حفيظ البدري كود ///
كانت، ولا تزال، رأسمالاً سياسياً. تُستعمل عند الحاجة، وتُستخرج من درج الخطابات كما تُستخرج ورقة انتخابية من صندوق قديم. من حمّام الشلام الاجتماعي إلى برنامج الانتخابات، ومن المنصة الرسمية إلى منصة المهرجان، ومن افتتاح معرض إلى اختتام ندوة، تتغير الوجوه، وتتغير العبارات، ويبقى شيء واحد ثابتاً:
تنيخ بكلكلها.
لا تسأل ماذا تعني. فالمعنى في بعض تدبيرنا الثقافي أصبح تهمة.
المهم أن تكون هناك كلمات كبيرة: الصناعة الثقافية، الاقتصاد الإبداعي، الحكامة، التمكين، الاستدامة، الرؤية، تثمين الإبداع، مواكبة الفنانين…
ثم نعود إلى بيوتنا سعداء.
لقد قيلت الكلمات.
أما ماذا حدث بعد الكلمات؟
فتنيخ بكلكلها.
المشكلة أننا أصبحنا نعيش في بلد يمكن أن تتحول فيه كلمة «الصناعة الثقافية» إلى صناعة قائمة بذاتها، لكن من دون ثقافة تُصنع، ومن دون صناعة تُنتج. صناعة الخطاب عن الصناعة، وهذا ربما هو القطاع الثقافي الوحيد الذي يشتغل دون توقف.
ننتج الندوات حول المسرح أكثر مما ننتج المسرح.
ونناقش أزمة القراءة أكثر مما نقرأ.
وننظم موائد مستديرة حول الاقتصاد الإبداعي، بينما المبدع نفسه يبحث عن مائدة يأكل عليها.
من تنيخ بكلكلها.
في المسرح، مثلاً، لدينا فرق مسرحية، ومهرجانات، ودعم، ولجان، وندوات، وورشات، وملتقيات، وتصريحات، وبلاغات، وصور افتتاحية، وأحياناً حتى جمهور.
لكن أين الصناعة؟
المسرحي يكتب النص، ويخرجه، ويمثله، ويبحث عن الدعم، ويملأ الملفات، ويبحث عن القاعة، ويبحث عن المهرجان، ويبحث عن الفندق، ثم يبحث في النهاية عن نفسه.
إنه الفنان المغربي متعدد الاختصاصات: مؤلف، مخرج، ممثل، منتج، مدير إنتاج، تقني، مسؤول تواصل، محاسب، سائق، وأحياناً حارس أمن.
كل هذا في انتظار أن تأتي الصناعة الثقافية.
التي لا تليخ بكلكلها.
تليخ من (ليخيا ) اي جافيل بالإسبانية. واي جافيل؟
نتكلم هنا عن جافيل د العبار …
المسرح لا يصبح صناعة لأننا أطلقنا عليه «قطاعاً». الصناعة تعني أن العرض يمكن أن يعيش بعد ليلة الافتتاح، وأن هناك شبكة توزيع، وأن هناك مسارح تشتغل، وأن هناك شركات إنتاج، وأن هناك أجوراً تحفظ كرامة العاملين، وأن هناك جمهوراً يمكن الوصول إليه، وأن الفنان يستطيع أن يعيش من مهنته دون أن يتحول إلى متسول محترف أمام أبواب المؤسسات.
أما أن يكون العرض المسرحي صالحاً لموسم المهرجانات المخاطة على قد المقاس فقط، ثم يُدفن في مستودع، فهذا ليس اقتصاداً ثقافياً.
هذا اقتصاد جنائز تنيخ بكلكلها.
والتشكيل ليس أفضل حالاً.
الفنان التشكيلي ينتج العمل، ثم يبحث عن جدار. وبعد أن يجد الجدار يبحث عن من يراه. وبعد أن يراه أحدهم يسأله: «واش عندك شي مشروع؟»
طبعاً عنده مشروع.
المشروع هو أن يبقى فناناً.
لكن هذه الإجابة لا تدخل في خانة المؤشرات.
نحن نحب الفنان أكثر عندما يكون في صورة جماعية، أقل عندما يطلب حقه، وأكثر عندما يتحدث عن الوطن، وأقل كثيراً عندما يسأل عن الميزانية.
نحب اللوحة في حفل الافتتاح، لكننا لا نحب سوق الفن.
نحب المعرض، لكننا لا نحب اقتناء الأعمال.
نحب أن نقول إن لدينا فنانين كباراً، لكننا لا نبني منظومة تجعل الفنان الكبير قادراً على الاستمرار.
فنعلق اللوحات على الجدران ونترك الفنان معلقاً في الهواء ينيخ بكلكلها.
ثم يأتي الكتاب.
يا له من كائن غريب!
نحن نشتكي من أن المغاربة لا يقرأون، ثم نحتفل بالكتاب مرة في السنة وكأن القراءة عيد وطني.
نقيم معارض للكتاب، ونتحدث عن أزمة القراءة، وننظم ندوات حول مستقبل الكتاب، ثم نترك الكتاب يبحث عن قارئ كما يبحث المهاجر عن قارب نجاة.
الكاتب يكتب.
الناشر يطبع.
المطبعة تطبع.
والقارئ؟
في مكان آخر.
بين الكاتب والقارئ توجد حفرة اسمها التوزيع، وأخرى اسمها التسويق، وثالثة اسمها المكتبات، ورابعة اسمها السياسات العمومية.
وفي النهاية نكتشف أن المشكلة في القارئ!
إنه لا يقرأ.
يا له من اكتشاف عبقري ينيخ بكلكلها.
الصناعة الثقافية ليست أن نضع الفنان في برنامج، والكاتب في لائحة، والمسرحي في مهرجان، والتشكيلي في معرض، ثم نلتقط صورة جماعية ونكتب تحتها: «دعم الإبداع الوطني».
الصناعة الثقافية تبدأ عندما يصبح للمبدع موقع حقيقي في الدورة الاقتصادية.
عندما يصبح العمل المسرحي منتجاً له عمر، واللوحة أصلاً فنياً له سوق، والكتاب منتجاً له توزيع، والمهرجان جزءاً من منظومة لا حفلة موسمية.
لكن هذا يحتاج إلى شيء يبدو أنه أخطر من كل الكلمات التي نحبها:
التدبير.
والتدبير يعني الاختيار.
والاختيار يعني المسؤولية.
والمسؤولية تعني المحاسبة.
والمحاسبة تعني أن نسأل: ماذا أنجزتم؟
وهنا يبدأ الصمت.
صمت تنيخ بكلكلها الثقافة .
لذلك ربما نحتاج إلى صناعة ثقافية جديدة، لا يكون أول منتج فيها هو الخطاب.
نحتاج إلى التوقف عن التعامل مع الثقافة باعتبارها مكياجاً للمؤسسات، أو عطراً انتخابياً، أو فقرة بروتوكولية بين كلمتين.
الثقافة ليست شريطاً يُقص عند افتتاح قاعة.
وليست صورة وزير أمام لوحة.
وليست منصة مليئة بالكراسي الفارغة.
وليست مهرجاناً ينتهي بانتهاء ميزانيته.
وليست رقماً في حصيلة سنوية.
الثقافة، إذا كانت فعلاً صناعة، يجب أن تُنتج قيمة.
وقيمة اقتصادية.
وقيمة اجتماعية.
وقيمة جمالية.
وقيمة معرفية.
وقبل كل ذلك، يجب أن تنتج كرامة للمبدع.
لكننا بارعون في إنتاج شيء آخر: الانتظار.
الفنان ينتظر الدعم.
والفرقة تنتظر البرمجة.
والكاتب ينتظر النشر.
والكتاب ينتظر التوزيع.
والتشكيلي ينتظر المعرض.
والمعرض ينتظر الجمهور.
والجمهور ينتظر الثقافة.
والمؤسسة تنتظر التقرير.
والتقرير ينتظر المصادقة.
وهكذا تستمر الدورة الاقتصادية الكبرى.
دورة لا تنتج إلا الانتظار.
تليخ بكلكلها.
ولأن الثقافة أصبحت رأسمالاً سياسياً، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المبدع من مواطن له حقوق إلى «مستفيد» ينبغي أن يشكر المؤسسة لأنها تكرمت عليه.
وهنا نصل إلى قلب المشكلة.
الدعم العمومي ليس صدقة.
والثقافة ليست إحساناً.
والفنان ليس متسولاً للمنح.
إنه شريك في إنتاج القيمة الثقافية للمجتمع.
وحين تفهم المؤسسات هذه البديهية، يمكن أن نبدأ الحديث عن صناعة ثقافية.
أما حين يستمر التعامل مع الثقافة بمنطق (نعطيك باش تسكت) او (نعطيك حيت انت ديالنا) فسنظل نحتاج إلى قاموس جديد لوصف المشهد الذي لا يشاهد .
وربما لن نجد أفضل من العبارة العبثية التي تختصر كل شيء ولا تقول شيئاً:
تنيخ بكلكلها.
جملة بلا معنى..
جملة تشبه بعض المشاريع التي تُعلن قبل أن تُنجز، وبعض الاستراتيجيات التي تُكتب قبل أن تُطبق، وبعض الشعارات التي تكبر حتى يصبح الواقع عاجزاً عن حملها.
او فهم تنيخ بكلكلها.
إنها ليست فقط عبارة ساخرة.
إنها خشبة مسرح.
يدخل إليها المسؤول، فيلقي خطاباً عن الصناعة الثقافية.
يدخل الفنان، حاملاً ملفه.
يدخل الكاتب، حاملاً كتابه.
يدخل التشكيلي، حاملاً لوحته.
يدخل المسرحي، حاملاً مشروعه.
ثم يدخل الجمهور.
ينظر الجميع إلى بعضهم.
يسدل الستار.
وتبقى الصناعة الثقافية خارج القاعة التي تليخ بكلكلها…
لكن المضحك، أو المبكي، أننا سنعود غداً إلى القاعة نفسها.
سننظم ندوة جديدة.
وسنناقش «آفاق الصناعة الثقافية في المغرب».
وسنستعمل الكلمات نفسها.
الحكامة.
الاستدامة.
التثمين.
المواكبة.
التمكين.
الاقتصاد الإبداعي.
ثم نتصور أننا أنجزنا شيئاً لأننا تحدثنا عنه ساعتين.
وهنا، ربما، لا يعود السؤال: لماذا لا توجد صناعة ثقافية حقيقية؟
بل يصبح السؤال الأكثر وقاحة:
من المستفيد من بقاء الثقافة مجرد خطاب؟
عندها فقط قد نكتشف أن (تنيخ بكلكلها) او (تليخ بكلكلها) لم تكن جملة عبثية.
ربما كانت العبث نفسه وقد تعلم الكلام.
المصدر:
كود