تنظر الأحزاب السياسية إلى دائرة الرشيدية انطلاقاً مما تحظى به من وضع خاص، وتقطيع انتخابي صعب الضبط، لكونه يميل في أحيان كثيرة إلى مناطق الأعيان الذين يتحركون بين الأحزاب بأريحية كبيرة في كل محطة انتخابية.
خمسة مقاعد بمجلس النواب بدت في الاستحقاق السابق منفلتة من قبضة العدالة والتنمية، بعدما توزعت مقاعدها الخمسة على أحزاب التجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والأصالة والمعاصرة، والحركة الديمقراطية الاجتماعية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وتعود الدائرة الواقعة بإحدى أفقر جهات المغرب اليوم إلى السباق بأسماء جديدة، وبانتقالات حزبية تعيد خلط الأوراق، مع صعود أسماء يشكل نفوذها الترابي ما يفوق الامتداد الحقيقي للهيئات السياسية في المنطقة.
في 2021 تصدر التجمع الوطني للأحرار نتائج الدائرة بـ24 ألفاً و927 صوتاً، وحصل على المقعد الأول لعمرو أوجيل، يليه حزب الاستقلال بـ16 ألفاً و14 صوتاً ومقعد للحسن بنلفقيه، ثم الأصالة والمعاصرة بـ14 ألفاً و596 صوتاً ومقعد بواسطة عبد الله العمري.
المقعد الآخر آل إلى حميد نوغو عن الحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ13 ألفاً و100 صوت ومقعد، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ11 ألفاً و651 صوتاً ومقعد للمهدي العالوي.
وبذلك توزعت المقاعد الخمسة على خمسة أحزاب مختلفة، في نتيجة أنهت عملياً احتكار العدالة والتنمية المشهد الذي ميز الانتخابات السابقة. وبلغ مجموع أصوات الأحزاب الخمسة المتقدمة 80 ألفاً و288 صوتاً.
أما في 2016 فتصدر العدالة والتنمية بـ26 ألفاً و252 صوتا، وحصل على مقعد، تلاه الأصالة والمعاصرة بـ15 ألفاً و744 صوتاً ومقعد، ثم الاستقلال بـ15 ألفاً و129 صوتاً ومقعد، فالتجمع الوطني للأحرار بـ9251 صوتاً ومقعد، ثم اليسار الأخضر المغربي بـ8577 صوتاً ومقعد.
والفائزون بالمقاعد كانوا هم: عبد الله هناوي عن “المصباح”، ومحمد بلحسان عن “الميزان”، وعدي بوعرفة عن “البام”، ومصطفى العمري عن “الأحرار”، وعمر ودي عن “اليسار الأخضر”.
الفارق بين المحطتين يبرز كيف أن “حزب الحمامة” حقق قفزة بين الحزبين المتواجدين في نتائج المحطتين، كما دخل حزبان جديدان إلى توزيع المقاعد: “النخلة” و”الوردة”، بمقعد لكل منهما، فيما غادر “البيجيدي” تمثيل الجهة في البرلمان.
رصيد اليسار الأخضر الذي كان خامساً في 2016 اختفى من تركيبة المقاعد في 2021. والنتيجة الأوضح هي أن مقعدين فقط من أصل خمسة انتقلا بين القوى التي كانت ممثلة في 2016، بينما بقيت 3 مقاعد داخل دائرة الأحزاب التي احتفظت بتمثيلها، مع تغير الحزبين اللذين شغلا المقعدين الآخرين.
التجمع الوطني للأحرار حسم ترشيح موحى كراوي، في حين اختار الأصالة والمعاصرة مصطفى العمري، والد النائب عبد الله العمري، الذي ترشح في “تشريعيات 2021” عندما كان والده (مصطفى) ممنوعاً من ذلك بموجب حكم قضائي حينها. وهو اسم سياسي بارز في مدينة الريصاني والمنطقة ويعود إلى الدائرة بعد أن فاز بمقعدها سنة 2016 باسم حزب التجمع الوطني للأحرار.
أما حزب الاستقلال فجدد ترشيح الحسن بنلفقيه، الذي يشغل المقعد منذ 2021، فيما أعاد العدالة والتنمية تقديم محمد التايكي وكيلاً للائحته. واختار حزب الحركة الشعبية محمد عبد البار بلحسان.
ولا تتوقف اللائحة عند هذه الأسماء؛ فقد حسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ترشيح إسماعيل العالوي، ابن المهدي العالوي، عن دائرة الرشيدية. والمهدي اسم سبق أن قاد لائحة الحزب في انتخابتَي 2016 و2021، قبل أن يفسح المجال لابنه إسماعيل الذي استقال من مجلس المستشارين.
كما ظهر “تحالف اليسار”، بين حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، في السباق من خلال فريد قشنى، الذي سبق أن خاض الانتخابات عن “حزب الشمعة” في الدائرة سنة 2021، عندما تم فض التحالف بين الحزبين اليساريين وقتها، قبل أن يعودا إلى التآزر انتخابياً من جديد.
وفي اتجاه آخر دخل عمرو أوجيل، الذي كان أحد أبرز وجوه الأحرار في الدائرة، مساراً انتخابياً جديداً بعد مغادرته الحزب، مع انتقاله إلى التقدم والاشتراكية لخوض تشريعيات 2026 عن الرشيدية، بعدما كان يخوضها بشكل أساسي التاجر بمدينة الريصاني عمر الزعيم، الذي حصد في 2021 زهاء 6401 صوت وحل تاسعاً في اللائحة، كما جاء في الرتبة السابعة في استحقاقات 2016 ونال 6393 صوتاً.
ويظهر في النهاية أن جزءاً من الأسماء المرشحة يحمل معه أرصدة حزبية سابقة في الدائرة، بينما يأتي جزء آخر من انتقالات سياسية بين ألوان مختلفة.
المعركة الانتخابية مرشّحة كي تكون صعبة كعادتها في منطقة يكون فيها الولاء السياسي غير مستقر، لكونه ينبني أحياناً على المصالح والقبلية والامتداد الحقيقي للأعيان في قصور تافيلالت ومداشرها وحواضرها وتقاطعات أخرى تكون الساكنة على بينة بشأنها.
المصدر:
هسبريس