تشهد عدد من المناطق القروية بإقليم زاكورة، على غرار عدد من أقاليم الجنوب الشرقي، نقاشا متجددا حول صعوبة الولوج إلى رخص البناء، في ظل مساطر إدارية وتقنية يعتبرها فاعلون محليون غير ملائمة بشكل كاف لخصوصيات هذه المناطق المجالية والاجتماعية. ويرى هؤلاء أن تعقيد الإجراءات وارتفاع كلفة البناء، إلى جانب بعد بعض الدواوير عن المراكز الإدارية، يزيد من معاناة الأسر الراغبة في بناء مساكنها.
يتزامن هذا النقاش مع تنامي الدعوات إلى تبسيط مساطر البناء بالعالم القروي مراعاة للظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف نقل المواد دون إرهاق المواطنين ماليا وإداريا، وهي الإشكالات التي أعادتها إلى الواجهة واقعة إقدام سيدة بكلميمة على إضرام النار في جسدها إثر منعها من بناء مسكن يأوي أبناءها بديل لبيتهم الطيني المنهار بداعي غياب الرخصة.
وقال البيض في حديث مع “العمق”، إن واقعة المواطن بجماعة أفرا تعكس، بحسب تقديره، حجم المعاناة التي يمكن أن يعيشها المواطن من أجل الحصول على رخصة بناء، مشيرا إلى أن المعني بالأمر “365 يوم وهو كيستنى الرخصة” لبناء مسكنه، بعدما مر عبر مراحل طويلة من “الطلوع والهبوط” بين المصالح المعنية.
واعتبر المتحدث أن الإشكال لا يرتبط بالضرورة بالأشخاص، وإنما أيضا بطريقة اشتغال المسطرة نفسها، موضحا أن إخضاع سكان المناطق النائية في الجنوب الشرقي للإجراءات ذاتها المعتمدة في المدن الكبرى لا يأخذ، في نظره، بعين الاعتبار الخصوصيات المجالية والاجتماعية لهذه المناطق.
وأوضح البيض أن سكان زاكورة يعيشون في تجمعات سكنية تقليدية منفصلة في الغالب عن الأراضي والمجالات الفلاحية، معتبرا أن التعامل مع هذه الخصوصيات بمنطق المساطر الحضرية يخلق صعوبات إضافية أمام المواطنين الراغبين في بناء مساكنهم.
وانتقد البيض كذلك ما وصفه بارتفاع كلفة الوثائق والإجراءات المرتبطة بالبناء مقارنة مع القيمة المحدودة للأراضي في عدد من المناطق، متسائلا: “واحد الإنسان يالاه عندو فين يدفن حنش واقف، وكتجي كتقوليه خص الرخصة، خص البلان”.
ودعا الفاعل الحقوقي والجمعوي إلى اعتماد مسطرة مبسطة في العالم القروي، تقوم على التحقق من وضعية الأرض وانتفاء النزاع بشأنها، مع إخضاع البناء لدفتر تحملات واضح يلتزم به صاحب المشروع، بدل إرهاق المواطنين بإجراءات وصفها بالمعقدة.
واقترح، في هذا الإطار، إحداث آلية أو مكتب للدراسات تابع للعمالة أو للمجلس الإقليمي لمساعدة المواطنين على إعداد التصاميم والوثائق التقنية، على أن يتم ذلك في آجال معقولة وبكلفة رمزية، مع الحفاظ على المراقبة التقنية واحترام شروط السلامة.
وشدد البيض على أن “المسطرة ديال المجال الحضري ما قادرينش عليها الناس ديال الإقليم”، داعيا إلى اتخاذ إجراءات محلية من شأنها تسهيل وتبسيط مساطر البناء، ومقترحا ألا تتجاوز مدة معالجة الملفات، في الحالات العادية، شهرين على أبعد تقدير.
كما دعا إلى توجيه الرقابة نحو المخالفات التي يعتبرها أكثر خطورة، من قبيل الترامي على أراضي الغير، وحفر الآبار بشكل غير قانوني، والاستغلال غير المنظم للمياه، وبعض مظاهر الريع والتلاعب في المشاريع، بدل تشديد المساطر على المواطنين الذين يسعون إلى بناء مساكن بسيطة.
وفي الجانب الاجتماعي، طالب البيض بالتفكير في آليات لدعم البناء في الجنوب الشرقي، على غرار برامج الدعم السكني الموجهة إلى مناطق أخرى، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف نقلها إلى المناطق النائية يزيد من أعباء الأسر.
واعتبر أن سكان المنطقة يتوفرون، بحكم التجربة، على خبرة متراكمة في مجال البناء، داعيا إلى اعتماد معايير تقنية ودفاتر تحملات واضحة، مع إمكانية إخضاع الأوراش للمراقبة، بما يضمن احترام شروط السلامة دون تحويل الرخص إلى “متاهة” إدارية.
وأكد على أن تبسيط مساطر البناء أصبح، في نظره، من الملفات التي تستوجب تدخلا جديا من المنتخبين والبرلمانيين والسلطات، معتبرا أن تسهيل بناء السكن في المناطق النائية يمكن أن يساهم في الحد من معاناة السكان وتشجيعهم على الاستقرار داخل الإقليم، بدل دفعهم إلى الهجرة نحو المدن الكبرى.
المصدر:
العمق