبط بمدى قدرة الأحزاب والحكومة على الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، معتبرا أن الحكومة تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا المجال.

ووصف أمقران مسار تنزيل الأمازيغية بـ”التنزيل الحلزوني”، مشيرا إلى وجود تأخر في تنفيذ عدد من الالتزامات، وضعف في التنسيق بين مختلف المتدخلين، إلى جانب ما اعتبره اعتمادا على “تدبير الحد الأدنى” في عدد من الملفات المرتبطة بالأمازيغية.

مصدر الصورة

وأضاف أن التعامل مع الأمازيغية لا يزال يعرف حالة من “التوجس”، معتبرا أن ذلك ينعكس على سرعة تنفيذ الالتزامات التي تم الإعلان عنها، سواء على المستوى الحكومي أو في البرامج السياسية.

وسجل أمقران وجود “فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة”، موضحا أن الإشكال لا يكمن في غياب الحديث عن الأمازيغية، وإنما في محدودية الإجراءات العملية التي تحول الوعود إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتتبع.

ويرى أن النقاش الانتخابي حول الأمازيغية ينبغي أن يرتبط بما ستقدمه الأحزاب من إجراءات عملية، وبمدى التزامها بتنفيذها بعد الانتخابات، بدل أن يظل الملف حاضرا أساسا في الخطابات والبرامج العامة.

لا للوعود والتسويف
من جهته، قال الفنان والباحث في اللغة والثقافة الأمازيغيتين عمر أيت سعيد إن الأحزاب السياسية مطالبة بتحمل “مسؤوليتها التاريخية” تجاه الأمازيغية، مؤكدا أن الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية ينبغي أن يواكبه تنزيل فعلي في مختلف المجالات.

واعتبر أيت سعيد أن الأمازيغية لا ينبغي أن تبقى “نصا معلقا بين الوعد والتسويف”، داعيا إلى الانتقال إلى إجراءات عملية تشمل التعليم والقضاء والسياحة والرياضة والإعلام العمومي، إلى جانب مختلف القطاعات التي يفترض أن يظهر فيها الطابع الرسمي للأمازيغية.

مصدر الصورة

وأكد أن التعليم يشكل أحد أبرز المجالات التي ينبغي أن تتجه إليها السياسات العمومية، مع ضرورة ضمان حضور اللغة الأمازيغية في مختلف المستويات التعليمية، وعدم التعامل معها باعتبارها ملفا ثانويا أو مرتبطا بالمناسبات.

وفي الجانب الثقافي والفني، دعا أيت سعيد إلى دعم الفنانين والمبدعين الأمازيغ، وتعزيز حضور الثقافة الأمازيغية في المؤسسات الثقافية، خصوصا في مناطق أسامر، مقترحا إحداث إذاعة جهوية، ومسارح ومعاهد للموسيقى، إلى جانب تعزيز حضور الأمازيغية في الجامعة.

كما دعا إلى الاهتمام بالقصبات والتراث المعماري، واعتماد إجراءات تضمن استفادة الفنانين والمبدعين الأمازيغ من آليات الدعم، معتبرا أن الأمازيغية ليست مجرد لغة للتواصل، وإنما ترتبط بمجال ثقافي وحضاري واسع يستدعي سياسات عمومية متكاملة.

إجراءات وميزانيات وآجال محددة
وقال حسن أبراهيم، الناشط الأمازيغي ورئيس جمعية أنازور للإبداع، إن معيار تقييم البرامج الانتخابية المتعلقة بالأمازيغية ينبغي أن يرتبط بمدى وضوح الالتزامات وقابليتها للتنفيذ والقياس.

وأوضح أن “الأمازيغية اليوم لا تحتاج إلى من يعترف بها في الخطابات، بقدر ما تحتاج إلى من ينزل رسميتها على أرض الواقع”، داعيا الأحزاب إلى تقديم برامج تتضمن إجراءات محددة وميزانيات وآجالا ومسؤوليات واضحة.

مصدر الصورة

وتساءل أبراهيم: “ماذا ستفعل، بكم من المال، وفي أي أجل، وأين، ومن سيتحمل مسؤولية عدم التنفيذ؟”، معتبرا أن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تكون حاضرة في البرامج الانتخابية، حتى يمكن الانتقال من الوعود العامة إلى التزامات قابلة للتتبع والمساءلة.

وشدد على أن “الخط الأحمر هو أن تتحول الأمازيغية إلى وعد انتخابي ينتهي بانتهاء الانتخابات”، داعيا إلى ربط البرامج السياسية بآليات لمراقبة التنفيذ، سواء من طرف المؤسسات أو المجتمع المدني.

وأكد أبراهيم أهمية أن تكون الالتزامات المتعلقة بالأمازيغية واضحة في قطاعات التعليم والثقافة والإعلام والإدارة، مع تحديد الموارد المالية والآجال والمسؤوليات، حتى لا يظل الملف مرتبطا بالمواقف السياسية العامة دون ترجمتها إلى إجراءات ملموسة.

ودعا المجتمع المدني إلى متابعة ما تقدمه الأحزاب من تعهدات خلال الحملات الانتخابية، ومراقبة مدى تنفيذها بعد الوصول إلى المؤسسات، معتبرا أن تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية ينبغي أن يكون التزاما مستمرا لا مرتبطا بالمواعيد الانتخابية.

تعميم الأمازيغية يحتاج إلى جرأة
أما موحى فوكال، أستاذ اللغة الأمازيغية ورئيس الجمعية الجهوية لأساتذة اللغة الأمازيغية بجهة الرباط سلا القنيطرة، فقال إن “جل السياسيين حتى من كانوا في الأمس القريب ضد الأمازيغية ويكنون لها كل العداء يتحدثون عنها اليوم ويجعلونها من أولوياتهم”، معتبرا أن ما يقدم حاليا لا يتجاوز في حالات كثيرة “وعودا وشعارات فضفاضة”.

وانتقد فوكال غياب أرقام دقيقة وآجال واضحة في البرامج الانتخابية، خصوصا في التعليم، مشيرا إلى عدم تفصيل الأحزاب لمسألة التعليم الأولي وإقصاء الأمازيغية منه، رغم أهمية هذه المرحلة. كما انتقد إقصاء الأمازيغية من تجربة “مدارس الريادة”، وقال إنه بعد ثلاث سنوات لم يتم إدماجها في “الدعم المكثف”، الذي ركز على العربية والفرنسية والرياضيات.

مصدر الصورة

وبخصوص خارطة الطريق الحكومية 2022-2026، أشار فوكال إلى أنها تضمنت تعميم تدريس الأمازيغية في الابتدائي وتدريسها في الإعدادي والثانوي، غير أنه سجل، بحسب المعطيات التي يتوفر عليها، أن بعض المديريات الإقليمية تقدم أرقاما بعيدة عن الواقع، خصوصا في التعليم الإعدادي والثانوي، حيث تحدث عن “صفر منصب وصفر مستفيد”.

وانتقد تكليف أستاذ واحد بتدريس الأمازيغية في عدة مؤسسات، أو الاقتصار على المستويات من الأول إلى الثالث، معتبرا أن ذلك يؤثر في جودة التعليم والاستقرار المهني والنفسي والاجتماعي للأساتذة.

كما قارن بين المذكرة الوزارية رقم 23/028 بتاريخ 23 ماي 2023 الخاصة بالتدرج في تعميم الأمازيغية، والمذكرة رقم 030/23 في التاريخ نفسه الخاصة باللغة الإنجليزية، والتي تضمنت نسبا وآجالا واضحة، منها 10 في المائة في السنة الأولى و50 في المائة في السنة الثانية، والتعميم الكامل خلال موسم 2024/2025.

وفي التعليم الخصوصي، انتقد المذكرة الوزارية رقم 24/200 بتاريخ 5 يوليوز 2024 التي دعت إلى تدريس الأمازيغية في الابتدائي بصيغة اختيارية، معتبرا أنه لا يمكن التعامل مع لغة رسمية دستوريا باعتبارها اختيارية.

كما طالب بإدماج الأمازيغية في “مدارس الريادة”، ومنح أساتذتها الحقوق نفسها المتعلقة بالتعويضات والمعدات، والرفع من الحيز الزمني المخصص لتدريسها، مشيرا إلى أن حصتها ظلت في حدود ثلاث ساعات من المستوى الأول إلى السادس ابتدائي.

وقال إن بعض الأحزاب تكرر الوعود نفسها، وإن هناك أحزابا كانت في السابق ضد دسترة الأمازيغية سنة 2011 وأصبحت اليوم تتحدث عن دعمها، مستحضرا عبارة “فاقد الشيء لا يعطيه”، ومشددا على أن “تعميم اللغة الأمازيغية يحتاج إلى جرأة وإرادة سياسية لا إلى خطابات ومزايدات بين الأحزاب”.

وتجمع الفعاليات الأمازيغية على أن الأمازيغية لم تعد في حاجة إلى مزيد من الوعود والخطابات الانتخابية، بقدر ما تحتاج إلى إجراءات واضحة ومحددة، بميزانيات وآجال ومسؤوليات معلنة، خصوصا في قطاع التعليم وتفعيل طابعها الرسمي داخل المؤسسات.

كما شددت على ضرورة الانتقال من الاعتراف السياسي والدستوري إلى التنزيل الفعلي، وربط الالتزامات الانتخابية بآليات للتتبع والمساءلة، حتى لا تتحول الأمازيغية إلى ملف يحضر بقوة خلال الحملات الانتخابية ثم يتراجع بعد انتهائها.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا