يعيش قطاع الكتاب المدرسي بالمغرب على وقع تجاذب مقلق بين الكتبيين والناشرين حول شروط التوزيع وهامش ربح الفاعلين، إذ عاد إلى الواجهة من جديد ملف إنتاج وتوزيع “المقررات الريادية”، تزامنا مع انطلاق الدخول المدرسي 2026-2027، لا سيما بعد حذف النسبة المحددة سابقًا من دفتر التحملات.
ويتركز جوهر الخلاف حول موقع الكتبي داخل هذه المنظومة، بعدما كانت دفاتر التحملات السابقة تتضمن بشكل صريح نسبة محددة ضمن هوامش التوزيع، قبل أن تختفي هذه النسبة من صفقات الموسم الدراسي الحالي، وبينما يعتبر الكتبيون أن هذا التغيير يمسّ بشكل مباشر التوازن الاقتصادي للمكتبات المهنية ويهدد استمرارية دورها في توزيع المقررات، يرى فاعلون في القطاع أن الأمر يرتبط بإعادة تنظيم آليات التوزيع وتحديد هوامش الربح، في ظل توجه نحو اعتماد قواعد أكثر مرونة في السوق.
مسار مؤسساتي جراء “صمت الوزارة”
وعبّرت رابطة الكتبيين عن رفضها القاطع لحذف الهامش المخصص للكتبيين في إطار صفقات مقررات “مدارس الريادة”، محذرة من أن هذا الحذف، الذي طرأ مؤخرًا بعدما كان متضمنًا بشكل صريح، قد يترتب عنه اختلال في التوزيع وفتح المجال أمام العشوائية والسوق السوداء.
وفي هذا الصدد، أشار الحسن المعتصم، رئيس رابطة الكتبيين، إلى أن الرابطة قد سلكت نهجا قانونيا مؤسساتيا، والتجأت إلى “وسيط المملكة”بعدما لم تتلقّ ردودا من الوزارة الوصية على مراسلات سابقة، بينما تلقت إشعارا اطلعت عليه جريدة “العمق” يفيد بأن ملف التظلم مفتوح لدى الوسيط.
وبالموازاة مع ذلك، طرقت الرابطة باب مجلس المنافسة بخصوص مسألة “حذف هامش الربح من دفتر التحملات”. ولأجل ذلك، فقد حدد المجلس لقاءً تواصليًا تشاوريًا يوم 8 شتنبر للبت في الاختلالات المطروحة.
وتضيف الرابطة: «نؤمن أن الحوار والمساطر القانونية والمؤسساتية هي الطريق الأمثل للدفاع عن حقوق الكتبيين، وسنواصل التحرك إلى أن يتم إنصاف المهنيين».
تأييد للمشروع وحرص على الاستمرارية
أكدت رابطة الكتبيين تأييدها لمشروع “مدارس الريادة” وحرصها على إنجاحه، غير أنها ترى أنه من الحيف أن يتم ذلك على حساب المكتبات المهنية أو عبر إقصاء الكتبي من سلسلة توزيع الكتاب المدرسي.
وفي تصريح لجريدة “العمق”، شدد الحسن المعتصم، رئيس رابطة الكتبيين، على موقفه بالقول: “نؤكد استعدادنا للمساهمة في إنجاح الدخول المدرسي، من أجل ضمان وصول الكتاب إلى التلميذ والأسرة، وحماية المدرسة العمومية، وضمان استمرارية مهنة الكتاب والمكتبات المهنية”.
وترى الرابطة أن الكتبي يظل شريكا أساسيا في إيصال الكتاب إلى الأسرة والتلميذ، وبما أنه يتحمل عبء المخاطر التجارية وتكاليف التوزيع والتخزين، فإن مطالبته بتوفير الكتاب بثمنه الأصلي دون هامش ربح يضمن له الاستمرار أمر غير منطقي.
وأوضح المتحدث ذاته أن الرابطة تنظر إلى القضية من زاوية نسبية، مشيرا إلى أنها، وإن أبدت ثباتا على موقفها، لا تضع نفسها أمام مواجهة مباشرة مع الناشرين، كما أنها لا تتجه نحو أي تصعيد ميداني، وإنما تقف عند حدود المطالبة بتنظيم عادل وشفاف للسوق بما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المتدخلين.
الهامش المنخفض خيار استراتيجي لتعميم الكتاب المدرسي
يرى المسؤول في مطابع “لوماتان”، كمال العلمي، أن تحديد الأسعار وهوامش الربح قد تم ضبطهما عبر آليات وزارية هدفت إلى الجمع بين معيارين: القدرة الشرائية للمواطن والجدوى الاقتصادية للفاعلين.
وفي هذا السياق، أوضح كمال العلمي أن الهامش المنخفض ليس حدثا عارضا، وإنما هو بالفعل نتيجة مباشرة لاختيار استراتيجي يروم تعميم الكتاب المدرسي ووضعه في متناول الجميع، سيما وأن “الكتاب الموجه للتعليم العمومي تقتنيه شريحة واسعة من الأسر غير الميسورة، على عكس التعليم الخصوصي أو الأنظمة الأجنبية، حيث الأثمنة مرتفعة وتتيح هوامش واسعة”.
وحول القيمة التجارية للكتاب المدرسي بالنسبة إلى الكتبي، أكد العلمي أن هذه المقررات أصبحت اليوم بمثابة «منتج استقطاب» أكثر منه مصدر ربح مباشر، إذ تجذب الزبون نحو منتجات أخرى أكثر مردودية داخل المكتبة.
حقيقة نسبة 30 في المائة والسوق الحرة
وفي هذا الصدد، أوضح المتحدث أن ما أثير بشأن أحقية الكتبيين في نسبة أرباح تصل إلى 30 في المائة هو أمر غير مطابق للواقع. ذلك أن منظومة التوزيع بمجملها تتقاسم هذه النسبة، من موزعين وتجار جملة وناقلين وغيرهم، وليس كما يعتبره البعض “هامشا خاصا بالكتبيين” حصرا، ما خلق لبسا وتأويلات متضاربة حول توزيعها.
وبخصوص ما يتداول حول «حذف» الهامش المخصص للكتبيين، أكد بالفعل أن الصفقات هذه السنة لم تعد تنص بشكل صريح على نسبة 30 في المائة، مضيفًا: «أعتقد أن ذلك جاء كرد فعل على سوء فهم عرفته هذه النسبة السنة الماضية».
ويرى كمال العلمي، من وجهة نظره الشخصية، أن هناك نزوعا نحو قواعد السوق الحرة التي تضبط نسب الأرباح بين الفاعلين بناء على المنافسة، دون حاجة إلى تقييدها بشكل مسبق.
وقد أشاد كمال العلمي بكافة الفاعلين داخل السلسلة، ونوّه بمجهوداتهم التي أتاحت طباعة الكتب داخل المغرب عوضا عن استيرادها من الخارج، علاوة على أنهم “رفعوا تنافسية الفاعلين وحسنوا جودة الإنتاج”، فبفضل هؤلاء “أصبحت هذه المعادلة ممكنة ميدانيا”.
وبالنظر إلى حجم التحديات المطروحة، يرى المسؤول في مطابع “لوماتان” أن المرحلة التجريبية لهذه العملية قد أبانت عن نجاح حقيقي، وإن كانت تتخللها من حين إلى آخر بعض “المخاوف والاختلالات المسجلة هنا وهناك”، وهو أمر طبيعي في انطلاقة أي مسلسل جديد.
المصدر:
العمق