آخر الأخبار

المغرب وإسبانيا.. تكامل صناعي واعتماد تجاري يحصنان الشراكة الثنائية

شارك

شهدت العلاقات التجارية والاقتصادية بين المغرب وإسبانيا في السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، منذ دعم “قصر مونكلوا” موقف الرباط في قضية الصحراء، عكسه تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 22 مليار يورو في العام الماضي، ونمو الصادرات الإسبانية إلى المغرب خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 3,5 في المائة، لتصل إلى أكثر من 6,4 مليارات يورو، مقابل نمو واردات هذا الأوروبي من المملكة بدورها بحوالي 4,1 في المائة، لتصل إلى أكثر من 5,7 مليارات يورو.

في سياق متصل، أوضحت أرقام متضمنة في دراسة صادرة عن “المعهد الإسباني للتجارة والاستثمار” أن إجمالي الواردات المغربية من الخارج في العام الماضي تجاوز سقف 88 مليار دولار أمريكي، 14 في المائة منها أتت من إسبانيا، فيما بلغ إجمالي الصادرات أكثر من 50 مليار دولار، وُجهت حوالي 22 في المائة منها إلى السوق الإسبانية.

“السيارات” نموذج للتشابك الصناعي

لا يمكن فهم طبيعة وأهمية العلاقات التجارية بين هذين البلدين الجارين دون استقراء بعض الأرقام القطاعية، خاصة تلك المتعلقة بقطاع صناعة السيارات؛ إذ كشفت بيانات حديثة صادرة عن “الجمعية الإسبانية الرسمية لموردي ومصنعي مكونات السيارات” أن المملكة المغربية استوردت العام الماضي لوحده مكونات تدخل في صناعة السيارات من جارها الإسباني بما قيمته مليار و38 مليون يورو، ليحتل بذلك المغرب المركز الثاني ضمن قائمة الوجهات الخارجية لهذه الصناعة الإسبانية من خارج الاتحاد الأوروبي، بعد المملكة المتحدة.

من جهتها، أكدت وثيقة صادرة عن المكتب الاقتصادي والتجاري للسفارة الإسبانية بالرباط أن قطاع صناعة وتصدير السيارات بالمغرب حقق في نهاية العام 2025 عوائد بقيمة بلغت حوالي 15 مليار يورو، مشيرة إلى استحواذ إسبانيا وحدها على ما نسبته 20 في المائة من الصادرات المغربية على هذا المستوى.

تكشف هذه الأرقام أن العلاقات الاقتصادية بين الرباط ومدريد تجاوزت حدود التبادل التجاري التقليدي إلى تشابك حقيقي في سلاسل القيمة، وذلك على الرغم من أن استيراد المغرب مكونات تدخل في صناعة السيارات من إسبانيا، بقيمة تفوق مليار يورو، لا يشكل سوى نسبة معتدلة من إجمالي فاتورة المكونات المغربية التي تتوزع على موردين آخرين عدة، في إطار استراتيجية مغربية توضحت معالمها بشكل جلي في السنوات الأخيرة، تقوم على تنويع المحفظة التجارية ومصادر التوريد، وكذا وجهات التصدير، باعتبارها الضمانة الموضوعية لإدارة العلاقة مع الشركاء، ومن ضمنهم إسبانيا، من موقع الندية، وليس من موقع التبعية.

في المقابل، فإن تصدير خمس الإنتاج المغربي من السيارات إلى السوق الإسبانية يمنح المغرب ثقلا تفاوضيا؛ لأنه يُشكل نسبة ملموسة من احتياجات هذا البلد من السيارات متوسطة ومنخفضة التكلفة. كما أن وجود عشرات الشركات الإسبانية التي يعتمد عليها المغرب لصناعة السيارات على المستوى المحلي، يعبر عن اندماج أفقي يجعل هذه الشركات نفسها معنية باستمرار نجاح الصناعة المغربية، لأن أي تراجع في الإنتاج المغربي سيُفقِدها عميلا رئيسيا يشتري مكوناتها.

شراكة صامدة في مواجهة الدعوات

هذا التقاطع في المصالح هو بالضبط ما يجعل الشراكة بين الرباط ومدريد قائمة على الاعتماد المتبادل؛ إذ لا يمكن لأي طرف أن يفرض شروطه على الآخر دون أن يضرب مصالحه هو أيضا، حتى في أوقات الأزمات ووجود بعض القضايا العالقة ذات الحساسية الشديدة لكلا الطرفين، على غرار ملف سبتة ومليلية المحتلتين.

وعاد الحديث عن طبيعة الشراكة المغربية الإسبانية عقب أحداث العبور الجماعي للمهاجرين التي شهدتها مدينة سبتة في أواخر يوليوز الماضي، إثر بروز دعوات داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا إلى إعادة تقييم هذه الشراكة، بل وإلى “معاقبة” المغرب اقتصاديا. غير أن هذه الدعوات تصطدم بواقع اقتصادي لا يمكن تجاوزه، وهو أن العلاقة مع الرباط تجاوزت المنطق الاستعماري منذ زمن بعيد إلى شراكة شاملة لا غنى عنها بالنسبة للإسبان في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأن أي مساس بالمصالح الاقتصادية المغربية سيكون بمثابة رصاصة تُوجه إلى قلب الاقتصاد الإسباني نفسه، خاصة في سياق اقتصادي ودولي شديد التعقيد.

وعي إسباني بأهمية العلاقات

أهمية العلاقات مع المغرب لا تؤكده الأرقام فحسب، بل أيضا تصريحات النخب السياسية الإسبانية، وكذا الفاعلين الاقتصاديين الإسبان، على رأسهم أنطونيو غاراميندي، رئيس الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال (CEOE)، الذي أوضح خلال افتتاح منتدى “الاستثمار في المغرب” في شهر ماي من سنة 2023 بالعاصمة مدريد أن “المغرب يشكل البوابة الرئيسية لإسبانيا للوصول إلى القارة الإفريقية، تماما كما تعتبر إسبانيا منصة مباشرة للمغرب نحو أوروبا وأمريكا اللاتينية”.

من جانبه، أفاد خوسيه لويس بونيت، رئيس غرفة التجارة الإسبانية، خلال المنتدى ذاته، بأن “المغرب هو الوجهة الأولى للصادرات والاستثمارات الإسبانية، وأن الشركات الإسبانية العاملة هناك تظهر التزاما عاليا تجاه البلاد. وبالتالي، فإن التنظيمات المهنية الممثلة لرجال الأعمال تمتلك قناعة تامة بأهمية استغلال التكامل حول أجندة مشتركة، رقمية، خضراء وشاملة، مع الاستعداد لحشد المزيد من الشركات، وخاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة”.

ويعزز الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين البلدين وجود عدد من الشركات الإسبانية التي تنشط في المغرب، كشركتي “جيستامب” و”أنتولين” المتخصصتين في إنتاج مكونات السيارات، وشركة “إنديتكس” التي تعمل في قطاع النسيج، إضافة إلى شركات أخرى من قبيل “رومو” و”ركاريون” و”بولودا كوربوريشن ماريتيما” و”إكسبو لوجيستيكس”.

في سياق متصل، أوضح مانويل ألتونيو فيرنانديز-فياكانياس، محلل اقتصادي أستاذ في مدرسة “EAE Business School”، لوكالة “إيفي”، أن “المغرب اعتمد في جزء كبير من نموه الصناعي على اندماجه مع أوروبا عبر بوابة إسبانيا”، معتبرا أن “اضطرابا في العلاقات التجارية ستكون له تكاليف على الطرفين؛ إذ ستفقد إسبانيا سوقا مهمة لمصدريها، إلا أنها تمتلك قدرة أوسع بكثير على الاستيعاب بفضل حجمها وتنوعها الجغرافي. في المقابل، سيواجه المغرب آثارا أكثر هيكلية على التوظيف الصناعي، وعلى النظرة إلى البلاد كمنصة تصنيعية موجهة نحو السوق الأوروبية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا