لجأ بعض رؤساء المقاطعات بمدينة الدار البيضاء إلى السلطات الولائية من أجل استجلاء الوضعية الحقيقية للمتأخرات المالية المرتبطة باستهلاك الماء والكهرباء، بعدما كشفت مراجعة بعض الحسابات عن فروق كبيرة بين المبالغ التي جرى إشعار المجالس بها في مرحلة أولى، والأرقام التي ظهرت لاحقا بعد التدقيق.
وأفادت مصادر مطلعة لجريدة “العمق” بأن حالة من الارتباك سادت داخل بعض المقاطعات عقب المراسلة التي سبق أن وجهتها رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، إلى رؤساء المقاطعات الـ16، بشأن تسوية الوضعية المالية تجاه الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات.
وكانت “العمق” قد كشفت في ماي الماضي أن مراسلة الرميلي فجرت نقاشا داخل عدد من المجالس، بعدما وجدت مقاطعات نفسها أمام مبالغ مرتفعة مرتبطة بمتأخرات استهلاك الكهرباء تعود في جانب منها إلى سنوات سابقة، في أعقاب عملية مراجعة للحسابات بعد انتقال تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات.
وبحسب مصادر الجريدة، فإن بعض رؤساء المقاطعات طالبوا بالتدقيق في هذه الأرقام قبل ترتيب أي مسؤوليات مالية أو إدارية عليها، خصوصا بعدما تبين أن بعض المبالغ تحتاج إلى مراجعة ومطابقة مع العدادات والفواتير والفترات التي تعود إليها.
وتقول المصادر إن جزءا من الإشكال يرتبط بديون راكمتها مرافق جماعية خلال سنوات وولايات انتدابية متعاقبة، ما يجعل تحميل المجالس الحالية مسؤولية تراكمها موضوع تحفظ لدى عدد من المنتخبين، في انتظار ضبط تاريخ كل مستحق والجهة أو المرفق المرتبط به.
وتبرز مقاطعة عين الشق نموذجا واضحا لحجم التفاوت بين الأرقام المتداولة، إذ سبق أن أثار ملف مديونيتها جدلا بعدما جرى الحديث عن متأخرات تناهز 900 مليون سنتيم. ويظهر التحقق من المعطيات المنشورة أن الرقم لم يكن مجرد ادعاء مجهول المصدر، إذ كشف أيمن بصير، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس مقاطعة عين الشق، في يوليوز الماضي، أن مراسلة رسمية لرئيسة جماعة الدار البيضاء تحدثت عن ديون قدرها 9 ملايين و199 ألفا و235 درهما، أي ما يقارب 920 مليون سنتيم.
غير أن الرقم تغير بشكل كبير بعد مراجعة المعطيات، إذ قال المسؤول المنتخب ذاته إن المبلغ الذي تم الإعلان عنه لاحقا بلغ مليونا و222 ألفا و568 درهما و6 سنتيمات، أي حوالي 122.3 مليون سنتيم، مشيرا في حينه إلى أن الرقم الجديد لم يكن قد وصل إلى المجلس بواسطة مراسلة رسمية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أفادت به مصادر “العمق”، التي أكدت أن التواصل والتدقيق مع الشركة الجهوية متعددة الخدمات أظهرا أن المبلغ الحقيقي المتبقي المرتبط بعين الشق يدور حاليا في حدود 127 مليون سنتيم، وليس قرابة 900 مليون سنتيم كما ورد في الحساب الأول.
ويشير الفارق المحدود بين مبلغ 122.3 مليون سنتيم الذي ظهر خلال مناقشات يونيو ويوليوز، والمعطى الأحدث الذي حصلت عليه “العمق” والبالغ نحو 127 مليون سنتيم، إلى استمرار عمليات التحيين والمطابقة، لكنه يؤكد في المقابل أن المديونية الفعلية بعيدة بشكل كبير عن مبلغ نحو 920 مليون سنتيم الوارد في المعطيات الأولى.
وكانت مقاطعة عين الشق قد خرجت، في 14 غشت الماضي، ببلاغ رسمي نفت فيه بشكل قاطع أن تكون مدينة بمبلغ 900 مليون سنتيم عن استهلاك الماء والكهرباء، مؤكدة أن المعطيات المتعلقة بالتزاماتها ونفقاتها يتعين استقاؤها من الوثائق والمصالح والمؤسسات المختصة.
وتبين المعطيات المتاحة أن مجلس مقاطعة عين الشق ناقش الملف فعليا خلال دورته العادية لشهر يونيو 2026، حيث أدرج ضمن حساب النفقات تحويلا ماليا بقيمة 1,500,966 درهما، أي ما يزيد على 150 مليون سنتيم، لفائدة بند مستحقات استهلاك الكهرباء.
وصودق على التحويل خلال الدورة، فيما صوت فريق العدالة والتنمية ضده، مبررا موقفه بعدم توفر، في تلك المرحلة، معطيات نهائية ودقيقة بشأن القيمة الحقيقية للديون، وليس برفض أداء المستحقات من حيث المبدأ.
كما تؤكد مصادر أخرى تابعت دورة يونيو أن المجلس صادق بالفعل على تحويلات مالية ضمن حساب النفقات برسم سنة 2026، فيما كانت الشركة الجهوية متعددة الخدمات قد قدمت خلال الدورة عرضا أمام الأعضاء حول ملفات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل.
وبحسب مصادر “العمق”، ينتظر استكمال باقي المساطر المالية والإدارية المرتبطة بهذه التحويلات على مستوى جماعة الدار البيضاء، بما يسمح بتسوية المبالغ المستحقة بعد تثبيت قيمتها النهائية.
وتفيد مصادر الجريدة بأن جزءا من المتأخرات موضوع النقاش بعين الشق لا يرتبط حصرا بالولاية الحالية، بل يمتد إلى فترات تدبير سابقة ومرافق وحسابات متوارثة، الأمر الذي فرض مراجعة العدادات والفواتير والجهات التي كانت تستفيد فعليا من الاستهلاك.
وكان النقاش داخل مجلس عين الشق قد أثار بالفعل مسألة طبيعة العدادات التي تحتسب ضمن مديونية المقاطعة، وما إذا كان بعضها مرتبطا بإدارات أو مرافق لا تدخل أصلا ضمن اختصاصاتها، إلى جانب التساؤل عن أسباب عدم إظهار بعض المستحقات وتسويتها خلال السنوات التي ترتبط بها.
ولا يقتصر الإشكال على عين الشق، إذ سبق أن كشفت معطيات حصلت عليها “العمق” أن مراجعة حسابات الماء والكهرباء على مستوى الدار البيضاء أظهرت متأخرات كبيرة تعود إلى سنوات سابقة، مع تسجيل فوارق محاسبية وإشكالات تقنية مرتبطة بانتقال التدبير من “ليدك” إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات.
وكانت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات قد حلت محل “ليدك” في تدبير توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل ابتداء من أكتوبر 2024، في إطار تنزيل القانون المتعلق بالشركات الجهوية متعددة الخدمات.
وترى مصادر “العمق” أن الفارق الكبير الذي ظهر بين بعض المبالغ الأولية والمبالغ التي أسفرت عنها عمليات المراجعة دفع مسؤولين منتخبين إلى مطالبة السلطات الولائية بتوضيح شامل للحسابات قبل إغلاق الملف، تجنبا لتحميل مجالس أو مقاطعات مستحقات لا تخصها أو تعود إلى مراحل سابقة.
ويعيد الملف إلى الواجهة إشكالية تدقيق الالتزامات المالية للمرافق الجماعية، خصوصا في مرحلة انتقال تدبير خدمات أساسية من شركة إلى أخرى، بالنظر إلى ما يمكن أن تفرزه عمليات نقل قواعد البيانات والحسابات والعدادات القديمة من فروق تحتاج إلى المطابقة قبل اعتمادها نهائيا.
وتؤكد المصادر أن تصفية المتأخرات، بعد تحديد قيمتها الحقيقية ومصدرها والفترات التي تعود إليها، من شأنها إنهاء واحد من الملفات المالية التي أثارت جدلا داخل مجالس مقاطعات العاصمة الاقتصادية، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية الحالية.
المصدر:
العمق