أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، مجددة تمسكها برفض قانون مهنة المحاماة والسعي إلى إسقاطه، رغم دخوله حيز التنفيذ، في خطوة تؤكد استمرار التصعيد بشأن القانون، معتبرة أن ما تشهده المحاماة بالمغرب، وما رافق مسار قانون المهنة من توتر وصفته بغير المسبوق، “ليس صراعًا بين المحامين والدولة، ولا مواجهة معها أو مع مؤسساتها”.
وجاء قرار الجمعية في بيان أصدره مكتبها، الجمعة 28 غشت 2026، عقب اجتماع عقده الخميس بنادي هيئة المحامين بالرباط، مباشرة بعد اختتام أشغال الاجتماع الاستثنائي لمجلس الجمعية المنعقد في اليوم نفسه، حيث جرى تدارس مستجدات الوضع المهني ومآلات مسار قانون مهنة المحاماة.
وأكد مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ «لا يعني انتهاء القضية»، معتبرًا أن دخوله حيز التنفيذ «لا يحول الرفض إلى قبول، ولا يمحو ما شاب مساره من اختلالات، ولا يسقط حق المحاماة في مواصلة الدفاع عن استقلالها ومبادئها».
وأعلن المكتب، إلى جانب استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، مواصلة ما وصفها بـ«معركة المحاماة» من أجل إسقاط القانون، والعمل بكل الوسائل المؤسساتية والقانونية المشروعة، مع تنويع وتطوير الأشكال الاحتجاجية، دفاعًا عن استقلال المهنة وحصانة الدفاع وتنظيمها الذاتي، إلى حين بلوغ الغاية التي توحد حولها الجسم المهني.
الخلاف ليس صراعًا مع الدولة
وفي بيانها، شددت جمعية هيئات المحامين بالمغرب على أن ما تشهده المحاماة بالمغرب، وما رافق مسار قانون المهنة من توتر وصفته بغير المسبوق، «ليس صراعًا بين المحامين والدولة، ولا مواجهة معها أو مع مؤسساتها»، مؤكدة أن المحاماة «جزء أصيل من منظومة الدولة ومؤسسات العدالة».
وأوضحت الجمعية أن المحامين، أفرادًا ومؤسسات، كانوا على الدوام في طليعة المدافعين عن قضايا الوطن، وعن وحدته الترابية ومقدساته، وعن مساره الديمقراطي والحقوقي، وعن صورته ومكانته بين الأمم، من خلال حضورهم وإسهامهم في المنظمات المهنية والحقوقية الوطنية والدولية.
كما استحضرت الدور الذي لعبته المحاماة، عبر تاريخها، باعتبارها شريكًا أساسيًا في بناء العدالة وخدمة المتقاضين، مشيرة إلى أن المحامين أسهموا، بتجرد وتفانٍ، في ضمان الولوج المستنير إلى العدالة وتطوير منظومتها بالمملكة، انسجامًا مع الرؤية الملكية السامية المجسدة في العديد من الخطب والرسائل الملكية الموجهة إلى المحافل الوطنية والدولية، والتي يؤكد من خلالها الملك على مركزية العدالة واستقلال مكوناتها، وضرورة صيانة حقوق الدفاع وضمان المحاكمة العادلة.
وانطلاقًا من ذلك، اعتبر مكتب الجمعية أن المعركة التي تخوضها المحاماة اليوم «ليست معركة فئوية ولا دفاعًا عن امتيازات مهنية»، وإنما معركة من أجل رسالة الدفاع داخل دولة الحق والقانون، ومن أجل حق المواطن في محاماة حرة وقوية ومستقلة، قادرة على تحقيق التوازن داخل منظومة العدالة، وحماية الحقوق والحريات، وضمان المساواة أمام القانون، والتصدي لكل ما يمكن أن يمس ضمانات المحاكمة العادلة.
ووصف المكتب هذه المعركة بأنها «معركة ضد التغول التشريعي»، وضد «تشريع على المقاس لخدمة مصالح خاصة ورؤية من تزعجهم المحاماة القوية الحرة والمستقلة، ولا يرون في قانونها إلا لغة الضبط والوصاية».
اعتراض على القانون ومساره
وفي معرض حديثه عن قانون مهنة المحاماة، قال المكتب إن القانون جاء في سياق تشريعي أثار، في مختلف مراحله، اعتراضًا مهنيًا واسعًا، بالنظر إلى ما تضمنه من مقتضيات تمس، في تقدير الجسم المهني، باستقلال المحاماة وتنظيمها الذاتي وحصانة الدفاع، وتتعارض مع ما راكمته المملكة من مكتسبات دستورية وحقوقية، ومع المبادئ والمعايير الدولية ذات الصلة باستقلال مهنة المحاماة وحرية ممارستها.
ولم يحصر المكتب مصدر القلق في مقتضيات القانون وحدها، بل انتقد أيضًا المنهج الذي حكم مساره، موضحًا أن التوافقات التي تم التوصل إليها في إطار الحوار المؤسساتي «لم تجد طريقها كاملة إلى النص»، وانتهى المسار إلى فرض قانون ترفضه المؤسسات المهنية للمحامين.
وطرح المكتب، في هذا السياق، سؤالًا حول كيفية بناء إصلاح حقيقي لمهنة من مهن العدالة «من دون انخراط أهلها، وضد إرادة مؤسساتها المنتخبة»، معتبرًا أن هذا الإشكال يتجاوز الخلاف حول مقتضيات بعينها.
وتوقفت الجمعية كذلك عند واقعة إحالة القانون على المحكمة الدستورية، وما انتهت إليه من تعذر البت بسبب عدم استيفاء الإحالة لمتطلباتها، ثم عدم تدارك ذلك قبل نشر القانون، معتبرة أن هذه الواقعة زادت من جسامة الأسئلة المطروحة حول مسار القانون.
وقالت إن الأمر يتجاوز قانون المحاماة نفسه، لأنه يمس، بحسبها، الثقة في سلامة المساطر الدستورية وفي فعالية الرقابة على دستورية القوانين، معتبرة أن من حق الرأي العام الوطني أن يعرف كيف تمت الإحالة، وما أسباب عدم استيفائها للشروط اللازمة لتمكين المحكمة الدستورية من ممارسة رقابتها، ولماذا لم يتم تدارك الأمر بعد صدور قرارها، وكيف انتقل القانون، رغم ذلك، إلى مرحلة النشر والتنفيذ.
واعتبر المكتب أن هذه الأسئلة مؤسساتية وتتجاوز حدود أي سجال مهني أو سياسي عابر، ولا تحتمل أن تظل معلقة دون جواب، مؤكدًا أن احترام الدستور يقتضي، إلى جانب صيانة مكانة المؤسسات، ضمان سلامة المساطر التي تمكنها من الاضطلاع بوظائفها كاملة.
وشدد على أن ذلك يستوجب كشف حقيقة ما جرى وترتيب ما يلزم بشأنه، بما يحول دون أن تتحول المساطر الدستورية، أيًا كان الموضوع أو الجهة المعنية بها، إلى مجال للمناورة السياسية أو لفرض الأمر الواقع.
كما اعتبر المكتب أن ما جرى يعيد إلى الواجهة سؤالًا أعمق حول جودة صناعة التشريع، وحدود التوازن بين السلط، واستقلال القرار التشريعي، ومكانة الديمقراطية التشاركية في القضايا التي تمس بصورة مباشرة مؤسسات العدالة.
وأكد أن البناء المؤسساتي السليم لا يقوم على إضعاف مكون من مكونات العدالة أو الحد من استقلاله، وإنما على تكامل الأدوار، واحترام الاختصاصات، وتهيئة الشروط التي تمكن كل مؤسسة ومهنة من أداء رسالتها بحرية ومسؤولية في إطار الدستور والقانون.
وفي صلب هذا التصور، شدد مكتب الجمعية على أن المحاماة الحرة والمستقلة تظل «ركنًا من أركان دولة القانون وضمانة من ضمانات عدالة متوازنة»، موضحًا أن المحامي المستقل لا ينازع المؤسسات اختصاصاتها، وإنما ينهض برسالة لا تكتمل العدالة من دونها، تتمثل في حماية الحقوق والحريات، وصون كرامة الإنسان، وتمكين المواطن من دفاع حر وحصين، وضمان شروط المحاكمة العادلة.
وسجل المكتب «بقلق بالغ» أن القانون، بدل أن يعزز استقلال المهنة ويطور تنظيمها الذاتي ويحصن رسالتها، اتجه في عدد من مقتضياته إلى توسيع مجالات تدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل والنيابة العامة في شؤون ترتبط بالممارسة المهنية.
واعتبر أن ذلك يثير «مخاوف جدية من الانتقال من منطق التنظيم الذاتي إلى منطق الوصاية، ومن شراكة المحاماة في بناء العدالة إلى إخضاعها لتوازنات لا تنسجم مع طبيعتها ورسالتها».
كما ربط المكتب بين المساس بمكانة النقباء السابقين، الذين وصفهم بأنهم «الذاكرة الحية للمهنة ومستودع أعرافها وتقاليدها وخبرتها المتراكمة»، وبين التوجه العام الذي مس بنيان التنظيم الذاتي.
وأضاف أنه لا يمكن النظر إلى محاولات إضعاف جمعية هيئات المحامين بالمغرب، باعتبارها الإطار الوطني التاريخي الجامع لهيئات المحامين، بمعزل عن استهداف وحدة القرار المهني وقدرته على التعبير المستقل عن إرادة المحامين.
الجمعية تتمسك بالتصعيد
وأكد مكتب الجمعية أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب «ليست ملكًا لأشخاص، ولا رهينة ولاية مهنية عابرة»، وإنما هي مؤسسة صنعتها أجيال من المحامين، وحملت عبر تاريخها وحدة المهنة واستقلال قرارها، وستظل إطارها الوطني الجامع.
واعتبر أن الأزمة الحالية، بدل أن تنال من مكانة الجمعية، أظهرت عمق الحاجة إليها وقوة ما تمثله في الوجدان المهني، مشيرًا إلى أن الجمعية لا تستمد قوتها ممن يتولى مسؤوليتها في مرحلة من المراحل، وإنما من شرعيتها المهنية، ومن هيئاتها، ومن تاريخها المتراكم، ومن آلاف المحامين والمحاميات الذين أكدوا، بما أبانوا عنه من وحدة وصمود وتضحيات، أن المؤسسة التي تسندها إرادة جماعية راسخة تخرج من المحن أكثر وعيًا بقوتها وأشد تماسكا في حمل رسالتها والدفاع عن استقلال المهنة وكرامتها.
وقالت الجمعية إن الجسم المهني، بمختلف هيئاته ومؤسساته وتعبيراته وأجياله، عبر عن رفض واسع للقانون، معتبرة أن هذه الوحدة المهنية «ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه»، وإنما حقيقة سياسية ومؤسساتية ينبغي الإنصات إليها.
وشدد المكتب على أنه لا يستقيم أن يفرض على مهنة بكاملها، تحت عنوان الإصلاح، تصور تشريعي لا ترى فيه مؤسساتها ما يصون استقلالها وحصانة الدفاع وتنظيمها الذاتي، ولا ما ينسجم مع المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية ذات الصلة بمهنة المحاماة وضمانات ممارستها الحرة والمستقلة.
واعتبر المكتب أن قانونًا بهذا الحجم، يتعلق بمهنة تشكل إحدى ضمانات المحاكمة العادلة، كان جديرًا بأن يستنفد ضمانات الفحص الدستوري بعد تحريكها، وأن يخرج إلى حيز التنفيذ محاطًا بأقصى درجات اليقين الدستوري والثقة المؤسساتية، لا «مثقالًا بالأسئلة التي خلفتها إحالة معيبة لم تمكن المحكمة الدستورية من البت في موضوعه».
وربطت الجمعية بين صورة المغرب الحقوقية والديمقراطية، وجاذبيته للاستثمار، والثقة في منظومته القضائية، ومصداقية دفاعه عن قضاياه الوطنية، وبين وجود عدالة قوية ومستقلة وضمانات فعلية للمحاكمة العادلة، وفي قلبها قضاء مستقل ودفاع حر وحصين.
وأكد المكتب أن حقوق الدفاع «ليست مطلبًا للمحامين، بل حق للمواطن، وليست امتيازًا مهنيًا، بل ضمانة من ضمانات دولة القانون».
واستحضر المكتب ما أبان عنه المحامون والمحاميات بمختلف هيئات المملكة من صمود وتضحيات مادية ومهنية ومعنوية دفاعًا عن استقلال مهنتهم وكرامتها، معتبرًا أن هذه الوحدة تمثل تعبيرًا مهنيًا واضحًا لا يجوز تجاهل دلالته أو التقليل من قوته.
وأكد، استنادًا إلى هذه الإرادة المهنية الجامعة وإلى مداولات مجلس الجمعية المنعقد بالرباط، أن نشر القانون لا يعني انتهاء القضية، وأن دخوله حيز التنفيذ لا يحول الرفض إلى قبول، ولا يمحو ما شاب مساره من اختلالات، ولا يسقط حق المحاماة في مواصلة الدفاع عن استقلالها ومبادئها.
وعلى المستوى العملي، أعلنت الجمعية استمرار معركتها من أجل إسقاط القانون، والعمل بكل الوسائل المؤسساتية والقانونية المشروعة، مع تنويع وتطوير الأشكال الاحتجاجية، دفاعًا عن استقلال المهنة وحصانة الدفاع وتنظيمها الذاتي، إلى حين بلوغ الغاية التي توحد حولها الجسم المهني.
كما دعت إلى فتح نقاش مؤسساتي مسؤول بشأن ملابسات إحالة القانون على المحكمة الدستورية وعدم تدارك أسباب تعذر البت فيه، وترتيب ما يلزم من مسؤوليات مؤسساتية وسياسية.
وفي السياق ذاته، أكدت الجمعية استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، وحددت يوم 10 شتنبر 2026 موعدًا لعقد اجتماع لمكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب من أجل تسطير برنامجه للمرحلة المقبلة.
كما أعلنت عقد ندوة صحفية في اليوم نفسه، لتقديم موقف الجمعية للرأي العام الوطني، وبيان حقيقة مسار القانون ومآلاته وأبعاد الموقف المهني منه.
وختم مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب بيانه بالتأكيد على استمرار الدفاع عن حرية واستقلال المحاماة وكرامة المهنة ومؤسساتها ومكتسباتها، معلنًا تمسكه بموقفه الرافض للقانون، ومؤكدًا أنه «لا تراجع عن الدفاع عن كرامة المهنة ومؤسساتها ومكتسباتها».
المصدر:
العمق