في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
اتهم رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، عضواً في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة بممارسة أساليب وصفها بـ«الترهيب والترغيب» لاستقطاب مرشحين للانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر المقبل، في تصعيد جديد للتنافس بين الحزبين اللذين شكّلا قطبين رئيسيين في الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها.
وفي تسجيل صوتي مسرّب من اجتماع لحزب التجمع الوطني للأحرار، حصل عليه موقع «لكم»، وجّه الطالبي العلمي انتقادات إلى ما وصفه بممارسات استقطاب المنتخبين والتنقلات السياسية والسعي إلى ترتيب مواقع النفوذ، في إشارة، دون أن يذكر اسمه، إلى فوزي لقجع، الذي انضم حديثاً إلى حزب الأصالة والمعاصرة.
وشبّه الطالبي العلمي لقجع، في معرض حديثه، بشخصية «المهدي المنتظر»، في إشارة إلى ما اعتبره قدرة على «ترهيب» و«ترغيب» المترشحين بهدف استمالتهم للالتحاق بحزب «الأصالة والمعاصرة» وخوض الانتخابات باسمه.
وقال الطالبي العلمي إن هذه الممارسات تستدعي من قيادة التجمع الوطني للأحرار تحمل ما وصفها بـ«مسؤولية تاريخية»، واتخاذ موقف واضح مما اعتبره سلوكيات تتنافى مع قواعد العمل الحزبي وضوابطه.
وأضاف أن «العمل الحزبي المنظم بشكل جيد ينتج عملاً سياسياً ذا أهداف نبيلة، وحين تسود الفوضى في العمل الحزبي، فإنها تنتج بدورها فوضى في العمل السياسي».
«لا للتدخل في شؤون الحزب»
وقال الطالبي العلمي إن ما يشهده المشهد السياسي خلال الفترة الأخيرة، «بغض النظر عن القناعات أو عدمها، وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية وراء كل حالة تنقل سياسي»، يستدعي التوقف، مذكّراً بأن التجمع الوطني للأحرار مرّ بأزمات كبيرة منذ تأسيسه وتمكن، بحسب قوله، من تجاوزها بفضل اتخاذ مواقف واضحة.
وأعرب عن أسفه لما وصفه بـ«نوع من التهرب من مسؤولية اتخاذ القرار الذي ينبغي أن يصدر عن المكتب السياسي»، والذي قال إنه يفترض أن يفضي إلى إصدار بيان يدين سلوكات بعض الفاعلين السياسيين، الذين «سيدخلون خانة التاريخ بغض النظر عن النتائج التي تحققت لهم».
واستحضر في هذا السياق أسماء ارتبطت بتاريخ الحزب، من بينها أحمد عصمان ومصطفى عكاشة ومحمد بنطالب ومحمد أوجار ومحمد بنعيسى ونجيب الزروالي، قبل أن يعود إلى محطات سابقة قال إن الحزب واجه خلالها ما وصفه بـ«التدخل في شؤونه».
وأشار إلى سنة 1992، قائلاً إن ما وقع آنذاك ما يزال حاضراً في ذاكرة عدد من السياسيين. وأضاف: «وقلنا لا للتدخل في شؤون الحزب، وربحنا تلك المعركة، وكان من كلف ذلك ثمناً غالياً، سواء عبر الانتخابات أو عبر أمور أخرى وقعت آنذاك، وبفضل تلك المواقف بقي التجمع صامداً إلى اليوم».
لكنه قال إن «ضميرنا اليوم لم يعد يسمح لنا بأن نقبل ممارسات، هي وإن كانت قانونية وموجودة في الأنظمة الداخلية الخاصة بالحزب، تتنافى مع قواعد العمل الحزبي وضوابطه وطريقة اشتغاله، في إطار بناء نموذج ديمقراطي لهذا البلد».
الترحال السياسي في صلب الخلاف
وانتقل الطالبي العلمي إلى انتقاد ظاهرة الترحال السياسي، مستحضراً معطيات تعود إلى سنة 2007، حين قال إن إحصاءً أُجري داخل مجلس النواب أظهر وجود «167 حالة ترحال سياسي».
وأوضح أن هذا العدد دفع آنذاك إلى فتح نقاش حول سبل مواجهة الظاهرة، مشيراً إلى تجارب دولية تمنع الترحال السياسي داخل الأحزاب، قبل أن يقول إن الأمر أُدرج لاحقاً في القوانين ثم في الدستور والقوانين التنظيمية، بالتوازي مع خطابات ملكية شددت على إصلاح الحياة السياسية.
وتساءل: «فماذا نفعل نحن اليوم؟ نحن نتراجع عن كل ذلك، نحن نضعف أنفسنا حين نتراجع عنه».
وقال إن أي حزب سياسي لا يمكنه، من وجهة نظره، قبول هذه الممارسات، مضيفاً أن الجميع قد يقول إنه يريد «خدمة التجمع»، لكنه تساءل عمن يمكن أن يضر بالحزب «من أجل حسابات ضيقة تتعلق بالحصول على مقاعد».
الفصل 47 يتحول إلى «ميدالية ذهبية»
وانتقد القيادي في التجمع الوطني للأحرار ما اعتبره تحوّل السعي إلى مقتضيات الفصل 47 من الدستور إلى هدف قائم بذاته، قائلاً إن «الفصل 47 من الدستور، مع الأسف، أصبح وكأنه ميدالية ذهبية يتنافس عليها».
وشبّه هذا المنطق باستقطاب اللاعبين في كرة القدم، قائلاً: «وكأن الأمر أشبه بجلب لاعبين من باريس سان جيرمان أو غيره من الأندية، ثم جلب سياسيين من الخارج وربطهم بالعمل السياسي بمنطق كرة القدم، الفيفا، لا بمنطق العمل السياسي الحقيقي».
وقال إن المغرب قد يكون قادراً على إنتاج «نموذج ديمقراطي جديد في العالم»، في وقت تشهد فيه الديمقراطية، بحسب تقديره، تراجعات على المستوى الدولي.
وأضاف: «يمكن أن نكون نحن من يبدأ هذا المسار، لا أن ننتظر مخلصاً يهبط من السماء ليقدم لنا نموذجاً جاهزاً في العمل السياسي والحزبي».
وشدد على ضرورة التعبير عن هذه المواقف «بصراحة ودون خوف»، حتى لو كان ثمن ذلك سياسياً، وقال: «مسؤوليتنا أن نقول هذا الكلام بصراحة ودون خوف، ولو على حساب المقاعد، ولو على حساب المرتبة الأولى».
وأضاف أن الحزب لا ينبغي أن يجعل الحصول على المركز الأول في الانتخابات أو المناصب الحكومية هدفاً يبرر التخلي عن المبادئ التي يدافع عنها.
وقال: «لا بأس ألا نحصل على المرتبة الأولى، فنترك المرتبة الثانية لغيرنا دون أن نضع شروطاً أو نطلب حقيبة وزارية بعينها».
واستحضر في هذا السياق ما وقع، بحسب روايته، سنة 2019 مع رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، عندما قال إن وزير الشباب والرياضة آنذاك طلب أن يكون الاختيار «إما هو أو الطالبي»، مضيفاً: «فخرج الطالبي، وبقي العثماني رئيساً للحكومة».
«بالمواقف تأتي المناصب»
ومضى الطالبي العلمي إلى القول إن الحزب، إذا كان يقود التحالف الحكومي عبر رئاسة الحكومة، فلا داعي، في رأيه، إلى المطالبة في الوقت نفسه بحقيبة وزارية بعينها.
وقال: «فالتجمع، إذا كان يقود التحالف الحكومي عبر رئاسة الحكومة، لا داعي أن يطالب أيضاً بحقيبة وزارية بعينها؛ فإما أن تكون رئاسة الحكومة له، أو تكون الحقيبة الوزارية، لا الاثنان معاً».
واعتبر أن هذا النوع من السلوك السياسي «يرهب المواطنين»، مشيراً إلى أن فقدان الثقة يتعزز عندما يتم إطلاق الوعود ثم التراجع عنها.
وقال: «وهذا النوع من السلوك هو ما يرهب المواطنين، ويرهبهم كذلك حين يعطى وعد اليوم ثم ينقض غداً»، مضيفاً أن «بالمواقف تأتي المناصب، لا بالتخلي عنها»، وأن الدولة، في نهاية المطاف، «تقيّم الرجل والمرأة بما يقولانه ويلتزمان به من مواقف».
وحذر من أن الرأي العام يتابع هذه التحولات، قائلاً إن «الغضب الشعبي أو الرأي العام الساخط قد يتغير»، داعياً إلى وضع حد لما وصفه بهذه الممارسات بدل الاكتفاء بردود فعل سياسية وإعلامية شكلية.
وقال في ختام مداخلته: «لكن يجب أن نضع حداً لهذه الممارسات، وإلا فلن نرى إلا بيانات وخروجات إعلامية شكلية، بينما يتغير المشهد الحزبي والسياسي بشكل حقيقي بعيداً عن تلك التصريحات».
«الأخوة الأعداء» عشية الانتخابات
وتأتي تصريحات الطالبي العلمي في سياق توتر متصاعد بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بعدما كان الحزبان شريكين رئيسيين في الحكومة الحالية، قبل أن يتحولا مع اقتراب موعد الانتخابات إلى منافسين مباشرين على المرشحين والمقاعد والنفوذ الانتخابي.
ويبدو أن استقطاب المرشحين أصبح أحد أبرز ساحات التنافس بين الحزبين، في ظل سعي كل طرف إلى تعزيز حضوره الانتخابي استعداداً للاستحقاق التشريعي المقبل، ولا سيما أن انتقال منتخبين ووجوه سياسية بين الأحزاب يمكن أن يؤثر في موازين القوى داخل عدد من الدوائر الانتخابية.
ويطرح هذا الصراع في الوقت نفسه مفارقة سياسية، إذ سبق للتجمع الوطني للأحرار أن استفاد، خلال انتخابات شتنبر 2021، من انتقال واستقطاب عدد من الوجوه والمنتخبين من أحزاب أخرى، في سياق توسع انتخابي مكّنه من تصدر النتائج وتولي رئاسة الحكومة.
ومن ثم، تعيد الانتقادات الحالية لظاهرة استقطاب المرشحين فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين الترحال السياسي والاستقطاب الانتخابي، وحول ما إذا كانت هذه الممارسة تُقاس بالمعيار نفسه عندما يكون الحزب فاعلاً فيها أو مستهدفاً بها.
ومع اقتراب اقتراع 23 شتنبر، يبدو أن التنافس بين «الأحرار» و«البام» يتجه إلى مزيد من التصعيد، بعدما انتقلت المنافسة من تدبير الائتلاف الحكومي إلى مواجهة مفتوحة حول المرشحين والدوائر والنفوذ الانتخابي، في مشهد يحوّل قطبي الأغلبية المنتهية ولايتها من شريكين في الحكومة إلى ما يشبه «الأخوة الأعداء» عشية الاستحقاق التشريعي.
المصدر:
لكم