وضع حزب التقدم والاشتراكية ملف الاحتكارات الاقتصادية، وأسعار المحروقات، والعدالة الجبائية في قلب تصوره الاقتصادي للمرحلة المقبلة، ضمن برنامجه الحكومي للفترة 2027-2031، مقترحا حزمة من الإجراءات التي تمس قطاعات حساسة، من بينها إعادة أصول شركة “سامير” إلى الدولة، وتأطير أسعار وهوامش أرباح موزعي المحروقات، وفرض معدل ضريبي يصل إلى 40 في المائة على شركات الاتصالات وموزعي الوقود والمقاولات المستفيدة من وضعيات احتكار بحكم الواقع.
ويقدم الحزب هذه التوجهات باعتبارها جزءا من انتقال نحو ما يسميه “السيادة الإنتاجية” واقتصاد أكثر تنظيما، في مقابل نموذج اقتصادي يعتبر أنه ما يزال يعاني من ضعف المنافسة، وتنامي وضعيات التركيز، ومحدودية الإدماج الصناعي، واستمرار فجوات بين النشاط الاقتصادي المنتج والتمويل المتاح له.
وفي أحد أكثر المقترحات إثارة للاهتمام، ينص البرنامج على اعتماد قانون يقضي بتفويت أصول شركة “سامير” إلى الدولة، عبر تحويل الدين العمومي إلى أسهم، في مسعى إلى إعادة الملف الصناعي والطاقي للمصفاة المتوقفة إلى صلب السياسة العمومية.
ويربط الحزب هذا التوجه مباشرة بسوق المحروقات، إذ يقترح في الوقت نفسه “تأطير أسعار وهوامش أرباح موزعي المحروقات”، بما يعني العودة إلى تدخل مباشر للدولة في ضبط جزء من شروط اشتغال السوق، بدل الاكتفاء بآليات المنافسة وحدها.
ولا يقف البرنامج عند حدود تنظيم الأسعار، بل ينتقل إلى الجانب الجبائي، إذ يقترح إخضاع شركات الاتصالات، وموزعي المحروقات، وكل مقاولة تستفيد من وضعية احتكار بحكم الواقع، لمعدل ضريبة على الشركات يبلغ 40 في المائة.
وفي المقابل، يقترح الحزب خفض معدل الضريبة على الشركات إلى 10 في المائة بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا التي يقل ربحها السنوي عن 500 ألف درهم، بما يعكس توجها يقوم على تخفيف العبء عن الوحدات الأصغر مقابل رفع مساهمة القطاعات والمقاولات ذات الربحية أو النفوذ السوقي الأكبر.
وتشمل الحزمة الجبائية أيضا إحداث ضريبة تضامنية على الثروة، بأسعار تصاعدية تتراوح بين 0.3 و0.5 في المائة، مع اعتماد التصريح الإرادي كأساس لها، إلى جانب إحداث شريحة تضامنية بنسبة 40 في المائة على المداخيل التي تتجاوز 500 ألف درهم سنويا.
كما يقترح الحزب رفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل إلى 60 ألف درهم سنويا، وإعادة بناء تصاعدية الضريبة بشكل أكبر، فضلا عن إلغاء عدد من الاستثناءات الجبائية التي لا تستند، وفق البرنامج، إلى مبرر اجتماعي مثبت.
ويضع البرنامج هذه الإجراءات ضمن تصور أوسع لإعادة توزيع الضغط الجبائي، إذ يقول الحزب إنه يستهدف تعبئة أكثر من 600 مليار درهم من الموارد الإضافية خلال خمس سنوات، عبر توسيع الوعاء الضريبي، وتقليص تكلفة النفقات الجبائية، وتشديد مكافحة التهرب والغش الضريبيين، ومراجعة عدد من الامتيازات القائمة.
ومن بين ما يقترحه الحزب في هذا الباب، تشديد محاربة الفواتير الصورية، والبيع دون فواتير، وأسعار التحويل الاحتيالية، إلى جانب تعيين وسطاء جهويين لتحسين العلاقة بين الإدارة الجبائية والملزمين، وإحداث مجلس استشاري للعدالة والنجاعة الجبائيتين.
كما يقترح نشر تقرير سنوي حول الأثر الاقتصادي والاجتماعي للنفقات الجبائية، وتقليص كلفتها الميزانياتية بنسبة 20 في المائة، بما يعادل نحو 30 مليار درهم خلال الولاية الحكومية.
وفي مسار مواز، يضع حزب التقدم والاشتراكية مكافحة التركيز الاقتصادي ضمن أولويات إصلاح مناخ الأعمال، إذ يدعو إلى الحد من وضعيات التركيز الاحتكاري في القطاعات التجارية وإصلاح مجلس المنافسة، فضلا عن مكافحة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع والاستفادة غير المشروعة من المصالح.
ويعتبر الحزب أن حرية المبادرة والمقاولة في المغرب ما تزال مقيدة بحواجز يربط جزءا منها بما يسميه “اقتصاد الريع” والمستفيدين منه، إلى جانب إطار تنظيمي غير ملائم، لذلك يقترح تقوية قواعد المنافسة وإعادة بناء بيئة الأعمال على أساس أكبر من الشفافية والاستقرار القانوني.
ولمواجهة اختلالات بنية المقاولات، يقترح الحزب إحداث 15 ألف مقاولة صغيرة جدا وصغرى ومتوسطة سنويا، بمعدل لا يقل عن 500 مقاولة في كل جهة، مع العمل على تقليص حالات الإفلاس، وإحداث هيئة للوساطة لفائدة المقاولات.
كما يستهدف البرنامج رفع عدد المقاولات الكبرى بنسبة 50 في المائة، ومضاعفة عدد المقاولات المتوسطة، مع توجيهها نحو تلبية حاجيات السوق الداخلية وتعزيز قدرتها التنافسية والتصديرية.
ومن بين أكثر المقترحات حساسية في علاقة الدولة بالمجموعات الاقتصادية الكبرى، يدعو البرنامج إلى إلزام البنوك وشركات التأمين ومستوردي وموزعي المحروقات وفاعلي قطاع الاتصالات، إضافة إلى كل مقاولة كبيرة تستفيد من احتكار بحكم الواقع، بالإدراج في بورصة الدار البيضاء.
ويربط الحزب هذا الإجراء بتعزيز الشفافية والمنافسة وتوسيع قاعدة التمويل، إلى جانب حماية حقوق المساهمين الأقلية ومضاعفة عدد عمليات الإدراج في البورصة.
كما يقترح إحداث بنك عمومي للاستثمار تحت اسم “Maroc BPI”، مع هدف تعبئة 50 مليار درهم سنويا، لتوجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية والمقاولات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الصناعية والتكنولوجية.
ويعتبر الحزب أن الائتمان البنكي الحالي ما يزال غير موجه بالقدر الكافي إلى الاستثمار المنتج، لذلك يدعو إلى إصلاح الضبط البنكي وتعزيز المنافسة في القطاع المالي، وربط التمويل بإحداث فرص الشغل والتحول الصناعي والتكنولوجي.
وفي الجانب الصناعي، يقترح الحزب رفع مساهمة الصناعة إلى 20 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وإحداث 500 ألف منصب شغل صناعي صاف خلال خمس سنوات، مع خفض عجز الميزان التجاري إلى النصف ليصل إلى 10 في المائة من الناتج.
ويشمل البرنامج أيضا إعادة تأهيل 20 منطقة صناعية غير مستغلة بالشكل الأمثل، وإنشاء خمس مناطق صناعية جديدة في قطاعات مستقبلية، مع فحص اتفاقيات التبادل الحر والسعي إلى التفاوض بشأن مراجعتها.
ويراهن الحزب كذلك على رفع معدل الإدماج المحلي في الصناعة إلى ما لا يقل عن 60 في المائة، وإحداث علامة وطنية للجودة والتصديق، وتمكين المغرب من أسطول تجاري بحري يواكب طموحاته التصديرية.
كما يقترح تخصيص مليار درهم سنويا لبرنامج وطني لدعم البحث والتطوير والابتكار الصناعي، وإحداث أقطاب للابتكار ومختبرات صناعية ترابية للتصنيع الرقمي.
ويخصص البرنامج أيضا حيزا واسعا لإدماج الاقتصاد غير المهيكل، إذ يستهدف إدماج 20 في المائة من الوحدات غير المنظمة داخل القطاع الرسمي، بما قد يدر، وفق تقديرات الحزب، 10 مليارات درهم سنويا من المداخيل الجبائية والاجتماعية.
كما يقترح إخضاع 300 ألف وحدة غير مهيكلة للتعريف الجبائي، وضمان تتبع منشأ ومسار منتجات تجارة الجملة، وتشديد مكافحة التهريب والفوترة الناقصة.
وعلى مستوى تمويل البرنامج ككل، يعرض حزب التقدم والاشتراكية تصورا ماليا يقوم على تعبئة نحو 621.5 مليار درهم من الموارد الإضافية خلال خمس سنوات، مقابل نحو 574.4 مليار درهم من النفقات الإضافية.
ويتوقع البرنامج تسجيل عجز خلال السنتين الأوليين من الولاية، قبل الانتقال إلى فوائض ابتداء من السنة الثالثة، ليصل الرصيد التراكمي في نهاية الفترة إلى حوالي 47.1 مليار درهم.
وتتوزع الموارد التي يعول عليها الحزب بين عقلنة النفقات الجبائية، ومحاربة الغش الضريبي، وتضريب وضعيات الاحتكار، والضريبة على الثروة غير المنتجة، والضرائب المرتبطة بالمواد والأنشطة الضارة، إلى جانب الارتفاع المتوقع في عائدات الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل.
ويبرز ضمن الجدول المالي بند “المرونة الجبائية للاقتصاد” باعتباره أكبر مصدر للموارد الإضافية، إذ يراهن الحزب على أن يوفر وحده 300 مليار درهم خلال خمس سنوات، إلى جانب نحو 172.2 مليار درهم من عائدات الضريبتين على الشركات والدخل، وحوالي 28.8 مليار درهم من تضريب وضعيات الاحتكار.
المصدر:
العمق