مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تدخل جهة الدار البيضاء سطات مرحلة سياسية دقيقة، بعدما بدأت الحسابات المرتبطة بالسباق نحو البرلمان تتقاطع بشكل متزايد مع تدبير الشأن الترابي.
فالمنافسة الانتخابية لن تظل محصورة في الحملات واللوائح والمقاعد البرلمانية، بل ينتظر أن تمتد إلى مجالس الجماعات والمقاطعات والعمالات والأقاليم ومجلس الجهة، حيث يتحول الأداء المحلي إلى إحدى أهم الأوراق التي ستستعمل لتقييم المنتخبين والأحزاب أمام الناخبين.
وتكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة في جهة تعد من أكبر المجالات الديمغرافية والاقتصادية والسياسية بالمغرب، وتضم جماعات ذات ثقل انتخابي كبير، في مقدمتها جماعة الدار البيضاء ومقاطعاتها.
وأعتبر متتبعو الشأن المحلي ان المشاريع المرتبطة بالنظافة والإنارة والطرق والنقل والتنقل والتهيئة الحضرية والمرافق الرياضية والثقافية والمساحات الخضراء والاستثمار، لن تقرأ فقط باعتبارها برامج تنموية، بل قد تتحول إلى مؤشرات على الحصيلة السياسية للمنتخبين، خصوصا في المناطق التي تعرف تنافسا قويا بين الأحزاب والمرشحين.
وفي هذا السياق، قد يجد عدد من المنتخبين أنفسهم أمام وضعية سياسية مركبة، بين مسؤولياتهم داخل المجالس الترابية واستعداداتهم للاستحقاقات التشريعية، حيث أن كل عضو داخل المجلس الجماعي أو الجهوي الذي يستعد لخوض غمار الانتخابات البرلمانية سيحاول، بشكل طبيعي، إبراز ما تحقق خلال فترة تدبيره، بينما ستسعى المعارضة إلى التركيز على المشاريع المتأخرة واختلالات الخدمات والنقائص المسجلة في تدبير الشأن المحلي.
وهكذا، يمكن وفق المعطيات المتوفرة أن تتحول الحصيلة الترابية إلى امتداد للحملة الانتخابية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر، غير أن تحويل المشاريع التنموية إلى أوراق انتخابية يطرح سؤالا أساسيا حول الحدود الفاصلة بين التسريع المشروع للأوراش وبين توظيف التدبير العمومي لخدمة الحسابات الانتخابية.
حيث أن المشاريع الجماعية تخضع لمساطر قانونية ومالية وتقنية، وترتبط بمدى جاهزية الدراسات والصفقات والاعتمادات والشراكات، وبالتالي فإن إنجاز مشروع قبيل الانتخابات لا يعني بالضرورة أنه أُطلق لأغراض انتخابية. وفي المقابل، فإن استغلال الموارد العمومية أو توجيه القرارات والمشاريع خارج منطق الأولويات والحاجيات الفعلية للساكنة من شأنه أن يطرح إشكالات مرتبطة بالحكامة والثقة في المؤسسات.
وتزداد صعوبة المعادلة بسبب تفاوت الإمكانيات بين جماعات الجهة، إذ لا تتوفر جميع المجالس على الموارد المالية والبشرية نفسها. ففي الوقت الذي تستطيع فيه بعض الجماعات إطلاق مشاريع استثمارية كبرى، تجد جماعات أخرى نفسها مضطرة إلى الاعتماد على التحويلات أو الشراكات مع الدولة والجهة والمؤسسات العمومية.
كما أن ارتفاع سقف المطالب الاجتماعية، من تحسين الطرق والإنارة والنظافة إلى توفير الملاعب والمساحات الخضراء والمرافق الصحية واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص الشغل، قد يجعل المنتخبين أمام وعود تتجاوز أحياناً الاختصاصات والإمكانات الحقيقية للجماعات.
وتبرز التحالفات داخل المجالس كعامل آخر قد يتأثر بالمنافسة التشريعية المقبلة. فالأحزاب التي تجمعها شراكات داخل مجلس جماعي قد تتحول إلى منافسين مباشرين في الدوائر الانتخابية، وهو ما قد يضع بعض المنتخبين أمام اختبار صعب بين الحفاظ على التوافق الضروري لاستمرارية العمل المؤسساتي وبين الدفاع عن مصالحهم الحزبية والانتخابية.
وفي حال غلبت الحسابات الانتخابية على منطق التدبير، فإن بعض الملفات التي تتطلب توافقا وتصويتا جماعيا قد تصبح أكثر عرضة للتأخير أو التجاذب السياسي، بينما قد تدفع المنافسة نفسها، في الاتجاه المقابل، بعض المجالس إلى تسريع تنفيذ المشاريع الجاهزة وإظهار نتائج ملموسة قبل موعد الاقتراع.
وفي قلب هذه المعادلة يوجد المواطن، الذي قد يجد نفسه أمام فرصة لمقارنة الخطاب السياسي بالحصيلة الفعلية على أرض الواقع. فالمعيار لم يعد بالضرورة عدد الوعود أو قوة الشعارات، وإنما عدد المشاريع المنجزة، ونسب تقدم الأوراش، وحجم الاستثمارات، ومصادر التمويل، ومستوى الخدمات الأساسية، ومدى تأثيرها الحقيقي في حياة السكان.
وفي هذا الصدد، قال معاذ شهير، فاعل سياسي بجهة الدار البيضاء سطات، إن اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 يفرض على المجالس المنتخبة بالجهة التعامل مع مرحلة سياسية دقيقة، تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع تدبير الملفات المحلية، مؤكدا أن الرهان الأساسي يجب أن يبقى هو ضمان استمرارية المرفق العمومي وخدمة مصالح المواطنين بعيداً عن أي توظيف انتخابي للموارد والإمكانات العمومية.
وأوضح شهير، في تصريح لجريدة “العمق المغربي” أن جهة الدار البيضاء سطات تختلف عن غيرها من الجهات بالنظر إلى ثقلها الديمغرافي والاقتصادي والسياسي، ووجود عدد كبير من الجماعات والمجالس التي تشكل في الوقت نفسه مجالات للتدبير المحلي وساحات للتنافس السياسي، مشددا على أن “الحصيلة التي تحققها المجالس المنتخبة ستصبح، بشكل أو بآخر، جزءاً من النقاش الانتخابي المقبل، لأن المواطن سيقارن بين ما قيل له وما تحقق فعلياً على أرض الواقع”.
وأشار الفاعل السياسي إلى أن ملفات النظافة والإنارة وإصلاح الطرق والنقل والتنقل والتهيئة الحضرية والمرافق الرياضية والثقافية والمساحات الخضراء والاستثمار، تعد من أبرز المجالات التي يمكن أن تؤثر في صورة المنتخبين والأحزاب أمام الناخبين، موضحا أن المواطن لا ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها مجرد مشاريع تقنية، وإنما باعتبارها مؤشرات مباشرة على مستوى أداء المؤسسات المنتخبة.
وشدد شهير على ضرورة التمييز بين تسريع تنفيذ المشاريع الجاهزة وبين توظيف المشاريع العمومية لأغراض انتخابية، قائلا إن قرب موعد الانتخابات لا ينبغي أن يكون مبررا لتعطيل الأوراش، كما لا ينبغي في الوقت نفسه أن يتحول إلى ذريعة لاتخاذ قرارات غير منسجمة مع الأولويات التنموية أو القواعد القانونية المنظمة للإنفاق العمومي.
وأضاف أن “المشروع الذي استكمل دراساته وحصل على الاعتمادات اللازمة ودخل مرحلة التنفيذ يجب أن يستمر بشكل طبيعي، سواء كانت هناك انتخابات أم لا”، معتبراً أن المشكل لا يكمن في تسريع المشاريع الجاهزة، وإنما في إمكانية تغيير الأولويات أو خلق مشاريع ظرفية فقط بهدف تقديم حصيلة انتخابية.
وفي ما يتعلق بالتحالفات داخل المجالس، أوضح شهير أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيدا، لأن بعض الأحزاب التي تلتقي في تدبير جماعة أو مجلس جهوي قد تتحول إلى منافسين مباشرين في الانتخابات التشريعية، وهو ما قد يفرض على المنتخبين مستوى أكبر من النضج السياسي والمسؤولية المؤسساتية.
وقال إن “المنافسة الانتخابية طبيعية ومشروعة، لكن لا ينبغي أن تنتقل إلى داخل المؤسسات المنتخبة بشكل يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين”، مضيفا أن الخلاف السياسي يجب أن يبقى في إطار التنافس الديمقراطي، وألا يتحول إلى عرقلة للاتفاقيات والمشاريع والقرارات التي ترتبط بالحياة اليومية للسكان.
واعتبر شهير أن التفاوت في الإمكانيات المالية والبشرية بين جماعات جهة الدار البيضاء سطات يمثل أحد أبرز التحديات المطروحة، موضحاً أن بعض الجماعات تتوفر على موارد تسمح لها بإطلاق مشاريع مهمة، في حين تواجه جماعات أخرى صعوبات في تمويل برامجها والاستجابة للمطالب المتزايدة للسكان، ما يجعل اللجوء إلى الشراكات مع الدولة والجهة والمؤسسات العمومية أمراً ضرورياً.
وشدد في هذا السياق على أن الخطاب الانتخابي ينبغي أن يكون واقعياً، لأن “المنتخب لا يستطيع أن يعد المواطنين بمشاريع لا تدخل ضمن اختصاصات الجماعة أو تفوق إمكانياتها المالية”، داعياً الأحزاب والمرشحين إلى تقديم وعود قابلة للتنفيذ، وربط المسؤولية السياسية بالنتائج الفعلية وليس فقط بالشعارات والبرامج الانتخابية.
وفي حديثه عن المواطن، قال شهير إن الانتخابات المقبلة ستكون أيضاً مناسبة لإعادة الاعتبار لمنطق الحصيلة والأرقام، موضحاً أن الناخب أصبح أكثر قدرة على مقارنة الوعود بالنتائج، ومعرفة المشاريع التي أنجزت، ونسب تقدم الأوراش، وحجم الاستثمارات، ومصادر التمويل، ومدى انعكاسها على الخدمات المقدمة للسكان.
وختم معاذ شهير بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام جهة الدار البيضاء سطات لا يتمثل فقط في الاستعداد للانتخابات التشريعية، وإنما في الحفاظ على استمرارية العمل المؤسساتي خلال المرحلة الانتخابية، قائلاً إن “الجماعات لا يمكنها أن تتوقف عن العمل لأن الانتخابات اقتربت، والمواطن لا يمكن أن ينتظر إلى ما بعد الاقتراع للحصول على خدمات أفضل”.
وأكد أن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بقدرة المنتخبين على تحقيق التوازن بين التنافس السياسي المشروع واستمرارية التدبير المحلي، مشدداً على أن الانتخابات يجب أن تكون مناسبة لتقييم الحصيلة ومساءلة المسؤولين، لا مناسبة لتعطيل المؤسسات أو توظيف الإمكانات العمومية خارج منطق المصلحة العامة.
المصدر:
العمق