بدأت ملامح المعركة الانتخابية بدائرة مولاي رشيد–سيدي عثمان في الدار البيضاء تتضح تدريجيا، قبل أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، مع حسم عدد من الأحزاب السياسية أسماء وكلاء لوائحها، وانطلاق تحركات ميدانية وتنظيمية توحي بأن الدائرة تتجه نحو واحدة من أكثر المنافسات سخونة بالعاصمة الاقتصادية.
وكانت الحكومة قد حددت رسميا يوم 23 شتنبر موعدا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، على أن تفتح فترة إيداع الترشيحات ما بين 31 غشت و8 شتنبر، فيما تنطلق الحملة الانتخابية الرسمية يوم 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر.
وتكتسي دائرة مولاي رشيد–سيدي عثمان أهمية انتخابية خاصة بالنظر إلى وزنها الديمغرافي وتركيبتها الاجتماعية واتساع مجالها، فضلا عن احتضانها أحياء ومناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة، الأمر الذي يجعل القدرة على التعبئة الميدانية وبناء شبكات محلية ممتدة عاملا أساسيا في تحديد موازين القوى بين المتنافسين.
وتزداد أهمية العامل التنظيمي بالنظر إلى نتائج اقتراع 8 شتنبر 2021، حين تصدر التجمع الوطني للأحرار الدائرة بـ14 ألفا و352 صوتا، متقدما بفارق كبير على حزب الاستقلال الذي حصل على 4636 صوتا، ثم حزب التقدم والاشتراكية بـ4206 أصوات، وهي النتائج التي منحت المقاعد آنذاك لمحمد حدادي عن الأحرار، وعبد الإله امهدي عن الاستقلال، وعبد الإله شيكر عن التقدم والاشتراكية.
أبرز التحولات المرتقبة خلال انتخابات 2026 تتمثل في دخول التجمع الوطني للأحرار السباق بوجه جديد على مستوى الانتخابات التشريعية، بعدما وقع الاختيار على أنس الحدادي لقيادة لائحة الحزب بدائرة مولاي رشيد–سيدي عثمان، خلفا لوالده محمد حدادي، الذي يمثل الدائرة حاليا في مجلس النواب.
وتفيد معطيات متطابقة بأن الأحرار حسموا منذ أشهر في تزكية أنس الحدادي ضمن وكلاء لوائح الحزب بالدار البيضاء، فيما سبق لاتحادية الحزب محليا أن أعلنت ترشيحه للاستحقاقات البرلمانية المقبلة.
ولا يدخل الحدادي الابن المعركة من نقطة الصفر، إذ سبق له الحضور في العمل الحزبي والتنظيمي المحلي، كما قاد لائحة الأحرار في الانتخابات الجماعية لمقاطعة مولاي رشيد سنة 2021، فضلا عن ترؤسه شبيبة الحزب على مستوى عمالة مولاي رشيد–سيدي عثمان.
ويراهن الأحرار، وفق المعطيات المتوفرة، على استثمار القاعدة الانتخابية والتنظيمية التي بناها الحزب خلال السنوات الماضية، مستفيدا أيضا من حضور محمد حدادي، النائب البرلماني الحالي ورئيس مقاطعة سيدي عثمان، في معادلة التعبئة المحلية. ويؤكد الموقع الرسمي للدار البيضاء استمرار محمد حدادي في رئاسة المقاطعة، كما يدرجه مجلس النواب ضمن نواب دائرة مولاي رشيد خلال الولاية 2021-2026.
وتشير المعطيات المتداولة محليا إلى تحركات تستهدف تعزيز الحضور التجمعي في عدد من الأحياء، من بينها الحي السدري وبورنازيل والرجاء والوفا، إلى جانب مناطق بمولاي رشيد وسيدي عثمان، في محاولة للحفاظ على الصدارة التي حققها الحزب بفارق كبير خلال اقتراع 2021.
غير أن مهمة الأحرار هذه المرة تبدو مختلفة، بعدما تغيرت أسماء ووضعيات عدد من المنافسين ودخلت أحزاب أخرى السباق بمرشحين تراهن على قدرتهم على اختراق الخريطة الانتخابية التقليدية للدائرة.
في الجهة المقابلة، حسم حزب الأصالة والمعاصرة اختياره بتزكية محمد حمامة وكيلا للائحته بدائرة مولاي رشيد–سيدي عثمان، بعدما شهدت المرحلة السابقة تنافسا داخليا على التزكية.
وجرى تقديم حمامة رسميا وكيلا للائحة الحزب خلال اجتماع تنظيمي عقد في يونيو الماضي بحضور هشام الصابري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة وكاتب الدولة المكلف بالتشغيل، لتنتهي بذلك مرحلة التنافس الداخلي حول قيادة اللائحة.
ويراهن “البام” على تحسين النتيجة التي سجلها في انتخابات 2021، حين حصل على 3218 صوتا ولم يتمكن من انتزاع أحد المقاعد، وهو ما يجعل الاستحقاق المقبل بالنسبة للحزب معركة لاستعادة موقع متقدم داخل دائرة سبق أن عرفت تغيرا كبيرا في موازين القوى.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن حمامة كثف خلال الفترة الماضية تحركاته ولقاءاته بعدد من مناطق الدائرة، في محاولة لبناء قاعدة انتخابية قادرة على منافسة التنظيمات التي تتوفر على حضور محلي متراكم.
ويظل حزب الاستقلال بدوره رقما رئيسيا في المعادلة، بالنظر إلى امتلاكه أحد المقاعد البرلمانية الحالية عبر عبد الإله امهدي، الذي حل ثانيا في انتخابات 2021 بـ4636 صوتا. ويؤكد الموقع الرسمي لمجلس النواب أن امهدي يمثل دائرة مولاي رشيد عن حزب الاستقلال خلال الولاية التشريعية الحالية.
وفي المقابل، اختار حزب العدالة والتنمية محسن مفيدي لقيادة لائحته بالدائرة، وهي تزكية أعلنها الحزب رسميا ضمن لائحة وكلائه للانتخابات التشريعية المقبلة.
ويعود مفيدي بذلك لخوض المنافسة في الدائرة التي قاد فيها لائحة “المصباح” خلال انتخابات 2021، عندما حصل الحزب على 3194 صوتا، بفارق محدود جدا عن الأصالة والمعاصرة الذي جمع 3218 صوتا، ما يعطي لعودة المنافسة بين الحزبين بعدا إضافيا خلال اقتراع شتنبر المقبل.
وتزداد خريطة المنافسة تعقيدا مع حسم الحركة الشعبية في ترشيح محمد العدناني، المعروف بلقب “ميكي”، وكيلا للائحتها بدائرة مولاي رشيد، ضمن مجموعة من التزكيات التي صادق عليها المكتب السياسي للحزب بالعاصمة الاقتصادية.
كما يدخل الاتحاد الدستوري الاستحقاق بمحمد شيكر، الذي يقدم في تحركاته السياسية الأخيرة باعتباره وكيل لائحة الحزب بالدائرة، وهو يشغل أيضا رئاسة اللجنة الدائمة للبيئة والماء بمجلس جهة الدار البيضاء–سطات.
ويحمل اسم شيكر بدوره امتدادا انتخابيا في المنطقة، بعدما تمكن شقيقه عبد الإله شيكر من الفوز بأحد مقاعد الدائرة سنة 2021 باسم حزب التقدم والاشتراكية، إثر حصول الحزب على 4206 أصوات، وهي ثالث أفضل نتيجة في ذلك الاقتراع.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد حسم ترشيح عبد اللطيف مستكفي لقيادة لائحته بمولاي رشيد–سيدي عثمان، ضمن الأسماء التي اعتمدها الحزب في الدوائر المحلية بجهة الدار البيضاء–سطات.
وبذلك تتجه الدائرة إلى منافسة متعددة الأطراف، لا تقتصر على الأحزاب الثلاثة التي تمكنت من الظفر بمقاعدها في 2021، بعدما أعادت مجموعة من التنظيمات ترتيب أوراقها وقدمت أسماء جديدة أو أعادت الدفع بمرشحين سبق لهم خوض غمار المنافسة.
وتبدو المعركة مفتوحة على أكثر من سيناريو؛ فالتجمع الوطني للأحرار يسعى إلى الحفاظ على الصدارة رغم تغيير وكيل لائحته، بينما يطمح الأصالة والمعاصرة إلى تحويل حضوره التنظيمي إلى مقعد برلماني، في وقت يتمسك الاستقلال بالمقعد الذي يشغله حاليا، ويسعى العدالة والتنمية إلى العودة بقوة إلى دائرة كانت تعد سابقا من مناطق نفوذه الانتخابي.
وفي الوقت نفسه، يحاول كل من الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي استغلال إعادة تشكل الخريطة المحلية لفرض نفسه ضمن دائرة المنافسة على المقاعد.
ومن شأن طبيعة الدائرة واتساعها وتعدد أحيائها أن تجعل الحضور التنظيمي وحده غير كافٍ لحسم السباق، إذ ستكون القدرة على الوصول إلى الناخبين وتعبئة الأصوات يوم الاقتراع عاملا حاسما، لاسيما في منطقة أظهرت نتائج 2021 أن بضعة آلاف من الأصوات يمكن أن تغير ترتيب الأحزاب المتنافسة على المقاعد.
ومع بقاء أسابيع قليلة على اقتراع 23 شتنبر، تبدو سيدي عثمان–مولاي رشيد مرشحة لتكون واحدة من الدوائر التي ستستقطب اهتماما خاصا في الدار البيضاء، سواء بسبب انتقال الرهان داخل الأحرار من محمد حدادي إلى نجله أنس، أو محاولة “البام” قلب موازين 2021، أو دفاع الاستقلال عن مقعده، إلى جانب تحركات العدالة والتنمية والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي.
أما الخريطة النهائية للمنافسة، فلن تتضح بصورة قانونية مكتملة إلا بعد انتهاء فترة إيداع التصريحات بالترشيح يوم 8 شتنبر، وهو ما يبقي الباب مفتوحا أمام مستجدات وتحالفات وتحركات قد تعيد ترتيب الحسابات قبل دخول الحملة الانتخابية الرسمية مرحلتها الحاسمة.
المصدر:
العمق