يرى أخصائيون أن التلاميذ لا يستعدون للعودة إلى الدراسة في الظروف الأسرية والاجتماعية والاقتصادية نفسها، إذ يمكن أن تختلف التجربة من طفل إلى آخر حسب طبيعة المحيط الذي يعيش فيه وما يوفره من ظروف قد تنعكس على حالته النفسية واستعداده للتمدرس مع بداية الموسم الدراسي.
ومن هذه الزاوية، يفتح تفاوت الظروف الأسرية النقاش حول تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأسرية على الصحة النفسية للتلاميذ المقبلين على موسم دراسي جديد، ومدى انعكاسها على استعداد الطفل للعودة إلى المدرسة، وقدرته على التكيف مع متطلبات الدراسة ومحيطها.
سامي دقاقي، أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء باحث في علم النفس وعلوم التربية، قال إن “استعداد الأطفال للسنة الدراسية وعودتهم إلى مقاعد المدرسة لا يتحقق فقط بإعادة تسجيلهم وتوفير الأدوات والمستلزمات المدرسية، وإنما بما يسبقه من شعورهم بالأمان والاستقرار النفسي خلال العطلة الصيفية وبما حصلوا عليه من متعة واسترواح واستكشاف”.
وأضاف دقاقي، في تصريح لهسبريس، أنه “أضحى من الضروري اليوم أن تتوفر الأسر على دخل مالي متوسط على الأقل لأجل تحقيق قدر من الانتفاع النفسي والمادي من العطلة، وأيضا من أجل استقبال الدخول المدرسي بدون مشاكل أو ضغوطات”، موردا أن “الأطفال الذين يعيشون في أسر تعاني ضغوطا مالية أو توترا علائقيا يستقبلون الدخول المدرسي الجديد منهكين وجدانيا”.
وأكد أستاذ علم النفس أنه “بمقاربة الموضوع من منظور سيكولوجيا الحاجات الإنسانية لإبراهام ماسلو، لا سيما ما يعرف بتدرج الاحتياجات، فإن العوز في الحاجات الأساسية من قبيل الأمن والمأكل والمسكن والحب لا شك في أنه يؤثر في الحاجات العليا كالتعلم والإبداع ويعوق تحققها وتطورها؛ لأن الهم الأساسي للطفل هو التكيف -بأكبر جهد ممكن- مع هذا العوز عوض الانفتاح على المعرفة والتحصيل”.
وأفاد المتحدث عينه بأن “الطفل الذي يعيش في منزل يعاني ضائقة مالية (الفقر)، يكون ذهنه مشغولا بشكل لا واعٍ بضغوط الحياة التي تفرض على الأسرة. وهذا يفسر أحيانا لماذا قد يبدو تلميذ فقير أقل تركيزا. طبعا، ليس لضعف ذكائه؛ بل لأن فكره مشغول بتداعيات انتمائه لأسرة معوزة”.
ولفت سامي دقاقي الانتباه إلى أن “ثمة عوامل أخرى ترتبط بالوضع المادي والمالي للأسر، تتدخل في تشتيت الطفل المتمدرس وإخراجه ذهنيا وسيكولوجيا من البيئة الدراسية، والتأثير تاليا على مردوديته ونتائج تحصيله، من بينها الضجيج والازدحام؛ لأن الطفل الذي ينام في غرفة مشتركة، أو يعيش في منزل مكتظ، يفتقر إلى مساحة خاصة للمذاكرة والإنجاز، وحتى إلى ساعات نوم هادئة، بالنظر إلى أن قلة النوم تؤثر مباشرة على الذاكرة العاملة والقدرة على التركيز، لا يقدم أفضل ما لديه، بل قد لا يقدم ما ينبغي منه”.
وذكر أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء، أيضا، “التغذية”، مشيرا إلى أنها “ذات تأثير كبير في هذا الجانب، فنقص التغذية السليمة، أو الاعتماد على أطعمة رخيصة فقيرة من حيث العناصر يؤثر على النمو العصبي وقدرة الجسم على تحمل جهد الدراسة، وبالتالي الشعور الدائم بالإنهاك”. كما أن الوسائل والمستلزمات المدرسية “تلعب دورا أساسيا في النجاح الدراسي واستقبال سيكولوجي جيد ومريح للدخول المدرسي. وهنا، لا يكون الحديث فقط عن الكتب والكراسات والمحافظ فقط؛ بل بتوفير الحاسوب والوصول إلى شبكة الإنترنت وبرامج وتطبيقات تعليمية ذكية…”.
وشدد المختص على أن “هذه التفاصيل المادية صغيرة؛ لكنها تحدث فروقا كبيرة، لأنها إذا توافرت ساهمت في النجاح وبناء التعلمات بشكل صحيح وسريع، وإلا فإنها تظل صامتة تتراكم يوما بعد يوم، وتتحول إلى فجوة معرفية واسعة بنهاية السنة، قد تسهم في الفشل الدراسي وضعف المردودية والنتائج، وحتى الرسوب”.
وختم سامي دقاقي توضيحاته بالإشارة إلى أن المدرسة ينبغي أن تكون منصفة، بحيث لا تنظر إلى المستوى المعرفي للتلميذ فحسب، وإنما ينبغي لها أن تبني جسورا من الدعم الوجداني تعوض، ولو قليلا، ذلك العوز المادي الذي يعيشه الطفل المتمدرس داخل أسرته، فكل شيء يبدأ ببناء أو إعادة بناء الشعور بالأمان النفسي، وأيضا الثقة وتقدير الذات”.
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “مع بداية كل موسم دراسي، لا يعود جميع الأطفال إلى المدرسة وهم يحملون الاستعداد النفسي نفسه؛ فخلف الحقيبة المدرسية والكتب واللوازم، يحمل كل طفل معه واقعا أسريا واجتماعيا واقتصاديا قد يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في قدرته على التكيف والانطلاق في سنة دراسية جديدة”.
وأضافت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “الطفل الذي ينشأ في بيئة أسرية مستقرة، يشعر فيها بالأمان والدعم والاهتمام، يكون أكثر قدرة على مواجهة متطلبات الدراسة والتعامل مع الضغوط المدرسية. في المقابل، قد تجعل الصعوبات الاقتصادية، والنزاعات الأسرية، أو عدم الاستقرار داخل الأسرة، الطفل أكثر عرضة للقلق والتوتر، وقد تنعكس هذه المشاعر على نومه وتركيزه ودافعيته للتحصيل الدراسي”.
وأشارت الأخصائية ذاتها إلى أن “الفوارق الاجتماعية والمادية بين التلاميذ قد تصبح مصدرا إضافيا للضغط النفسي، خصوصا عندما يشعر الطفل بأنه غير قادر على مجاراة أقرانه في الملابس أو اللوازم المدرسية أو الأنشطة المختلفة. وقد يتحول هذا الشعور بالنقص تدريجيا إلى ضعف في تقدير الذات أو الانسحاب الاجتماعي”.
وأكدت المتحدثة عينها أن “الاستعداد للدخول المدرسي لا ينبغي أن يُختزل في توفير الأدوات المدرسية فقط؛ بل يجب أن يشمل تهيئة الطفل نفسيا وعاطفيا. فالإنصات إليه، وطمأنته، وتجنب مقارنته بغيره، وعدم تحميله أعباء المشكلات الأسرية، كلها عوامل تساعده على استعادة توازنه وثقته بنفسه”.
وأبرزت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية أن “المدرسة بدورها مطالبة بأن تكون فضاء آمنا يحتضن اختلاف الظروف بين التلاميذ، وألا تتحول الفوارق الاجتماعية إلى مصدر إضافي للشعور بالدونية أو الإقصاء”، موردة أن “الصحة النفسية للطفل ليست امتيازا مرتبطا بالوضع المادي للأسرة، وإنما هي أساس من أسس نجاحه الدراسي وتطوره الشخصي”.
وختمت ندى الفضل تصريحها بالقول إن “نقطة انطلاق الأطفال قد تختلف؛ لكن مسؤوليتنا هي أن نضمن ألا تتحول هذه الاختلافات إلى عوائق أمام حقهم في التعلم والنمو النفسي السليم”.
المصدر:
هسبريس