دخل ملف القاصرين غير المصحوبين الموجودين في سبتة مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والقانوني داخل إسبانيا، بعدما أعلنت حكومات قشتالة وليون وإكستريمادورا وأراغون رفضها استقبال القاصرين القادمين من المدينة، وهددت بالطعن قضائيا في كل ملف نقل لا ينتهي بإعادة الطفل إلى المغرب.
وأفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية “RTVE”، اليوم الأربعاء 26 غشت 2026، بأن نواب رؤساء الحكومات الثلاث، المنتمين إلى حزب “فوكس”، وجهوا رسائل إلى وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو، أكدوا فيها رفضهم المشاركة في مؤتمر الطفولة والمراهقة القطاعي المقرر عقده غدا الخميس، والذي سيخصص جزء مهم من أشغاله لمناقشة وضع القاصرين في سبتة.
وأعلن مسؤولو الجهات الثلاث أنهم سيطعنون أمام القضاء في كل ملف يتعلق بقاصر مهاجر قادم من سبتة لا ينتهي بإعادته إلى المغرب، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون للم الشمل العائلي وإعادة الطفل إلى بيئته الأصلية، بدلا من نقله إلى منطقة إسبانية أخرى.
وطالبت الجهات الثلاث بأن يسجل رسميا في محضر الاجتماع رفضها لأي اتفاق يقضي بتوزيع القاصرين غير المصحوبين الموجودين في سبتة على باقي مناطق إسبانيا، مؤكدة أن الدولة مطالبة أولا بحسم الوضع القانوني لكل قاصر بصورة فردية قبل التفكير في نقله إلى جهة أخرى.
ويصر مسؤولو “فوكس” على أن “المصلحة الفضلى للطفل”، كما ينص عليها القانون الإسباني واتفاقية حقوق الطفل، تقتضي إعطاء الأولوية للبقاء مع الأسرة أو العودة إلى بلد الأصل عندما تتوافر الشروط اللازمة، مع إجراء تقييم فردي لكل ملف.
ويتقاطع هذا المبدأ، من حيث الشكل، مع موقف الحكومة الإسبانية والنيابة العامة والمفوضية الأوروبية، التي سبق أن أكدت أن إعادة القاصرين لا يمكن أن تتم بصورة جماعية أو آلية، وإنما بعد دراسة ظروف كل طفل والتحقق من إمكانية استقباله من أسرته أو جهة حماية مناسبة.
ويأتي التصعيد عشية مؤتمر الطفولة والمراهقة القطاعي المقرر عقده الخميس 27 غشت برئاسة وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو، والذي سيناقش بصورة أساسية اعتماد 25 مليون يورو من التمويل الاستثنائي المخصص لرعاية القاصرين المهاجرين في سبتة عقب موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز.
كما تعتزم الوزارة طرح نقطة إضافية للنقاش تتعلق بكيفية التعامل مع القاصرين غير المصحوبين الموجودين في المدينة، بما في ذلك مقترح نقل نحو 500 فتاة من الفئات الأكثر هشاشة إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
وأكدت تسع جهات إسبانية على الأقل مشاركتها في الاجتماع، بينها الأندلس وكتالونيا ومورسيا وغاليسيا وفالنسيا وأستورياس وكانتابريا ونافارا وجزر الكناري، بينما اختارت قشتالة وليون وإكستريمادورا وأراغون المقاطعة.
وفي أراغون، أكد نائب رئيس الحكومة الإقليمية أليخاندرو نولاسكو أن حكومته ستطعن قضائيا في كل ملف لا ينتهي بإعادة القاصر إلى المغرب، وطالب وزارة الشباب والطفولة بتنفيذ التزاماتها أولا قبل توزيع الأطفال على مناطق أخرى.
واتخذت حكومة إكستريمادورا الموقف نفسه، إذ أعلن نائب رئيسها أوسكار فيرنانديز كايي رفض “أي توزيع” للقاصرين القادمين من سبتة، مؤكدا أن حكومته ستلجأ إلى القضاء ضد الملفات التي لا تنتهي بالعودة إلى المغرب.
وفي قشتالة وليون، أعلن نائب رئيس الحكومة كارلوس بولان بدوره أن المنطقة ستطعن في “كل واحد” من الملفات الفردية التي لا تفضي إلى إعادة القاصر إلى المغرب.
ولا يعني إعلان الجهات الثلاث وقف عمليات نقل القاصرين بصورة تلقائية، إذ لم يصدر حتى الآن أي قرار قضائي يعلق خطة الحكومة المركزية، لكنه يفتح الباب أمام معركة قانونية جديدة بشأن توزيع الاختصاصات بين مدريد والحكومات الإقليمية.
كما يطرح الملف سؤالا قانونيا أكثر حساسية يتعلق بحدود سلطة الدولة في نقل القاصرين الموجودين تحت الحماية إلى مناطق أخرى، وما إذا كان من الممكن إلزامها بإعطاء الأولوية لمسار العودة إلى المغرب بدلا من النقل داخل إسبانيا.
وتتمسك الحكومة المركزية بأن أي قرار بشأن القاصر يجب أن يقوم على تقييم فردي ويراعي مصلحته الفضلى، بينما أكدت النيابة العامة الإسبانية أن الإعادة المباشرة أو الجماعية إلى المغرب غير ممكنة قانونيا من دون الاستماع إلى الطفل والتحقق من ظروف أسرته وتوفر ضمانات الحماية في بلد العودة.
ويأتي الخلاف الداخلي الإسباني في وقت تطالب فيه الرباط بإعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة إلى المملكة، إذ جدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي خلال الأيام الماضية موقف المغرب الداعي إلى استعادة القاصرين المغاربة.
وفي المقابل، أكدت مدريد وبروكسل أن الإعادة تظل ممكنة من الناحية القانونية شريطة احترام الضمانات الفردية ومبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وهو ما يجعل ملف القاصرين واحدا من أكثر جوانب أزمة سبتة تعقيدا.
وسيشكل اجتماع الخميس أول اختبار سياسي مباشر لخطة الحكومة المركزية، خصوصا في ما يتعلق بمدى استعداد باقي الجهات الإسبانية لاستقبال قاصرين من سبتة، وحجم الموارد المالية التي ستخصص للعملية، وما إذا كانت الجهات الرافضة ستنتقل فعليا من التهديد إلى تسجيل طعون أمام القضاء.
وفي حال بدء هذا المسار القضائي، فقد تتحول قضية قاصري سبتة من ملف إنساني وإداري إلى واحد من أبرز النزاعات القانونية بين الحكومة المركزية وعدد من الحكومات الإقليمية خلال تدبير تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة.
المصدر:
العمق