يُقدّم كتاب صدر باللغتين الإنجليزية والفرنسية قصة الفنان فريد بلكاهية، ومعاصريه، ومدرسة الدار البيضاء، ونهج مغاربة سبلا للإبداع “تتحرر من النموذج السائد للحداثة”، وتجدّد ماء نهر الإبداعات في البلاد باعتبار تاريخها الفني، وتغني بحر الإبداعات في العالم.
هذا المؤلف، الصادر عن “مركز بومبيدو” الفرنسي و”المتحف العربي للفن الحديث” بقطر، يؤرخ لأعمال معرض حول بلكاهية، الراحل سنة 2014، نظمته المؤسستان بباريس، بدعم من “مؤسسة فريد بلكاهية بمراكش”، وحرّره ميشيل غوثييه، وترافق نصوصه صور الأعمال الفنية والصور التاريخية المهتمة بعوالم ومسار فريد بلكاهية، علَم التشكيل وتدريس الفنون الجميلة المغربية والأجنبية، الذي طلّق حامل “اللوحة”، واستلهم مواد مغربية في الإبداع من قبيل صياغة النحاس، والجلد المدبوغ، والألوان الطبيعية مثل الحناء، رافضا الانصياع لمنطق فني متمركز على سردية تاريخية حول العالم أنتجها جزء من أوروبا، وتجربة واحدة “تُؤحّد” و”تنمّط” الإبداع الإنساني.
بعنوان “من أجل حداثة جديدة” بالإنجليزية، و”من أجل حداثة أخرى” في النسخة الفرنسية، يقدم هذا العمل دليلا مقروءا ومرئيا لتطورات الإبداع الفني عند فريد بلكاهية، فضلا عن دراسة لمساراته منذ التكوين، فالتدريس، والإبداع، والأثر الذي خلفه في الفنون الجميلة، مع توقف عند مجايليه، واستلهاماته من المغرب وشمال إفريقيا، ووسط القارة، وتشيكوسلوفاكيا، والعالم العربي، ومناطق متعددة من العالم، وأفكاره أيضا.
ويتوقف الكتاب في محطات عديدة عند قناعة بلكاهية بعد أربع سنوات من الدراسة في مدرسة الفنون الجميلة بباريس الفرنسية، لـ”تحرير” نفسه من “الفن الفرنسي”؛ مما قاده إلى ترك منحة للدراسة في روما الإيطالية ليستفيد منها التجريدي المغربي البارز الجيلالي غرباوي، ويشدّ الرحال بدل ذلك إلى العالم المسمّى “شرقيا” من لدن “المركز”، ليدرس ببراغ في تشيكوسلوفاكيا السينوغرافيا، ويتأثر وفق الكتاب في أعمال مرحلته تلك، بـ”المخيال التشيكي”.
وبعدما حلّ بأوروبا متعلما من تاريخها الفني، اكتشفت عين وذائقة بلكاهية، وفق الدراسة الطويلة، الفنون المغربية وفنون مناطق أوسع من محيطه والعالم. كما اقتنع، شيئا فشئيا، بأن “الحداثة، عكس الخرافة الحداثية الغربية، لا تتأسس على الرفض الكامل للتقاليد، بل على أسلوب إعادة تملّكه”.
هذه القناعات صار لها صدى في عمل بلكاهية، حيث طلّق الحامل “الأرقى” للفنون في الرواية الفنية الغربية: اللوحة. وجانب نوع المواد المستعملة في “الإنتاج الفني” المعاصر. كما سعى إلى استيعاب ودراسة وكتابة تاريخ الفنون ببلده المغرب وقارته الإفريقية ومنطقته العربية والمتوسطية وعالمه، مع تدريسه وجذوره الممتدة عندما صار مديرا لأبرز مدارس الفنون بالبلاد من حيث التأثير في تاريخ الإبداع: مدرسة الدار البيضاء للفنون الجميلة، التي أدارها اثنتي عشرة سنة، بين 1962 و1974.
وكان من أهم آثار هذه المدرسة وعمل أعلامها: بلكاهية، محمد المليحي، محمد شبعة، بيرت فلينت، طوني ماريني، وغيرهم، “الانتصار، باسم الحداثة، لتعبئة تقليد حرفي حصرته جماليات المستعمر في بعد تصويري وفلكلوري”.
ويتوقف المؤلف أيضا عند رمزية خروج فنون أعلام المدرسة إلى “ساحة جامع الفنا” بمراكش، و”ساحة 16 نونبر” بالدار البيضاء، وأهمية استمرار فريد بلكاهية في استعمال مواد غير معهودة في الإبداع الحديث والمعاصر للمؤطّرين “أكاديميا”.
ويقدم الكتاب رؤى لفريد بلكاهية، كان لها تأثير في تمثل الإبداع مغربيا وعالميا؛ مثل سعيه إلى التعبير عن “كل ما يمس الإنسان، وكلّ استمرارياته”، ومقاربته للموروثات الإبداعية لا عبر نسخها، بل عن طريق “التبني النقدي” للإبداع والطاقة التي تقارب بها العالم.
كما أرخ الكتاب لانتقاد فريد بلكاهية ومجايليه لما يسمى بـ’الفن الفطري” أو “الفن الساذج” الذي اعتبره “غير صادق”، و”غير ذي نفع حتى”. ونبّه إلى أن مشجعيه من الدوائر “الاستعمارية الجديدة”، يبتغون ذوقا يمتثل لتصوّرهم المسبق للعالم، فيشجعون فنا “غير قادر على التنمية الجمالية والروحية”.
المصدر:
هسبريس