ذ. محفوظ كيطوني
حين يمزق العلم المغربي في احتجاجات أمام البرلمان الإسباني في مدريد وتتداوله مختلف قنوات العالم، فالأمر هنا لم يعد يتعلق بصورة هامشية أو حدث منعزل أو من قبل شخص منفصل، بل بإهانة رمز من رموز السيادة والهوية الوطنية، لا يمكن بأي حال من الأحوال المرور عليها وكأن شيئا لم يقع.
فالذي تم تمزيقه ليس مجرد قطعة قماش حمراء يتوسطها نجمة خضراء نستحضرها في احتفالاتنا وانتصاراتنا وحتى في احتجاجاتنا ونفرضها على مختلف الفنانين الأجانب في منصات المهرجانات.. وإن كان لنا تحفظ مطلق في التعامل واستعمالها في المكان اللائق بها.. فإنما العلم رمز الدولة والشعب والسيادة والهوية والذاكرة المشتركة، فبالرغم من مبادرة البعض إلى إدانة الواقعة، وهي مواقف ينبغي تسجيلها لأصحابها والإشادة بها عاليا، لكن تسجيل ذلك لا يلغي السؤال القابل للنقاش والأكثر إلحاحا، وهو: أين الباقون؟
أين هي مختلف الأحزاب، وخاصة الكبيرة، التي تتنافس هذه الأيام على كل شيء وفي كل شيء، على الماء والسماء والشجر والحجر.. والتي لم تكن تكاد تترك تصريحا انتخابيا أو خلافا سياسيا أو سجالا عابرا أو حتى لمزة دون أن يكون لها رأي فيه أو بلاغ أو رد؟
أين الجمعيات والهيئات والمنظمات والرابطات والنقابات والفيدراليات التي لوقت قريب أصبحت البيانات والبلاغات بالنسبة لأغلبها جزءا من نشاطها اليومي واستمرار وجودها الفعلي؟
إلى غاية حدود ما أمكن رصده إلى كتابة هذه السطور، بدا حجم التفاعل المدني والحزبي محدودا جدا بالرمزية التي تحملها الواقعة من جهة أولى، ومن جهة ثانية بالظرفية والتي تتنافس فيها الأحزاب في نقل الجماهير للقاءات والقاعات واختيار الخطابات وإطلاق الشعارات وتنظيم الاحتفالات وتدجين الصفحات ومحاولة تعبئة الحس النضالي إن بقي هناك نضال واتصال،، فإن كان من حق أي مواطن إسباني أن يحتج على حكومته، وأن يناقش سياسة بلده وأن ينتقد علاقتها مع مملكتنا وأن يدافع عن تصوراته ومطالبه باحتجاجات،، ففي نفس الوقت من حقنا نحن أيضا أن نقول إن تحويل الخلاف السياسي إلى استهداف لعلم بلد بأكمله أمر مرفوض ولا مجال للانتظار أو السكون،، خاصة عندما يقع في سياق يتداخل فيه الاحتجاج السياسي مع خطاب متطرف مناهض للمهاجرين.
فالواقعة لم تصدر عن مواطن غاضب مر صدفة أمام تظاهرة وتحّمس قليلا، بل صدر من بيدرو تشابارو رئيس حزب الديمقراطية الوطنية، الإسباني، ونائبه غونزالو مارتين، هذا التنظيم المصنف ضمن اليمين المتطرف وقد تبنى التنظيم نفسه الفعل ونشره ضمن خطابه السياسي.
ومن هنا فإن اختزال المسألة إما في “حرية التعبير” أو في كونه أمر “خاص بالدولة” والصمت حكمة،، فيصبح تبسيط خطير للمسألة.
فمن حق أي حزب في العلم أن يعبر وفق توجهه وأيديولوجيته، ولكن من حقنا أن نعارض وأن نستنكر وأن ندين أي تصرف، عندما يمس سواء حزب أو هيئة أو حتى جهة رسمية لرمز من رموزنا الوطنية وهويتنا المشتركة، وهذه هي الديمقراطية في أبهى تجلياتها، فالمشكلة الأساسية ليست أن معظم الأحزاب لم تبال، وأغلب الجمعيات والهيئات لم تهتم.. وإنما السؤال الأعمق والقابل للنقاش: هل أصبح اتخاذ موقف في القضايا الوطنية يحتاج إلى حسابات اللحظة السياسية؟
هل تنتظر الحكومة الإشارة للرد؟ وهل ينتظر الحزب تفاعل الحكومة؟ وتنتظر الهيئات والجمعيات مواقف رسمية؟؟ يعني من أين ننتظر الإشارة؟؟ ومن ينتظر من؟؟
هنا تحديدا نقول: الدفاع عن الهوية الوطنية لا يحتاج إلى إذن ولا إلى ترخيص ولا إلى ضوء أخضر من أحد.
لا يحتاج أي حزب إلى إذن كي يقول إن علم بلاده ورمز وطنه خط أحمر.
لا تحتاج جمعية أو هيئة أو فيدرالية أو نقابة إلى تعليمات حتى تدين خطاب الكراهية الموجه ضد المغرب والمغاربة، ولا يحتاج المثقف والصحفي والخطيب والداعية والفنان والمؤثر والفاعل والمحامي والرياضي والأستاذ وطالب.. إلى انتظار بلاغ رسمي كي يساهم في مناقشته ويعيد تفصيله ونشره وشرحه وقراءته وتداوله.
فالوطنية التي لا تتحرك إلا بعد صدور التعليمات أو الإشارات تفقد جزءا من معناها، والخطير أنها مع الاستمرار تتشكل فكرة أن الدفاع عن الهوية والوطنية شأن خاص بالدولة، وهنا نفتح باب الانسلاخ عن الهوية الوطنية.
فالوطنية التي نمارسها فقط عندما يفوز المنتخب الوطني، تملأ الشوارع بالأعلام أو الوطنية الصاخبة التي تتحول إلى التخوين وتوزيع شهادات الولاءات، ووطنية الاحتفالات، ثم يصبح العلم نفسه رمز هذه الوطنية شأنا ثانويا أو خاصا عندما يمزق في سياق عدائي، فالمسألة فعلا تحتاج فعلا إلى شيء من المراجعة.
وبالتالي فلا نقول إن من لم يصدر بيانا أقل وطنية ممن أصدره، ولا نعتقد مطلقا أن حب الوطن يقاس بعدد التدوينات ونشر الصور وإصدار البلاغات،، بل نجزم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير.
فلا بد أن نستشعر أن لنا مؤسسات سياسية ومدنية تمتلك قدرا من الحس الوطني المستقل، وتعرف أن بينها رغم اختلافاتها، وتباين مواقفها، أن لها أرضية مشتركة لا ينبغي أن تضيع وسط أي حسابات ظرفية.
فيمكن للأحزاب أن تتصارع في هذه المرحلة حول الانتخابات، كما يمكن للحكومة والمعارضة أن تختلف حول تدبير السياسات الاجتماعية والتشريعية، ويمكن للحقوقي أن ينتقد سياسة الدولة وللمحامي أن يطعن أو يتوقف عن العمل ضد قوانينها وللصحفي أن يسائل مؤسساتها وللموظف أن يحتج على مراسيمها..
كل ذلك طبيعي، بل ضروري، لكن ما ينبغي أن يبقى لكونه مرتبطا بالهوية واستمرارية الدولة ومؤسساتها، أن تبقى ثوابت وركائز الدولة التي تجمع الجميع.
والعلم واحد من هذه الركائز.
لذلك فإن السؤال بعد واقعة مدريد لم يعد فقط: لماذا قام متطرفون إسبان بتمزيق العلم المغربي؟ فهؤلاء عبروا عن موقفهم وعن تطرفهم والكل يعرف خلفيتهم السياسية والأيديولوجية.
لكن السؤال الذي يعنينا أكثر هو سؤال داخلي: لماذا لم نشعر جميعا بأن الأمر يستحق موقفا؟
ولماذا احتجنا أن نسأل أصلا: أين الأحزاب؟؟ وأين الجمعيات والهيئات؟؟ وأين الشخصيات التي ظلت تقدم نفسها كمطبلة للوطن ومدافعة عن الوطنية؟؟
ربما لأننا اعتدنا في بعض الأحيان أن ننتظر الإشارة حتى في الأمور التي لا ينبغي أن تحتاج إلى إشارة.
بينما بعض المواقف، خاصة المرتبطة بالهوية الوطنية وثوابت المملكة ومقدساتها، يفترض أن تكون تلقائية وعفوية ونابعة من اللاشعور.
لأن الوطنية لا تحتاج إلى إشارة أو ضوء أخضر.
وعلى سبيل الختم، فنحن إن كنا نتفهم عدم صدور الرد الرسمي باعتباره ربما يدخل من باب الحكمة وعدم الانجرار وراء استفزازات صادرة عن تنظيم هامشي لا يعبر عن الموقف الرسمي لدولته، وهو اعتبار كما قلنا نتفهمه وله اعتبارات دبلوماسية وسياسية مفهومة، لكن لا ينبغي ألا نخلط بين صمت الجهات الرسمية الممثلة للدولة المحكوم بحسابات العلاقات الدولية والاختيارات الاستراتيجية وبين صمت الأحزاب والهيئات والنخب والمجتمع والإعلام…
فالمجتمع لا يحتاج إلى بيان دبلوماسي أو رسمي كي يعبر بهدوء عن رفض إهانة أحد رموزه الوطنية.
والحكمة إن اقتضت أن لا ترد الدولة والجهات الرسمية، فهذا لا يعني أن يصمت الجميع، لأن بين التصعيد والصمت مساحة واسعة اسمها الموقف.
المصدر:
هبة بريس