بقلم: محمد مشهوري//
كلما ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي أو بعض المنابر أسماء أو معلومات شخصية عادية تخص أفرادا من الأمن الوطني، تنطلق بسرعة نبرة التخويف والتهويل: خطر على الأمن! تهديد للمؤسسة! اختراق لمنظومة العمل الأمني!
والحقيقة أن علينا أن نميز، بهدوء وعقلانية، بين المعطيات الشخصية التي يحميها القانون وبين الأسرار المهنية أو العملياتية التي يمكن أن يؤدي كشفها فعلا إلى الإضرار بالأمن العام. فالخلط بين الأمرين لا يخدم لا رجل الأمن ولا المؤسسة الأمنية ولا المجتمع.
رجل الأمن، قبل أن يكون موظفا في جهاز أمني، هو مواطن مغربي له اسم وحقوق وحياة اجتماعية وعائلية. له الحق في الأجر والتقاعد والتغطية الاجتماعية والسكن والعطلة، وله إدارة ومسار مهني، ويعيش في المجتمع ويتعامل مع الإدارات والمؤسسات مثل غيره من الموظفين والمستخدمين. وليس من المنطقي أن تتحول مجرد معرفة اسم موظف عمومي أو بعض المعلومات الشخصية العادية عنه إلى ما يشبه اكتشاف “الشفرة النووية” للأمن الوطني!
طبعاً، هذا لا يعني إطلاقا الاستهانة بحماية المعطيات الشخصية. نشر عنوان السكن، أو أرقام الهاتف، أو معلومات عائلية حساسة، أو أي معطيات يمكن أن تعرض شخصا أو أسرته للخطر، أمر مرفوض أخلاقيا وقانونيا، شأنه شأن نشر المعطيات الشخصية لأي مواطن آخر. لكن حماية الخصوصية شيء، والقول إن مجرد تداول اسم رجل أمن يهدد فعالية جهاز أمني بأكمله شيء آخر تماما.
والأجهزة الأمنية الحديثة لا تبني نجاعتها على كون موظفيها يعيشون في الظلام أو على الاعتقاد بأن أسماء العاملين فيها أسرار دولة.
بل إن جزءا من عمل المؤسسات الأمنية الحديثة يجري داخل منظومة قانونية ومؤسساتية واضحة، تقوم على المسؤولية والمراقبة واحترام الاختصاصات والمساطر. وحتى أجهزة الاستخبارات المدنية، التي ترتبط بطبيعتها بملفات شديدة الحساسية، ليست كيانات غامضة منفصلة عن الدولة والمجتمع؛ فهي تعمل داخل منظومة قانونية ومؤسساتية، وتخضع مسؤولياتها للسلطات المختصة.
بل إن المسؤولين الأمنيين أنفسهم أصبحوا يظهرون في الإعلام، وتنشر صورهم وتصريحاتهم، وأسماء كبار المسؤولين في المؤسسات الأمنية معروفة للعموم. ومديرو الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في العالم لم يعودوا بالضرورة أشباحا مجهولين لا يعرفهم أحد. بعضهم يحضر الندوات، ويدلي بالتصريحات، ويظهر في المناسبات الرسمية، وقد تراه في الحياة العامة مثل أي مسؤول آخر.
العالم تغير.
ومنذ سقوط جدار برلين، تغيرت بصورة عميقة طريقة اشتغال الدول وتعاملها مع الأمن والاستخبارات. لم تعد القوة الأمنية تقاس بقدرتها على إخفاء كل شيء، ولا بمدى غموض هويات موظفيها، وإنما بقدرتها على جمع المعلومات وتحليلها، وحماية مصادرها، وتأمين أنظمتها، والتنسيق بين مؤسساتها، والتصرف بسرعة وفعالية في مواجهة المخاطر الحقيقية.
الخطر الحقيقي ليس أن يعرف شخص ما أن فلانا يعمل في مؤسسة أمنية.
الخطر الحقيقي هو أن يعرف ماذا يفعل؟ مع من يتعامل؟ ما هي مصادره؟ ما هي عملياته؟ ما هي وسائل المراقبة التي يستخدمها؟ وما هي خطط المؤسسة وتحركاتها وقدراتها التقنية والعملياتية؟
هذه هي المعلومات التي يمكن أن تمس فعلا بسلامة العمليات ونجاعة الأجهزة.
أما تحويل كل اسم أو صورة أو معلومة إدارية عادية إلى «تهديد للأمن القومي»، فهو في نهاية المطاف نوع من المبالغة التي تسيء إلى مفهوم الأمن أكثر مما تحميه.
بل إن المؤسسة الأمنية القوية هي التي تستطيع أن تعمل بكفاءة حتى في بيئة مفتوحة، وأن تحمي أسرارها الحقيقية وسط تدفق هائل للمعلومات، وأن تميز بين ما يجب أن يبقى سريا وما لا يشكل أي قيمة عملياتية.
ثم إن رجال الأمن أنفسهم ليسوا بحاجة إلى أن يعيشوا كمواطنين من الدرجة الثانية في الفضاء العام. هم أبناء هذا المجتمع، لهم عائلات وأصدقاء وجيران وحقوق، ويستعملون الإدارات والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل والأسواق، ويشاركون في الحياة اليومية. ومن الطبيعي أن تكون لهم، مثل سائر المغاربة، آثار إدارية واجتماعية ومهنية في المجتمع.
الأمن ليس هو السرية المطلقة.
الأمن هو القدرة على معرفة ما يجب أن يكون سريا؛ وما يمكن أن يكون علنيا، ومن يحق له الوصول إلى كل نوع من المعلومات.
لذلك، إذا كان هناك تسريب لمعطيات شخصية، فلنحتكم إلى القانون ونحاسب من خرق القانون، حماية لخصوصية الأشخاص وحقوقهم. لكن لا داعي لتحويل أسماء مواطنين يمارسون وظيفة عمومية إلى “قنبلة أمنية” لمجرد أن أسماءهم ظهرت في فضاء رقمي.
ففي زمن الهواتف الذكية ومحركات البحث وشبكات التواصل، لم يعد الأمن الناجح هو الأمن الذي لا يعرف الناس أسماء موظفيه، بل الأمن الذي لا يستطيع أحد اختراق أسراره الحقيقية.
والفرق بين الأمرين كبير.
إن قوة المؤسسة الأمنية لا تكمن في إخفاء أسماء موظفيها، وإنما في نجاعة عملها، وتكوين عناصرها، وانضباطها، وتماسكها، وقدرتها على حماية المجتمع والدولة، واحترامها للقانون.
أما التسريبات التي لا تتجاوز أسماء أو معلومات شخصية عادية، فلا ينبغي أن تمنح أكبر من حجمها، ولا أن تتحول إلى مادة للتهويل أو إلى ذريعة لتقديم المؤسسة الأمنية وكأنها لا تستطيع مواصلة عملها الطبيعي إلا إذا ظل جميع موظفيها مجهولين بالنسبة إلى المجتمع.
لقد انتهى زمن جدار برلين، وانتهى معه جزء كبير من ثقافة “لأجهزة التي لا تُرى ولا تُعرف”. أما الدولة الحديثة، فسر قوتها في مؤسساتها وقوانينها ونجاعتها، لا في الأساطير التي تُنسج حول سريتها.
المصدر:
كود