قال الدكتور المهدي قيل، أستاذ الاقتصاد والتدبير، إن السوق الثانوية للديون المتعثرة تقوم، في أبسط صورها، على تمكين البنوك من بيع الديون التي أصبح تحصيلها صعبا إلى مستثمرين متخصصين، بدل إبقائها لسنوات داخل ميزانياتها في انتظار استرجاعها.
وضرب قيل مثالا بشركة مغربية اقترضت عشرة ملايين درهم لاقتناء معدات أو توسيع نشاطها، قبل أن تتراجع مبيعاتها وتضطرب تدفقاتها النقدية وتتأخر في أداء الأقساط، موضحا أن القرض يتحول، بالنسبة إلى البنك، من أصل يدر دخلا منتظما إلى دين متعثر يحتاج إلى مخصصات ومتابعة إدارية وقانونية قد تستمر سنوات.
وأوضح أنه، عوض انتظار استرجاع عشرة ملايين درهم قد لا يحصل عليها البنك كاملة، يمكنه بيع حقه في الدين إلى مستثمر متخصص، بأربعة ملايين درهم مثلا، دون أن يعني ذلك اختفاء مديونية الشركة، وإنما انتقال حق المطالبة بها إلى طرف جديد.
وأضاف أن المستثمر، إذا تمكن بعد التفاوض وإعادة الجدولة من استرجاع ستة ملايين درهم مثلا، يحقق عائدا يعوض تكلفة الشراء والوقت والمخاطر، بينما يتحمل الخسارة إذا جاء التحصيل دون المبلغ الذي استثمره.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن هذه الآلية لا تعني “شراء الشركات المفلسة”، بقدر ما تقوم على تسعير مخاطر لم يعد البنك يرغب في الاحتفاظ بها داخل ميزانيته، مشيرا إلى أن الفكرة تكتسب أهمية متزايدة في المغرب مع ارتفاع حجم الديون المتعثرة والسعي إلى معالجتها بطريقة أكثر كفاءة.
ولفت إلى أن السوق المرتقبة لا تتعلق بديون الشركات فقط، إذ تشمل القروض المتعثرة الخاصة بالأفراد والمقاولات الصغيرة والمتوسطة والشركات، إلى جانب بعض الأصول العقارية التي آلت إلى المؤسسات المالية بسبب التعثر.
وأوضح أن بيع الديون لا يعني، مع ذلك، أن كل شخص يتأخر في أداء قسط بنكي سيجد دينه منقولا إلى مستثمر آخر، إذ تتم العمليات عادة عبر محافظ من الديون تخضع للتقييم والتجميع والتسعير قبل بيعها.
وأكد أن أحد أبرز تحديات السوق سيكون تحقيق التوازن بين حق المستثمر الجديد في تحصيل أمواله وضرورة حماية المدين، خصوصا الأفراد، في ما يتعلق باستعمال البيانات الشخصية وطرق التواصل وإعادة الجدولة وآليات الاعتراض والتظلم.
وبالنسبة إلى البنوك، قال قيل إن الدين المتعثر لا يمثل فقط مبلغا لم يتم تحصيله، وإنما أصلا يحتاج إلى مخصصات ويستهلك الموارد ورأس المال التنظيمي ويتطلب إدارة ومتابعة مستمرتين.
وأفاد بأن القروض المتعثرة لدى المجموعات البنكية المغربية، على أساس موحد، بلغت في نهاية 2024 نحو 134.6 مليار درهم، مقابل مخصصات قاربت 93 مليار درهم، مشيرا إلى استمرار ضغط هذه الديون على ميزانيات البنوك خلال 2025 و2026.
واعتبر أن إنشاء سوق لهذه الديون لا يتعلق بإنقاذ بنوك مهددة بالانهيار، وإنما بتحسين كفاءة استعمال رأس المال، إذ يسمح تحويل أصل ضعيف الأداء إلى سيولة، ولو مقابل خصم، بالتخلص من جزء من حالة عدم اليقين وتحرير موارد يمكن إعادة توجيهها نحو قروض جديدة.
ويرى قيل أن الأثر المحتمل لهذه السوق يتجاوز مصالح البنوك ليصل إلى قضية تمويل المقاولات، خصوصا الشركات الناشئة والمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تعد أكثر تأثرا عادة بتشدد شروط الائتمان.
وأوضح أن المقاولات الكبرى تمتلك في الغالب ضمانات أكبر وإمكانية الوصول إلى مصادر تمويل متعددة، بينما تواجه المقاولات الصغيرة سجلا ماليا أقصر وضمانات محدودة وتدفقات نقدية أكثر تقلبا، وقد يكون تأخر زبون كبير عن الأداء أو خسارة عقد واحد كافيا لإدخالها في أزمة سيولة رغم بقاء نشاطها الاقتصادي قابلا للاستمرار.
وقال إن السوق يمكن أن تفيد هذه المقاولات عبر مسارين، أولهما تخفيف الضغط على ميزانيات البنوك وتحسين قدرتها على توفير تمويلات جديدة للاستثمار ورأس المال العامل والتوسع.
غير أنه شدد على أن ذلك ليس تلقائيا، لأن تحرير رأسمال البنك لا يعني بالضرورة توجيه التمويلات الجديدة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، إذ يبقى القرار مرتبطا بالمخاطر والضمانات وجودة المشاريع والظرفية الاقتصادية وسياسة كل بنك.
أما المسار الثاني، والذي اعتبره أكثر أهمية، فيخص المقاولات التي دخلت فعليا مرحلة التعثر رغم بقاء نشاطها قابلا للحياة. وأوضح أن مستثمرا اشترى دين مقاولة بخصم قد يمتلك هامشا أكبر من البنك للتفاوض على إعادة الجدولة أو قبول تسوية بأقل من القيمة الاسمية، إذا كان ذلك يحقق له عائدا مقبولا.
وقد تتطور العملية، بحسب قيل، إلى تحويل جزء من الدين إلى حصة في رأسمال الشركة، بما يسمح للمقاولة باستعادة توازنها المالي والاستمرار في النشاط، فيما يتحول المستثمر من دائن إلى شريك يستفيد من تحسن أداء الشركة.
واعتبر أن السوق يمكن، بهذا المعنى، أن تصبح أداة لإعادة هيكلة المقاولات، وليس مجرد وسيلة لتحصيل الديون، مؤكدا أن إنقاذ شركة قابلة للحياة من التصفية يعود بالنفع أيضا على العمال والموردين والزبناء والتحصيل الضريبي وسلسلة النشاط المرتبطة بها.
وشدد على أن نجاح السوق ينبغي ألا يقاس فقط بحجم الأموال التي يسترجعها المستثمرون، وإنما كذلك بعدد المقاولات القابلة للاستمرار التي تتمكن من استعادة نشاطها بعد إعادة هيكلة مديونيتها.
وفي السياق ذاته، أشار قيل إلى أن مؤسسة التمويل الدولية IFC، الذراع التابعة لمجموعة البنك الدولي والموجهة إلى القطاع الخاص، تعمل منذ سنوات على معالجة الأصول المتعثرة من خلال برنامج Distressed Asset Recovery Program.
وأوضح أنه في غشت 2026 كشفت المؤسسة عن مشروع DARP NPL EOS Morocco بالشراكة مع مجموعة EOS الألمانية المتخصصة في إدارة الديون والأصول المتعثرة، بقيمة مقترحة تبلغ 60 مليون يورو، موزعة بالتساوي بين الطرفين.
ويستهدف المشروع محافظ من القروض المتعثرة والأصول العقارية الموجودة لدى المؤسسات المالية المغربية، غير أن قيل اعتبر أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في قيمته المالية، التي تظل محدودة مقارنة بإجمالي الديون المتعثرة، وإنما في كون دخول مؤسسة مالية دولية ومستثمر متخصص يعكس وجود مقومات لنشوء سوق استثمارية جديدة في المغرب.
وأضاف أن نجاح التجربة قد يفتح المجال أمام دخول مستثمرين آخرين وظهور أنشطة متخصصة في تقييم الديون وإدارة الأصول وإعادة هيكلة الشركات والتحصيل والاستشارات القانونية والمالية.
وأشار قيل إلى أن من النتائج المهمة للسوق الثانوية للديون المتعثرة ظهور سعر اقتصادي أكثر واقعية للمخاطر، لأن دينا تبلغ قيمته الاسمية عشرة ملايين درهم لا تساوي قيمته بالضرورة عشرة ملايين في السوق.
وتتحدد قيمة الدين، بحسبه، بناء على قدرة المدين على السداد، وقيمة الضمانات، والمدة المتوقعة للتحصيل، والتكاليف القضائية، والقطاع الاقتصادي، واحتمال عودة المقاولة إلى النشاط.
وأوضح أن رفض المستثمرين دفع أكثر من ثلاثة ملايين درهم مقابل دين تحتفظ به المؤسسة البنكية بقيمة أعلى يكشف الفجوة بين القيمة المحاسبية والقيمة الاقتصادية الفعلية، وهو ما قد يكون مؤلما في البداية لكنه يعزز شفافية تقييم المخاطر.
وحذر قيل، في المقابل، من تحول السوق الجديدة إلى مجرد سباق للاستحواذ على الضمانات، مشيرا إلى وجود فرق جوهري بين مستثمر يشتري دين شركة قابلة للحياة بهدف إعادة هيكلتها، وآخر تقوم استراتيجيته أساسا على الوصول إلى ضماناتها وبيعها.
وأكد أن الإطار الجديد ينبغي أن يمنح مساحة حقيقية لإعادة الهيكلة، بدل اختزاله في آلية أسرع لتحصيل الديون. كما شدد على أهمية حماية الأفراد، مستحضرا تداعيات أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة خلال 2007 و2008، باعتبارها مثالا على المخاطر التي يمكن أن تنتج عن ضعف حماية المقترضين وغياب الشفافية في التعامل مع القروض.
وأشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي تراجع، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بنحو 0.1% في 2009، فيما انكمشت الاقتصادات المتقدمة بنحو 3.4%، بينما ارتفعت البطالة في الولايات المتحدة من 4.7% في نونبر 2007 إلى 10% في أكتوبر 2009.
وخلص قيل إلى أن بيع الديون المتعثرة لا يلغي المخاطر أو يمحو الخسائر، وإنما يعيد توزيعها، إذ يفضل البنك الحصول على مبلغ أقل ومؤكد مقابل التخلص من حالة عدم يقين طويلة الأمد، بينما يتحمل المستثمر المخاطرة أملا في تحصيل مبلغ يفوق ما دفعه.
أما المدين، فقد يحصل، في أفضل السيناريوهات، على فرصة لإعادة هيكلة التزاماته وتجنب الانهيار. وأكد أن نجاح السوق سيظل رهينا بقدرتها على تحقيق توازن بين تنظيف ميزانيات البنوك وتحرير موارد تعود إلى تمويل الاقتصاد، ومنح المقاولات القابلة للحياة فرصة لإعادة هيكلة ديونها، وحماية الأفراد من ممارسات تحصيل غير متوازنة.
وشدد على أنه إذا تحقق هذا التوازن، فقد تتحول الديون الجامدة من عبء على النظام البنكي إلى وسيلة لإعادة تدوير رأس المال وإعادة المقاولات القابلة للحياة إلى دائرة الإنتاج والاستثمار، أما إذا اقتصر الأمر على شراء الديون بأثمان منخفضة والسباق نحو الضمانات، فلن تكون النتيجة سوى نقل المخاطر من ميزانية إلى أخرى دون تحويلها إلى فرصة للنمو.
المصدر:
العمق