آخر الأخبار

“وهم” المقاطعة.. الفاتورة السياسية للغياب عن صناديق الإقتراع

شارك

كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، عاد إلى الواجهة النقاش ذاته، وبرزت في أوساط الشباب نبرة مألوفة، تغذيها خيبات متراكمة وتطرح الأسئلة نفسها: “ما الجدوى؟”، “الجميع سواء”، “ولاد عبد الواحد واحد” و”ما في القنافد أملس” “هل يمكن لصوت واحد أن يغير شيئا”؟. وبالتوازي مع ذلك، تتسع خطابات التيئيس التي تقدم العزوف عن المشاركة السياسية باعتباره موقفا احتجاجيا أو تعبيرا عن الرفض.

غير أن المشكلة في هذا المنطق أنه قد يبدو احتجاجيا في ظاهره، لكنه لا ينتج بالضرورة أثرا سياسيا قد يكون وخيما ويأتي بنتائج عكسية في الواقع.

فالعزوف عن التصويت لا يوقف العملية الانتخابية، ولا يلغي نتائجها، ولا يفرغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها. وعلى العكس من ذلك، فإن الانسحاب من المجال الانتخابي يترك مساحة القرار لمن اختاروا المشاركة، بما يعني عمليا أن من يغيب عن صندوق الاقتراع يتخلى، ولو بصورة غير مباشرة، عن جزء من قدرته على التأثير في اتجاهات القرار العمومي.

أن ينسحب الشباب من لحظة يفترض أن يكونوا فيها طرفا في تحديد من يمثلهم، ومن ثم يتركون صناعة التوازنات السياسية والقرارات المصيرية التي تهم حاضرهم ومستقبلهم، لمن يملكون حضورا انتخابيا أكثر انتظاما. فغياب فئة واسعة من الناخبين لا يعني أن مصالحها ستغيب تلقائيا عن أجندة المؤسسات، بل قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى اختلال تمثيلية الأولويات الاجتماعية داخل المجال السياسي.

وعندما لا تتحول مطالب الشباب المتعلقة بالتشغيل والتعليم والسكن والعدالة الاجتماعية والفرص الاقتصادية إلى قوة انتخابية قابلة للقياس والمساءلة، فإن قدرتهم على فرض هذه القضايا ضمن أولويات الأحزاب والبرامج والسياسات العمومية تظل محدودة. لذلك، فإن المشاركة ليست مجرد ممارسة لحق فردي، وإنما وسيلة لبناء وزن سياسي جماعي يجعل تجاهل مطالب الشباب أكثر كلفة سياسيا.

أما على مستوى صناعة القرار العمومي، فإن خطورة العزوف تتجاوز يوم الاقتراع لتصل إلى ما بعده. فالسياسات العمومية لا تصاغ في فراغ، وإنما تتأثر بموازين القوى وبالأولويات التي تفرض نفسها على المؤسسات والفاعلين السياسيين.

وإذا بقيت الفئات الأكثر تضررا من البطالة والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات والفرص الاقتصادية بعيدة عن المشاركة السياسية، فقد يستمر ضعف حضور هذه القضايا في سلم الأولويات، بما يسمح بإعادة إنتاج الاختلالات نفسها وتأجيل معالجة أعطاب التنمية.

إن العزوف، حين يتحول إلى سلوك جماعي مستدام، قد لا يغير الواقع الذي يحتج عليه، بل قد يساهم، بصورة غير مباشرة، في إدامته، لأن ضعف المشاركة يعني ضعف القدرة على المحاسبة والضغط والتأثير في الاختيارات التي ترسم مسارات الاستثمار والتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية.

في السياسة، لا تظل المقاعد شاغرة. والقاعدة البسيطة التي ينبغي أن يدركها كل ناخب هي أن المجال الذي لا يشغله أصحابه سيشغله غيرهم. ولذلك فإن مقولة “الكرسي الفارغ” لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد استعارة سياسية، بل باعتبارها تحذيرا من وهم مفاده أن عدم المشاركة يمكن أن يكون، في حد ذاته، أداة لتغيير موازين القوى.

فالمرشح الذي يصل إلى البرلمان لن ينتظر المترددين أو المقاطعين. سيحصل على مقعده وفق الأصوات التي جمعها، ثم يمارس دوره داخل المؤسسة التشريعية، ويساهم في مناقشة القوانين والسياسات العمومية والميزانيات والخيارات التي تمس قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار. وفي نهاية المطاف، ستؤثر هذه القرارات في حياة الجميع، بمن فيهم أولئك الذين اختاروا عدم التصويت.

لكن المشاركة لا تعني، بأي حال من الأحوال، منح شيك على بياض للأحزاب والمرشحين. العكس هو الصحيح. فالانتخابات تمنح المواطن فرصة لمحاسبة من سبق أن تحمل المسؤولية، واختيار البدائل، ورفض الوجوه والسياسات التي لا تستجيب لتطلعاته. وإذا كانت النخب السياسية القائمة لا تقنع شريحة واسعة من الشباب، فإن الرد الأكثر فاعلية ليس بالضرورة الانسحاب من المشهد، وإنما استخدام الصوت الانتخابي لتغيير موازين القوى داخله.

وهنا لا بد من الإشارة إلى من حقّ كل مواطن أن يختار، بكل حرية، أن يشارك أو أن يقاطع، وأن تكون له قناعته الخاصة التي لا ينبغي أن يُدان بسببها أو أن يُنظر إليه باعتباره جزءا من هذا الطرف أو ذاك. فالمقاطعة، في نهاية المطاف، موقف سياسي ومدني يعبر عن رؤية أصحابها، تماما كما أن المشاركة تعبير عن اختيار آخر، ولا معنى للديمقراطية إذا لم تتسع لمختلف المواقف والاختيارات.

لكن، في المقابل، هناك حقيقة لا ينبغي تجاهلها: كلما انخفضت نسبة المشاركة، اتسعت استفادة القوى الأكثر تنظيما والأكثر قدرة على تعبئة ناخبيها، وفي مقدمتها الأحزاب والجهات التي تتوفر على قواعد انتخابية ثابتة. فحين يشارك عدد محدود من المواطنين، تصبح أصوات الفئات المنظمة أكثر تأثيرا في تحديد النتائج، بينما يمكن لمشاركة واسعة أن تقلب الموازين وتربك الحسابات الانتخابية التقليدية.

ولهذا فإن من يراهن على المقاطعة باعتبارها وسيلة لمعاقبة الفساد أو الاحتجاج على أداء الأحزاب، يحتاج أيضا إلى أن يسأل نفسه: هل تؤدي المقاطعة فعلا إلى إضعاف المستفيدين من الوضع القائم، أم أنها تمنحهم، من حيث لا يقصد، فرصة أكبر للحفاظ على مواقعهم؟ وفي النهاية، يظل القرار حقا فرديا لا يُنتزع من صاحبه: أن يشارك من يرى في المشاركة طريقا للتغيير، وأن يقاطع من يرى في المقاطعة تعبيرا عن رفضه، على أن يدرك كل طرف أن لاختياره، مشاركةً أو مقاطعةً، أثرا سياسيا على النتيجة التي ستفرزها صناديق الاقتراع.

وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”التصويت العقابي” أي تحويل ورقة الاقتراع إلى أداة للمساءلة السياسية. فالديمقراطية لا تقوم فقط على اختيار من نؤيد، وإنما تقوم أيضا على القدرة على معاقبة من أخفق، وتغيير من لم يعد يحظى بثقة الناخبين، وفتح المجال أمام بدائل جديدة.

والشباب المغربي، بالنظر إلى حضوره الديموغرافي ودوره المتزايد في تشكيل النقاش العام، يملك قدرة حقيقية على التأثير في اتجاهات المشهد السياسي. غير أن هذه القوة تفقد جزءا كبيرا من قيمتها عندما تبقى محصورة في فضاءات التذمر، أو في موجات الغضب العابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن تتحول إلى مشاركة مدنية وسياسية فعلية.

إن الانتخابات التشريعية المقبلة ليست مجرد موعد إجرائي لتوزيع المقاعد وترتيب الحسابات الحزبية، بل تمثل إحدى لحظات ممارسة المواطنة، وفرصة للتعبير عن الاختيارات والمطالب والرفض والمحاسبة. وكلما اتسعت مشاركة الشباب، ازدادت قدرة هذه الفئة على فرض قضاياها على أجندة الأحزاب والمرشحين والمؤسسات، وعلى تحويل مطالبها من شعارات متداولة إلى أولويات سياسية قابلة للمساءلة.

لا أحد يطلب من الشباب أن يثقوا في الجميع، ولا أن يصوتوا لمن لا يقتنعون به. المطلوب فقط ألا يحولوا الإحباط إلى انسحاب دائم، وألا يتركوا للآخرين مهمة اتخاذ القرارات التي ستحدد جانبا مهما من مستقبلهم.

فالمقاطعة قد تمنح صاحبها شعورا مؤقتا بأنه عبّر عن رفضه، لكنها لا تضمن أن يتحول هذا الرفض إلى تغيير. أما المشاركة الواعية، والاختيار المسؤول، والمحاسبة المستمرة، فهي الأدوات الدستورية والقانونية التي يمكن أن تجعل من الصوت الفردي جزءا من قوة جماعية قادرة على تغيير المعادلات.
لا تتركوا مستقبلكم يُرسم بالنيابة عنكم. ولا تجعلوا من غيابكم هدية مجانية لمن يراهن على بقائكم خارج دائرة التأثير. فالسياسة، في نهاية المطاف، تُصنع بمن يحضرون، ويشاركون، ويحاسبون؛ لا بمن يكتفون بمراقبة المشهد من مقاعد المتفرجين.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا