رصد تقرير استراتيجي إسباني تحولا متدرجا في موقع المغرب داخل محيطه الإقليمي، معتبرا أن المملكة لم تعد مجرد دولة في شمال إفريقيا تدير بيئتها الخارجية بصورة دفاعية، بل باتت تنتهج استراتيجية متعددة الأبعاد ترمي إلى توسيع مجال تأثيرها وتحويل موقعها الجغرافي واستقرارها السياسي وشبكة شراكاتها الخارجية إلى أدوات نفوذ مستدامة.
وجاء ذلك في تقرير أصدره مركز الشؤون العالمية والدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة نافارا الإسبانية ، بعنوان “السعي نحو قوة إقليمية.. صعود المغرب المنضبط وغير المتكافئ”، أعده الباحثان بابلو إردوزاين ومانويل سيسما، ويحلل موقع المملكة في علاقتها بإسبانيا والاتحاد الأوروبي والمغرب العربي والساحل وإفريقيا والشرق الأوسط.
وخلص التقرير إلى أن المغرب يعيش مسارا وصفه بـ”الصعود المنضبط وغير المتكافئ”، معتبرا أن المملكة ليست في طريقها إلى فرض هيمنة إقليمية شاملة، لكنها نجحت في توسيع هامش حركتها الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، مستفيدة من موقعها بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ومن استمرارية مؤسسات الدولة وتطور بنياتها التحتية وشراكاتها الدولية.
وفي محور العلاقات مع إسرائيل، اعتبر التقرير أن انخراط المغرب في مسار التطبيع ضمن إطار اتفاقيات إبراهيم يمثل “أصلا استراتيجيا” بالنسبة إلى الرباط، وإن كان محكوما بقيود سياسية داخلية وإقليمية، بالنظر إلى ما يوفره من تعزيز للعلاقات مع واشنطن وتوسيع للتعاون العسكري والتكنولوجي ودعم للموقف المغربي في ملف الصحراء.
وأشار المركز إلى أن اعتراف إسرائيل، في يوليوز 2023، بسيادة المغرب على الصحراء عزز المكاسب الاستراتيجية لهذا المسار، مبرزا أن التعاون بين الرباط وتل أبيب توسع منذ 2020 ليشمل الدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا، إلى جانب اتفاق دفاعي أبرم سنة 2021، ومشروع اقتناء منظومة قمر صناعي إسرائيلي قدرت قيمتها بنحو مليار دولار لتعزيز قدرات الاستطلاع والمراقبة.
غير أن التقرير شدد على أن استمرار هذه العلاقة يظل مرتبطا بقدرة المغرب على الموازنة بين فوائدها الاستراتيجية وبين الاعتبارات الداخلية والإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مشيرا إلى الوزن الرمزي والديني للمؤسسة الملكية وإلى ارتباط المغرب التاريخي بملف القدس وفلسطين، وهو ما يجعل التعاون مرشحا للاستمرار مع تفاوت مستوى ظهوره السياسي والإعلامي بحسب الظرفية.
وبخصوص إمكانية إسهام المغرب في تقاربات أوسع داخل المنطقة، سجل التقرير أن الرباط تمتلك عناصر تساعدها على لعب دور تيسيري، من بينها مرونة دبلوماسيتها وعلاقاتها التاريخية مع دول الخليج وشرعية المؤسسة الملكية، لكنه استبعد أن تكون المملكة قادرة بمفردها على قيادة ملفات بحجم التطبيع الإسرائيلي السعودي، نظرا إلى ارتباطها بحسابات أمريكية وسعودية وفلسطينية أوسع.
اقتصاديا، اعتبر التقرير أن طموح المغرب للتحول إلى قطب لوجستي وطاقي يربط أوروبا بإفريقيا يقوم على أسس جدية، مشددا على أن المجال اللوجستي هو الأكثر نضجا حتى الآن، وأن ميناء طنجة المتوسط يمثل أبرز دليل على قدرة المملكة على تحويل موقعها الجغرافي إلى تفوق تشغيلي واقتصادي.
وأشار إلى أن طنجة المتوسط تعامل مع 162 مليون طن من البضائع و9.6 ملايين حاوية نمطية في المعطيات التي اعتمد عليها التقرير، فيما احتضنت مناطقه الاقتصادية أكثر من 1300 شركة، لافتا إلى أن دخول ميناء الناظور غرب المتوسط الخدمة وتقدم مشروع الداخلة الأطلسي سيمنحان المغرب شبكة مينائية أكثر تنوعا على الواجهتين المتوسطية والأطلسية.
وفي مجال الطاقة، رأى التقرير أن المغرب يتوفر على مقومات قوية لتطوير الهيدروجين الأخضر، بفضل إمكاناته في الطاقات المتجددة وقربه من الأسواق الأوروبية وموقعه على طرق الملاحة الدولية، لكنه شدد على أن تحويل هذا الطموح إلى قطب طاقي متكامل يظل رهينا باستثمارات مالية ضخمة واستكمال البنيات التحتية وضمان الطلب الخارجي.
ولفت إلى أن مشاريع الغاز الطبيعي المسال وشبكات نقل الغاز والهيدروجين الأخضر تفرض مستويات مرتفعة من التمويل والتنسيق المؤسساتي، مذكرا بالتأخر الذي لحق بعض مشاريع البنية الغازية، ليخلص إلى أن المغرب يتقدم بصورة أقوى في المجال اللوجستي، بينما تظل مكانته كقطب للطاقة واعدة لكنها أقل نضجا وأكثر ارتباطا بالتمويل والأسواق الدولية.
وعلى المستوى العسكري، سجل التقرير أن تحديث القوات المسلحة الملكية يندرج أساسا ضمن تعزيز الردع والمراقبة ورفع قابلية التشغيل البيني مع الشركاء الغربيين، وليس ضمن سعي إلى التفوق العسكري الكمي، موضحا أن التعاون مع الولايات المتحدة يوفر للمغرب التدريب والتجهيزات المتطورة والتكامل العملياتي، فيما يضيف التعاون مع إسرائيل قدرات في مجالات الاستخبارات والطائرات المسيرة والمراقبة والتكنولوجيات المرتبطة بالصواريخ والدفاع.
وفي المقابل، اعتبر التقرير أن المنافسة مع الجزائر تظل أهم قيد خارجي على الطموح الإقليمي المغربي، مستندا إلى بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي التي تظهر أن الإنفاق العسكري الجزائري بلغ نحو 21.8 مليار دولار خلال 2024، مقابل نحو 5.5 مليارات دولار للمغرب، فيما استحوذ البلدان معا على قرابة 90 بالمائة من مجموع الإنفاق العسكري في شمال إفريقيا. وهذه الأرقام تتطابق مع بيانات “سيبري” المنشورة عن سنة 2024.
واعتبر المركز أن هذا الاختلال في حجم الإنفاق يجعل استراتيجية المغرب أقل ارتباطا بمحاولة مجاراة الجزائر كميا، وأكثر اعتمادا على التحديث الانتقائي للأسلحة وتعزيز قابلية العمل المشترك مع الحلفاء والاستفادة الاستراتيجية من علاقات التسلح والشراكات الدفاعية.
ورجح التقرير في الوقت نفسه ألا يتحول التنافس المغربي الجزائري إلى حرب مفتوحة في المدى المتوسط، رغم استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق الأجواء الجزائرية أمام الطائرات المغربية وتوقف تدفقات الغاز عبر أنبوب المغرب العربي-أوروبا، معتبرا أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار التنافس والردع مع بقاء مخاطر التصعيد العرضي أو غير المباشر قائمة.
وفي الجبهة الجنوبية، وصف التقرير موريتانيا بأنها أقرب إلى “منطقة عازلة استراتيجية” منها إلى مصدر مباشر للصراع مع المغرب، مشيرا إلى أن نواكشوط حافظت على سياسة توازن حذرة بين الرباط والجزائر، بالتوازي مع استمرار التعاون التجاري وحركة التنقل عبر المحور الرابط بين الكركرات وموريتانيا وغرب إفريقيا.
وسجل المصدر أن توسيع المغرب لانفتاحه الأطلسي نحو بلدان الساحل يمنحه فرصا مهمة لتعميق نفوذه الاقتصادي والجيوسياسي، لكنه يجعله في الوقت ذاته أكثر تعرضا لعدم الاستقرار في المنطقة، بما يشمل الهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة العابرة للحدود والتداعيات الأمنية المحتملة.
أما داخليا، فاعتبر التقرير أن المؤسسة الملكية ستظل في المدى المتوسط الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، مستبعدا سيناريوهات القطيعة المؤسساتية السريعة أو التحول إلى ملكية رمزية، لكنه نبه إلى أن استمرار الاستقرار لا يلغي الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
واستشهد المركز بمعدل البطالة الذي بلغ 13.3 بالمائة سنة 2024، مقابل 36.7 بالمائة لدى الشباب ما بين 15 و24 سنة و19.6 بالمائة لدى حاملي الشهادات و19.4 بالمائة لدى النساء، وهي أرقام تؤكدها المندوبية السامية للتخطيط في حصيلتها الرسمية لسوق الشغل خلال السنة نفسها.
وأشار التقرير كذلك إلى الاحتجاجات الشبابية التي شهدتها عدة مدن مغربية سنة 2025 على خلفية مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم وظروف العيش والفساد، معتبرا أنها لم تشكل تهديدا مباشرا للنظام، لكنها كشفت حجم التحدي المرتبط بتحويل النجاحات الدبلوماسية والبنيات التحتية الكبرى إلى تحسن ملموس في الأوضاع الاجتماعية والخدمات العمومية.
وخلص مركز جامعة نافارا إلى أن المغرب مرشح لمواصلة تعزيز موقعه كقوة إقليمية متوسطة ومحورية بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنه أكد أن استدامة هذا الصعود ستظل مرتبطة بقدرة المملكة على تحقيق التوازن بين طموحاتها الخارجية وقدراتها المادية وصلابة جبهتها الداخلية، في ظل المنافسة مع الجزائر واضطرابات الساحل والاحتكاكات القانونية والسياسية مع أوروبا والضغوط الاجتماعية الداخلية.
المصدر:
العمق