أعاد فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ملف أسعار اللحوم والمواشي إلى قلب النقاش السياسي، بعدما شدد في آخر تصريح له على أن وصول سعر اللحوم إلى 150 و160 درهما للكيلوغرام وضع غير مقبول، واضعا حماية القدرة الشرائية للأسر ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
وقال لقجع، خلال لقاء تواصلي لحزب الأصالة والمعاصرة بجماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح، إنه “ما يمكنش نخليو المغاربة يمشيو يشريو اللحم بـ150 ولا 160 درهم”، قبل أن يصف الذين حولوا فرحة عيد الأضحى إلى قلق لدى الأسر بـ”الإرهابيين الحقيقيين”، داعيا إلى البحث عن حلول تعيد التوازن إلى القدرة الشرائية للمواطنين.
وجاء موقف لقجع في خضم سجال سياسي مع التجمع الوطني للأحرار، بعد تداول تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للحزب، تضمن هجوما مباشرا على لقجع وتحفظا صريحا على احتمال توليه وزارة الاقتصاد والمالية مستقبلا، مع تأكيده أن الحقيبة ستظل، في تصور “الأحرار”، بيد نادية فتاح.
غير أن عودة ملف المواشي إلى هذا السجال تطرح، بعيدا عن الحسابات الحزبية، سؤالا أساسيا بشأن توزيع المسؤوليات داخل الحكومة، وحدود مسؤولية الوزير المكلف بالميزانية في سياسة تتداخل فيها الاختصاصات المالية مع التدبير القطاعي للفلاحة والأسواق وسلاسل الإنتاج الحيواني.
فالمعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية تظهر أن مديرية الميزانية تساهم في تحديد السياسات الخاصة بالمواد المدعمة، وإعداد توقعات النفقات المترتبة عنها وتتبعها، فضلا عن دراسة الإجراءات ذات الأثر على المالية العمومية وتحديد كيفيات تمويل البرامج الحكومية، غير أن هذه الاختصاصات لا تجعل قطاع الميزانية الجهة التي تدير القطيع أو سلاسل الإنتاج الحيواني والأسواق الفلاحية بشكل ميداني.
وبهذا المعنى، لا يمكن فصل لقجع تماما عن سياسة دعم استيراد المواشي، باعتباره مسؤولا عن جزء من هندستها المالية وتمويلها، لكن اختزال المسؤولية في شخصه يتجاهل الطبيعة المشتركة للقرار الحكومي، والاختصاص القطاعي لوزارة الفلاحة في تتبع الإنتاج الحيواني وحاجيات السوق وبرامج دعم المربين.
وتؤكد المعطيات الرسمية نفسها أن عملية دعم استيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 جرى تأطيرها بناء على قرار وزاري مشترك بين وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الفلاحة، بما يكشف أن الإجراء لم يكن قرارا منفردا لقطاع الميزانية أو لوزارة الفلاحة، وإنما سياسة حكومية اشتركت فيها أكثر من جهة.
وكان لقجع قد اتخذ، منذ أكتوبر 2024، موقفا لافتا من حصيلة الإجراء، عندما أقر أمام لجنة المالية بمجلس النواب بأن الدعم المخصص لاستيراد الأغنام، والمحدد في 500 درهم للرأس، لم يحقق النتيجة المتوخاة، موضحا أن الحكومة لجأت إليه على أساس معطيات أظهرت وجود خصاص في العرض، قبل أن يتم التخلي عنه بعدما لم يعط النتائج المنتظرة.
ويكتسب هذا الموقف أهمية في النقاش الحالي، إذ لم يسع لقجع آنذاك إلى تقديم آلية الدعم باعتبارها نجاحا بعد ظهور محدودية أثرها، بل أقر بنتيجتها أمام البرلمان، وهو ما يمكن قراءته باعتباره تحملا لنصيبه من المسؤولية السياسية، دون أن يعني ذلك تحمله بمفرده مسؤولية مختلف مراحل إعداد السياسة وتنزيلها ومراقبة أثرها في السوق.
من دعم الاستيراد إلى دعم المربين
كما تكشف الأرقام الرسمية أن الدعم المباشر المخصص للاستيراد الاستثنائي للأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغ 437 مليون درهم، منها 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024، مقابل استيراد نحو 875 ألف رأس واستفادة 156 مستوردا من العملية.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية في ظل السجال السياسي الذي أحاط بكلفة الملف، إذ جرى في فترات سابقة تداول أرقام أكبر تجمع بين الدعم المباشر والإعفاءات أو النفقات الجبائية المقدرة، فيما تؤكد وزارة الفلاحة، في المقابل، أن مبلغ 437 مليون درهم يمثل الكلفة المباشرة لدعم 500 درهم عن كل رأس في عمليتي 2023 و2024، كما اعتبرت أن تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لم يترتب عنه، وفق تقديرها، فقدان فعلي لمداخيل كانت تحصل عليها الخزينة خلال السنوات السابقة.
ولم تمنع الإجراءات المتخذة من استمرار ارتفاع أسعار اللحوم وتراجع القطيع بفعل سنوات الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف، وهو ما دفع الدولة لاحقا إلى تغيير جزء من فلسفة تدخلها والانتقال من دعم الاستيراد إلى برنامج واسع لإعادة تكوين القطيع ودعم المربين مباشرة.
وخصصت الحكومة لبرنامج إعادة تكوين القطيع برسم سنتي 2025 و2026 غلافا ماليا يناهز 12.8 مليار درهم، يرتكز على دعم مباشر للكسابة لاقتناء الأعلاف والحفاظ على إناث الأغنام، مع اعتماد الإحصاء والترقيم لضبط المستفيدين. وبلغ عدد المستفيدين من الشطر الأول نحو 1.15 مليون مربي، بقيمة إجمالية قاربت 5.5 مليارات درهم.
ويظهر الانتقال إلى هذه الآلية أن الدولة نفسها أدخلت تعديلات جوهرية على طريقة التدخل في القطاع، بعدما لم تحقق صيغة دعم الاستيراد النتائج الكافية لضبط الأسعار وإعادة التوازن إلى السوق، بما ينسجم مع الموقف الذي سبق أن عبر عنه لقجع بضرورة تقييم نتائج التدخلات وعدم الاستمرار في آليات لا تحقق الغاية المرجوة.
رفض لجنة تقصي الحقائق
غير أن ملف الدعم ظل سياسيا مفتوحا، خصوصا بعد رفض الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، في يونيو الماضي، الانخراط في مبادرة لتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول مختلف أشكال الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية عموما.
وبرر فريق “الأحرار” موقفه باعتبارات مرتبطة بقرب انتهاء الولاية التشريعية وعدم توفر المدة الزمنية الكافية لعمل اللجنة، فضلا عن تأكيده تمسكه بميثاق الأغلبية واستعداده لاستعمال آليات رقابية أخرى، غير أن رفض الفريق لتشكيل اللجنة لا يعد في حد ذاته دليلا على وجود اختلال أو مسؤولية قانونية، لكنه أبقى عددا من الأسئلة المرتبطة بصناعة القرار والمستفيدين من الدعم ونتائجه دون حسم برلماني شامل.
وكان من شأن التحقيق البرلماني، لو تم، أن يتيح تفكيك سلسلة المسؤولية بشكل أدق: من قدم تقديرات الخصاص في القطيع، ومن اقترح صيغة الاستيراد، ومن حدد شروط المستفيدين، ومن وفر التمويل، ومن راقب دخول المواشي إلى السوق، ومدى انتقال أثر الأموال العمومية إلى السعر الذي يؤديه المستهلك.
ومن هذه الزاوية، يبدو تحميل لقجع وحده تبعات ملف المواشي قراءة غير مكتملة؛ فهو كان جزءا من القرار المالي الحكومي ويتحمل مسؤوليته في هذا الجانب، لكنه لم يكن الجهة القطاعية التي تتولى بمفردها إدارة القطيع وسلاسل الإنتاج والأسواق.
وفي المقابل، لا يسمح توزيع الاختصاصات بإعفاء الوزير المنتدب المكلف بالميزانية من المساءلة عن فعالية الأموال المعبأة والاختيارات المالية التي شارك في إعدادها، وهي مساءلة سبق أن تفاعل معها بنفسه عندما اعترف بعدم تحقيق صيغة الدعم الأولى للنتيجة المرجوة.
ويمنح موقفه الأخير بشأن وصول سعر اللحوم إلى 150 و160 درهما بعدا إضافيا لهذا النقاش؛ فبعد نحو عامين من إقراره بتعثر دعم الاستيراد، يعود لقجع ليضع كلفة اللحوم والقدرة الشرائية في صلب خطابه السياسي، في لحظة يتصاعد فيها أيضا الجدل حول موقعه داخل الحكومة المقبلة وحقيبة الاقتصاد والمالية تحديدا.
وبين السجال الحزبي ومسؤوليات التدبير، يبقى تحديد المسؤولية في أزمة المواشي أبعد من شخص أو وزارة واحدة، إذ يتعلق بسياسة حكومية شاركت فيها المالية والفلاحة ورئاسة الحكومة ومصالح تنفيذية متعددة، فيما يظل الاختبار الحقيقي هو مدى قدرة السياسات الجديدة على إعادة بناء القطيع وانعكاس مليارات الدراهم المرصودة على أسعار اللحوم التي يؤديها المواطن في نهاية السلسلة.
المصدر:
العمق