مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تضع الأحزاب السياسية برامجها الانتخابية أمام الناخبين، حاملة وعودا بإصلاح عدد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الصحة الذي يلامس بشكل مباشر الحياة اليومية للمواطنين ويرتبط بجودة الخدمات العمومية وظروف الولوج إلى العلاج. وبينما تتقاطع البرامج الحزبية في التأكيد على أولوية إصلاح المنظومة الصحية، يطرح واقع القطاع سؤالا حول مدى انتقال هذه الوعود من مستوى الشعارات العامة إلى حلول واضحة وقابلة للتنفيذ.
وفي صلب النقاش حول مستقبل الصحة، لا يقتصر الرهان على البنيات والتجهيزات وتوسيع العرض الصحي، بل يشمل أيضا الموارد البشرية وشروط عمل الأطر الصحية، وفي مقدمتها الممرضون وتقنيو الصحة باعتبارهم مكونا أساسيا داخل المنظومة. ومع عرض الأحزاب لتصوراتها بشأن القطاع، تبرز تساؤلات حول مدى حضور مطالب هذه الفئة في البرامج الانتخابية، وما إذا كانت المقترحات المقدمة تتضمن أرقاما وآجالا وآليات واضحة لمعالجة الخصاص في الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل وضمان استدامة الإصلاح.
وفي هذا السياق، قال عبد اللطيف اهنوش، عضو المكتب الوطني للنقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة، في تصريح خص به جريدة العمق، إن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية تفتقر إلى رؤية شمولية وعميقة للنهوض بقطاع الصحة، مبرزا أن هذه الهيئات تطرح القضايا الصحية كمجرد شعار عام للاستهلاك الانتخابي عوض التعامل معها كأولوية وطنية. وسجل المتحدث ذاته أن هذه البرامج لا تقدم أي حلول واقعية للحفاظ على مكتسبات الشغيلة الصحية وإصلاح القطاع، معتبرا أن المعالجة السطحية للأزمات المتراكمة تعكس غياب تصور واضح لبناء منظومة صحية عادلة ومستدامة.
وأوضح المسؤول النقابي، في سياق تقييمه لهذه البرامج، أنها تتجاهل بشكل تام مطالب الشغيلة الصحية، وخاصة فئة الممرضين وتقنيي الصحة، حيث تعمد الهيئات الحزبية إلى اختزال العاملين في القطاع في فئة الأطباء فقط. وشدد المصدر نفسه لجريدة العمق على أن هذا التوجه يبين تهميشا واضحا لفئة تشكل أزيد من خمسة وستين بالمائة من الموارد البشرية للقطاع، وتقدم أكثر من ثمانين بالمائة من الخدمات الصحية وفقا لإحصائيات المنظمة العالمية للصحة، مشيرا إلى أن هذه البرامج تغفل مطالب أساسية تتعلق بتحسين ظروف العمل والحفاظ على مكتسبات الوظيفة العمومية في ظل الإصلاحات الحالية.
وأضاف المتحدث ذاته أن الوعود الحزبية تتسم بكونها عامة وفضفاضة وتغيب عنها الأرقام الدقيقة والآليات المحددة للتنفيذ، مسجلا عدم تقديم أي التزامات واضحة بشأن توزيع الموارد البشرية أو خطط محددة لسد العجز الحاد في أعداد الممرضين والتقنيين. وتابع عضو المكتب الوطني للنقابة المستقلة مبينا أن غياب إطار زمني أو مالي يضمن تنزيل هذه الأفكار على أرض الواقع يجعلها مجرد وعود معلقة، متجاهلة بذلك تحقيق المطالب الاجتماعية العالقة وتوفير الحماية القانونية والمهنية، والارتقاء بالأوضاع المادية والمعنوية لهذه الفئة التي تعتبر الدعامة الأساسية والعمود الفقري للمؤسسات الاستشفائية.
وأشار القيادي النقابي إلى أن الأحزاب السياسية تظهر انفصالا تاما عن الواقع اليومي والميداني للمؤسسات الصحية، مبرزا أنها تتجاهل العجز الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، وكذا ضعف البنيات التحتية واللوجيستية. وأكد اهنوش أن هذا النقص المسجل لا يقتصر تأثيره على إنهاك الأطر الصحية فحسب، بل يمس المواطن المغربي بشكل مباشر ويعرقل حقه الدستوري في الحصول على العلاج والرعاية الصحية اللازمة.
وخلص الفاعل النقابي في تصريحه إلى أن أي إصلاح مرتقب للقطاع الصحي يظل مرهونا بوجود إرادة سياسية حقيقية تضع العنصر البشري بجميع فئاته ومكوناته في صلب الاهتمامات، وخاصة الفئة الأعرض المتمثلة في الممرضين التي توصي المنظمات العالمية بضرورة الاعتناء بها. وختم كلامه بالتأكيد على وجوب اعتماد هذه الإرادة السياسية على أرقام والتزامات صريحة قادرة على معالجة الاختلالات من جذورها، بعيدا عن منطق الاستهلاك الانتخابي.
المصدر:
العمق