شرعت عدة أحزاب سياسية مغربية مبكرا في الإعداد للانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس النواب، المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، من خلال تنظيم مهرجانات خطابية، والإعلان عن برامجها الانتخابية ومرشحيها، فضلا عن تكثيف حضورها على وسائل التواصل الاجتماعي عبر منشورات تحمل رموزها وتدعو، صراحة أو ضمنيا، إلى التصويت لفائدة مرشحيها.
كما خاضت قيادات عدد من الأحزاب جولات وطنية، ودخلت في تراشقات مع خصومها، إلى جانب تحركات أخرى ترمي إلى استمالة الناخبين وحشد الأصوات استعدادا لاستحقاقات 23 شتنبر. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى انخراط بعض الأحزاب في حملات انتخابية سابقة لأوانها؟ وما إذا كانت هذه الأنشطة تندرج ضمن الأدوار العادية للأحزاب السياسية، أم تتخذ طابعا انتخابيا يندرج ضمن الحملة الانتخابية التي تنطلق رسميا يوم 10 شتنبر؟
بين التواصل والدعاية
جوابا على هذين السؤالين، أوضح أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، أنه لا يمكن اعتبار كل تحرك حزبي يسبق الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية مخالفة للقانون، لأن الأحزاب السياسية تظل، حتى خارج زمن الحملة، مخولة دستوريا لممارسة أنشطتها في التأطير والتواصل وعرض مواقفها وبرامجها على المواطنين.
واستدرك الأستاذ الجامعي، في تصريح لـ”العمق”، بأن الإشكال يبدأ حين ينتقل هذا النشاط من التواصل السياسي العام إلى دعاية انتخابية صريحة تستهدف استمالة الناخبين، من خلال الترويج المباشر لمرشح أو لائحة، أو إبراز الرموز والشعارات الانتخابية مقرونة بدعوة واضحة أو ضمنية للتصويت، “لذلك فإن المهرجانات الخطابية والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو والتراشقات بين الأحزاب لا تشكل في حد ذاتها حملة انتخابية سابقة لأوانها”.
وتابع لزرق أن التكييف القانوني يتوقف على مضمونها وغايتها وسياقها، “فإذا ثبت أنها تحولت عمليا إلى طلب مبكر لأصوات الناخبين قبل افتتاح الفترة القانونية للحملة، أمكن اعتبارها إخلالا بقواعد المنافسة الانتخابية وبمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وهو ما يخضع في النهاية لتقدير القضاء الانتخابي استنادا إلى الوقائع والأدلة ومدى تأثيرها في نزاهة الاقتراع”.
وينص القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب على أن تبتدئ الفترة المخصصة للحملة الانتخابية في الساعة الأولى من اليوم الثالث عشر الذي يسبق تاريخ الاقتراع، وتنتهي في الساعة الثانية عشرة ليلا من اليوم السابق للاقتراع. كما نص على أن تحدد السلطة الإدارية أماكن خاصة تعلق بها الإعلانات الانتخابية، وتخصص في كل من هذه الأماكن مساحات متساوية للوائح أو المترشحين.
لكن الأحزاب السياسية اليوم وجدت مساحات أرحب خارج هذه المساحات الصغيرة التي تحددها لها السلطات على بعض الجدران، كما وجدت فضاءات تسمح لها بالتواصل مع الناخبين ومحاولة استمالتهم بعيدا عن الشارع واستعمال الطرق التقليدية مثل مكبرات الصوت. اليوم أصبح جزء كبير من الحملات يخاض على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتسمح مواقع التواصل الاجتماعي، في المغرب، خصوصا “فيسبوك”، للأحزاب السياسية والمرشحين، بالتواصل مع الناخبين بسلاسة وطرق ذكية، بل واستهداف منطقة معينة بشكل دقيق، مقابل إعلانات ممولة، وهو ما دفع عددا من الهيئات والأشخاص لتخصيص ميزانيات تسمح لهم باتخاذ شاشات الهواتف مساحات للتواصل.
بدوره، قال الباحث في العلوم السياسية محمد شقير، في تصريح لجريدة “العمق”، إنه لا يوجد أي نص قانوني صريح يجرم الأنشطة التي تقوم بها الأحزاب السياسية قبيل الانتخابات، حيث يعتبر ذلك ضمن الأنشطة العادية التي تقوم بها هذه الهيئات في إطار وظيفتها التأطيرية والتواصلية.
وأضاف شقير أن عقد التجمعات واللقاءات الحزبية والمهرجانات الخطابية قبيل موعد إجراء الانتخابات وخارج توقيت الحملة الانتخابية، لا يعتبر محظورا إلا إذا ارتأت السلطات المحلية عكس ذلك، حيث من صلاحيتها منع أي نشاط تعتبره يدخل ضمن الحملة الانتخابية التي حدد بلاغ وزارة الداخلية فترتها بين 10 شتنبر ومنتصف ليلة 22 شتنبر 2026.
واعتبر شقير أن كل ما تقوم به الأحزاب من لقاءات وتجمعات ووصلات فايسبوكية يدخل ضمن الأنشطة التعبوية لأعضائها ومناضليها، مشبها ذلك بما تقوم به الفرق الرياضية من تدريبات وحملات إشهارية لتعبئة المتعاطفين معها ومنخرطيها قبيل إجراء المباريات الحاسمة.
وخلص إلى أن السلطة لا تتدخل عادة إلا إذا قامت بعض الأحزاب بتوزيع ملصقات مرشحين أو مرشحات قبل موعد الحملة، أو حملات تشهيرية ضد منافسين، أو إذا قام حزب برفع دعوى يعتبر فيها عملا أو نشاطا من حزب آخر يضر بمبدأ تكافؤ الفرص أو يخل بحرية المنافسة الانتخابية. و”عموما، الضوابط القانونية لا يمكن أن تحد من أي نشاط يتغيا أهدافا انتخابية، بل إن الأخلاق السياسية التي يتشبع بها قياديو وأعضاء ومناضلو الأحزاب هي التي تخفف من هذه المظاهر والتصرفات اللانتخابية”.
قراءة متكاملة
وبالنسبة لأستاذ القانون الدستوري بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، الحسن أشهبار، فإن قراءة التحركات الحزبية السابقة على افتتاح الحملة الانتخابية تقتضي الجمع بين مقتضيات الدستور، والقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والقانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، كما وقع تغييرهما وتتميمهما.
وتكشف هذه القراءة المتكاملة، يقول أشهبار في تصريح لـ”العمق”، أن المشرع لا يخضع جميع مظاهر التواصل السياسي لحكم واحد، بل يميز بين النشاط الحزبي، والحملة الانتخابية، والإعلانات الانتخابية، والبرامج السمعية البصرية، واستطلاعات الرأي. ولذلك، لا يكفي وقوع نشاط قبل 10 شتنبر للحكم بعدم مشروعيته، كما لا يكفي تقديمه بوصفه نشاطا حزبيا لاستبعاده من نطاق الضوابط الانتخابية.
وأوضح أن الدستور يسند للأحزاب السياسية وظائف التأطير والتكوين السياسي وتعزيز مشاركة المواطنين في الحياة الوطنية والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، معتبرا أن عرض التصورات السياسية ومناقشة القضايا العامة وتنظيم اللقاءات مع المواطنين لا ترتبط مشروعيتها، من حيث الأصل، بافتتاح الحملة الرسمية.
وفي هذا الإطار، تحدد المادة 31 من القانون التنظيمي رقم 27.11 بداية الحملة في الساعة الأولى من اليوم الثالث عشر السابق للاقتراع، ونهايتها في الساعة الثانية عشرة ليلا من اليوم السابق له. وبالنسبة إلى اقتراع 23 شتنبر، يقابل ذلك افتتاح الحملة يوم 10 شتنبر. وتضبط هذه المادة المدة المخصصة للحملة، لكنها لا تقدم، بمفردها، معيارا تفصيليا لتكييف كل نشاط حزبي سابق عليها. ولذلك
ولاستخلاص مخالفة نشاط حزبي للضابط الزمني للحملة الانتخابية، بحسب أشهبار، يتعين فحص مضمونه وملابساته، ومن الناحية التحليلية، يتمثل موضع التمييز في مدى انتقال النشاط من التعريف العام بالحزب واختياراته إلى تعبئة الناخبين لفائدة ترشيح أو لائحة في اقتراع محدد. “فمهرجان يناقش السياسات الاقتصادية لا يكتسب بالضرورة صفة الحملة السابقة لأوانها، بينما يقوى هذا التكييف عندما يقترن بتقديم مترشحين وطلب التصويت لفائدتهم واستهداف ناخبي دوائرهم”.
واستدرك بأنه هذه العناصر لا تشكل شروطا تشريعية حصرية، بل قرائن يستعان بها لتقدير الوقائع. كما أن مجرد وجود غاية انتخابية بعيدة لدى الحزب لا يكفي؛ لأن السعي إلى كسب التأييد جزء من طبيعة العمل الحزبي نفسه، وإلا أمكن إدراج جل الأنشطة السياسية ضمن مفهوم الحملة المحظورة، بحسب تعبيره.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن القضاء الدستوري ميز بين مناقشة شؤون المواطنين واستمالتهم انتخابيا، ففي القرار رقم 747/09 الصادر في 24 مارس 2009، اعتبر المجلس الدستوري أن اجتماعا سابقا للحملة، تضمن طلب مساندة المطعون في انتخابه والتصويت لفائدته، يشكل من هذه الوجهة بداية حملة انتخابية جزئية سابقة لأوانها. ومع ذلك، لم يرتب إلغاء الانتخاب على هذا المأخذ لعدم تأثيره في النتيجة وفق ظروف القضية.
و”يستشهد بهذا القرار بوصفه اجتهادا صدر في ظل التشريع السابق، يوضح منهج التكييف والتمييز بين المخالفة وأثرها، دون إحلال إحالاته التشريعية القديمة محل النصوص النافذة”، يضيف أشهبار، “أما الإضافة الأساسية التي يقدمها القانون رقم 57.11، فهي أن بعض القيود المرتبطة بالانتخابات يبدأ سريانها قبل افتتاح الحملة الرسمية”.
واسترسل، و”يتضح ذلك من المادة 115، التي تمنع إجراء استطلاعات الرأي ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بالانتخابات المعنية، ونشر نتائجها أو التعاليق عليها، خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق لانطلاق الحملة إلى انتهاء عمليات التصويت”، مشيرا إلى أن هذا الحظر يبدأ يوم 26 غشت، على اعتبار أن افتتاح الحملة يوم 10 شتنبر، مشيرا إلى أن القانون رقم 55.25 نص صراحة على الوسائط الرقمية، ومنها شبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي، وشدد العقوبات المرتبطة بمخالفة المادة.
ونبه إلى أنه لا يجوز توسيع هذه القاعدة الخاصة لتصبح حظرا عاما على النقاش السياسي خلال الأيام الخمسة عشر السابقة للحملة، مشيرا إلى أن استطلاع الرأي يقوم، وفق تعريف المادة 115، على جمع أجوبة فردية ضمن تحقيق أو بحث أو تحر لدى عينة من السكان، للحصول على معلومات إحصائية أو معرفة الآراء المرتبطة بالعمليات المعنية. ولذا، يجب التمييز بين هذا النشاط وبين التعبير عن موقف سياسي أو تقديم تحليل لا يقوم على استطلاع.
وفي المجال الرقمي، يضيف الأستاذ الجامعي، يبقى واجبا فصل مسألة التوقيت عن مسألة طريقة النشر، فالمادة 40 من القانون التنظيمي رقم 27.11، تعاقب نشر إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية. كما تتناول المادة 42 الإعلانات الانتخابية للوائح أو مترشحين غير مسجلين وتوزيع برامجهم أو منشوراتهم. وعليه، قد يستدعي منشور معين بحث مخالفة محددة بسبب تمويل نشره أو موضوعه، وليس فقط بسبب تاريخه؛ مع ضرورة إثبات عناصر النص المنطبق وعدم مساواة البرنامج العام للحزب تلقائيا ببرنامج مترشح غير مسجل.
ولتحديد وقوع حزب في مخالفة القانون وانخراطه في حملة انتخابية سابقة لأوانها، ينبغي، بحسب أشهبار، فحص كل مهرجان أو منشور أو فيديو على حدة، من حيث مضمونه وتاريخه والجمهور المقصود والجهة المنظمة أو الممولة، وصلته بترشيحات محددة. ثم الفصل بين ثبوت المخالفة، وقيام المسؤولية الجنائية عنها، وإمكان تأثيرها في صحة الانتخاب.
وأكد بأن هذه نتائج قانونية متمايزة، ولا تترتب جميعها بمجرد وصف النشاط بأنه “انتخابي”، موضحا أن التحركات السابقة على 10 شتنبر قد تتوزع بين نشاط حزبي مشروع، ودعاية انتخابية مبكرة مخالفة للضوابط، وأفعال تخضع لمحظورات خاصة يبدأ بعضها قبل الحملة. والحكم على الأحزاب يقتضي الانتقال من الوصف العام للظاهرة إلى التكييف المحدد لوقائع ثابتة، في ضوء النصوص المتكاملة واجتهاد القضاء.
المصدر:
العمق