حذرت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية GI-TOC من تحول استغلال العمال في القطاع الزراعي الإيطالي إلى منظومة إجرامية عابرة للحدود، كاشفة أن شبكات الوساطة والاستقدام باتت تستهدف مرشحين للهجرة وهم لا يزالون في بلدانهم الأصلية، ومن بينها المغرب، عبر وعود بالحصول على فرص عمل قانونية في إيطاليا.
وجاء التحذير في تحليل حديث نشرته المبادرة يوم 17 غشت الجاري، تحت عنوان “الاستغلال صنع في إيطاليا: كيف ترسخت الجريمة المنظمة في القطاع الزراعي الإيطالي”، أعدته الباحثة جوليا داميكو، ويرصد امتداد ما يعرف في إيطاليا بنظام “الكابورالاتو” Caporalato من مجرد وساطة غير قانونية في تشغيل العمال الزراعيين إلى شبكات أكثر تعقيدا تتقاطع مع الاتجار بالبشر والاحتيال والهجرة غير النظامية.
ويذكر التحليل المغرب إلى جانب باكستان والهند وبنغلاديش ضمن بلدان المنشأ التي تتواصل فيها شبكات من الوسطاء مع أشخاص يرغبون في الهجرة إلى إيطاليا، وتعرض عليهم أحيانا فرصا مزعومة للعمل بصورة قانونية في إطار Decreto Flussi، وهو النظام الذي تحدد بموجبه روما سنويا حصص دخول العمال القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي.
وبحسب المصدر ذاته، يدفع عدد من المرشحين للهجرة آلاف اليوروهات للوسطاء للحصول على فرصة السفر والعمل، ليجدوا أنفسهم مثقلين بالديون حتى قبل وصولهم إلى الأراضي الأوروبية.
ويرى التحليل أن هذه الديون لا تبقى مجرد عبء مالي، بل يمكن أن تتحول إلى أداة للسيطرة على العامل، خصوصا إذا فشل في تسوية وضعيته القانونية أو وجد نفسه من دون المشغل الذي وُعد به، فيضطر إلى الاعتماد مجددا على الوسطاء أنفسهم الذين رتبوا رحلة دخوله إلى إيطاليا.
وتشير GI-TOC إلى أن الفجوة بين الطلب الحقيقي على اليد العاملة من جهة، ونظام الحصص السنوية والرقابة المحدودة على المشغلين الذين يتقدمون بطلبات استقدام العمال من جهة أخرى، توفر مساحة تستغلها شبكات الوساطة والجريمة لتحقيق أرباح من هشاشة المهاجرين.
وتوضح أن بعض هذه الشبكات لا تكتفي بترتيب الوصول إلى إيطاليا، بل تتحكم لاحقا في حصول العامل على العمل والنقل والسكن والوثائق، بما يخلق علاقة تبعية يصعب على المهاجر التخلص منها.
وتربط المبادرة هذه الممارسات بنظام “الكابورالاتو”، وهو نمط يعتمد على وسطاء غير قانونيين أو ما يعرف بـ“زعماء العمال”، يتولون توفير اليد العاملة لأصحاب المزارع وتنظيم تنقلها، مقابل اقتطاع جزء من أجور العمال أو فرض مبالغ مرتفعة عليهم مقابل الخدمات الأساسية.
وبحسب التحليل، قد يُجبر العمال على دفع أسعار مبالغ فيها مقابل نقلهم إلى حقول زراعية نائية أو مقابل السكن في تجمعات غير رسمية، فيما يصل الأمر في بعض الحالات إلى حرمانهم من الغذاء أو الماء، بل وحتى من فرصة العمل نفسها.
وفي حالات أخرى، يحصل العامل على عقد رسمي، إلا أن صاحب العمل لا يصرح سوى بجزء من الساعات الفعلية التي يشتغلها، بينما يدفع باقي الأجر خارج النظام الرسمي، وهو ما يحرم العمال من الاشتراكات الاجتماعية وحقوق التقاعد ومزايا أخرى يفترض أن تترتب عن عملهم القانوني.
ويذهب التحليل إلى أن سيطرة الوسطاء على السكن والتنقل، عندما تصبح وسيلة لمنع العامل عمليا من مغادرة الوضع الذي يوجد فيه، قد ترتقي إلى مستوى العمل القسري.
ومن أبرز الآليات التي يسلط التحليل الضوء عليها استغلال نظام “Click Day”، الذي تتلقى عبره السلطات الإيطالية إلكترونيا طلبات استقدام العمال من خارج الاتحاد الأوروبي ضمن الحصص القانونية للهجرة المهنية.
ووفق GI-TOC، فككت السلطات الإيطالية سنة 2024 شبكة إجرامية استغلت هذه الآلية من خلال تقديم آلاف الطلبات الاحتيالية للحصول على تصاريح عمل.
وكان بعض المهاجرين، بحسب المصدر، يدفعون ما يصل إلى 2000 يورو للحصول على مكان ضمن العملية، قبل أن يكتشفوا بعد ذلك أن الشركات التي يفترض أن تشغلهم إما اختفت أو لم تكن تعتزم توظيفهم من الأساس.
وتظهر تقارير أجهزة مكافحة المافيا الإيطالية بدورها أن شبكات احتيالية مرتبطة بـ“Click Day” أنشأت شركات خصيصا لهذا الغرض أو استعملت هويات رقمية لمقاولين لم يكونوا على علم بالطلبات، بينما كانت تُفرض على بعض الضحايا مبالغ إضافية مقابل تصاريح الدخول أو عقود عمل وهمية.
وتحذر المبادرة من أن الضحية، بعدما تكون قد أنفقت مدخراتها أو اقترضت مبالغ لتمويل الرحلة، تصبح أكثر عرضة للاستغلال إذا لم تتمكن من الحصول على الإقامة أو الوظيفة الموعودة، الأمر الذي يعيدها إلى الوسطاء والسماسرة أنفسهم الذين رتبوا وصولها.
ولا يحصر التحليل الظاهرة في المناطق الزراعية التقليدية بجنوب البلاد، إذ يشير إلى أن تحقيقات إيطالية رصدت شبكات مرتبطة بـ“الكابورالاتو” كذلك في لومبارديا وفينيتو وإميليا رومانيا وتوسكانا وبييمونتي.
كما تم رصد أنماط استغلال مشابهة خارج الزراعة، في قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والبناء والنسيج، ما دفع GI-TOC إلى اعتبار “الكابورالاتو” أقرب إلى نظام وطني للاستغلال وليس مجرد ممارسة محلية مرتبطة بمزارع الجنوب.
ويأتي ذلك في وقت خسر فيه القطاع الزراعي الإيطالي، وفق التحليل، ما يقارب 500 ألف مزرعة خلال العقد الأخير نتيجة اندماج الأنشطة والضغوط الاقتصادية وشيخوخة اليد العاملة، بينما ترسخ التشغيل غير النظامي داخل أجزاء من القطاع.
ويقول المصدر إن إيطاليا أقرت سنة 2016 قانونا خاصا يجرم الاستغلال العمالي والوساطة غير المشروعة، غير أن مشكلة التنفيذ لا تزال قائمة.
ويشير في هذا الصدد إلى أن غالبية الشركات التي فحصتها مفتشية العمل الوطنية الإيطالية سنة 2023 سجلت لديها مخالفات، في وقت لا يتجاوز فيه عدد مفتشي العمل حوالي 2000 مفتش مقابل قطاع يضم نحو 1.1 مليون مزرعة، وهو ما يكشف، بحسب التحليل، فجوة كبيرة بين التشريع والقدرة الفعلية على الرقابة.
ويضع التحليل استغلال العمال داخل منظومة أوسع يطلق عليها في إيطاليا اسم “الأغرومافيا” Agromafia، أي تغلغل الجريمة المنظمة داخل القطاع الزراعي والغذائي.
ولا تنحصر هذه المنظومة، بحسب GI-TOC، في تشغيل العمال في ظروف غير قانونية، بل تمتد إلى مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، وتشمل تزوير الأغذية، والتلاعب بالأسعار، والاستيلاء على الأراضي، واختلاس الأموال العامة والابتزاز.
وتقدر المبادرة قيمة الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بهذه المنظومة بنحو 25 مليار يورو سنويا. وهو رقم يتقاطع مع تقرير “الأغرومافيا” الإيطالي لسنة 2025، الذي قدر رقم معاملات الجريمة المنظمة في قطاع الأغذية والزراعة بنحو 25.2 مليار يورو، بعدما تضاعف تقريبا خلال ما يزيد قليلا عن عقد من الزمن، وهو ما كان موضوع مساءلة رسمية داخل البرلمان الأوروبي.
ويستهل تحليل GI-TOC عرضه للظاهرة بواقعة دموية شهدتها منطقة كالابريا مطلع يونيو الماضي، عندما قتل أربعة عمال زراعيين مهاجرين حرقا داخل سيارة في محطة وقود قرب بلدة أميندولارا.
وكان الضحايا ثلاثة أفغان ومواطنا باكستانيا، فيما أوقفت الشرطة الإيطالية شخصين باكستانيين على خلفية الجريمة. وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة، بحسب تقارير الشرطة ووسائل الإعلام، مهاجمين يصبان مادة قابلة للاشتعال داخل السيارة ويضرمون فيها النار، مع محاولة منع الموجودين داخلها من الفرار. وتمكن شخص خامس من النجاة بعد تحطيم نافذة والخروج من المركبة.
وتشير GI-TOC إلى أن الضحايا كانوا قد اشتكوا، وفق المعطيات المتاحة، من إجبارهم على العمل مقابل الطعام والسكن دون تلقي أجورهم، فيما ربط التحقيق الأولي الجريمة بنزاع حول أجور غير مدفوعة. وترى المبادرة أن الواقعة تمثل صورة متطرفة لنظام يقوم في جوهره على الإكراه والسيطرة على العمال.
ويستحضر التحليل كذلك قضية العامل الهندي ساتنام سينغ، التي هزت الرأي العام الإيطالي سنة 2024 وأثارت نقاشا واسعا حول ظروف العمال المهاجرين.
وكان سينغ يعمل في مزرعة بمنطقة لاتينا في إقليم لاتسيو عندما بُتر ذراعه جراء آلة زراعية، قبل أن يتركه مشغله أمام منزله دون الحصول على الرعاية الطبية الفورية المطلوبة، ليفارق الحياة بعد ذلك متأثرا بإصاباته.
وأثارت الواقعة آنذاك غضبا سياسيا ونقابيا واسعا في إيطاليا، فيما وصف وزير العمل الإيطالي طريقة التعامل معه بأنها “عمل بربري”.
ويستخدم تحليل GI-TOC هذه الوقائع للدلالة على أن استغلال اليد العاملة ليس سلسلة من الحالات المنفصلة، وإنما جزء من بيئة تسمح بتداخل العمالة غير المنظمة مع شبكات التهريب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة.
ولا تتوقف الظاهرة عند الحدود الإيطالية، إذ يشير التحليل إلى رصد شبكات مرتبطة بـ“الكابورالاتو” وعمليات الاستقدام والوساطة في دول أوروبية أخرى، من بينها النمسا وبلجيكا وألمانيا وسلوفاكيا وإسبانيا وهولندا.
ويستند المصدر إلى عملية أمنية مشتركة نفذتها منصة EMPACT الأوروبية سنة 2024 بمشاركة سلطات من 31 دولة.
وتؤكد بيانات “يوروبول” الرسمية أن العملية، التي نفذت بين 20 و27 أبريل 2024 واستهدفت الاتجار بالبشر بغرض الاستغلال في العمل، أسفرت عن تحديد 334 ضحية محتملة للاتجار بالبشر، من بينهم 279 ضحية محتملة للاستغلال العمالي.
كما حددت السلطات 160 شخصا مشتبها في تورطهم في الاتجار بالبشر، من بينهم 93 شخصا على صلة بالاستغلال في العمل، فيما جرى توقيف 51 شخصا وفتح 476 تحقيقا جديدا في جرائم مختلفة.
وشملت عمليات التفتيش قطاعات متعددة من بينها الزراعة والبناء والخدمات اللوجستية وتجهيز الأغذية والمطاعم والعمل المنزلي.
وتعتبر GI-TOC أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على تفتيش المزارع وأصحاب العمل بعد وصول العمال إلى إيطاليا، لأن جزءا من عملية الاستغلال يبدأ قبل مغادرة المهاجر بلده الأصلي.
وتدعو المبادرة إلى فرض تسجيل إلزامي لوسطاء استقدام اليد العاملة ومراقبتهم، واعتماد رسوم واضحة وشفافة، ومعاقبة المشغلين الذين يستقدمون العمال ثم يتخلون عنهم بعد وصولهم.
كما تطالب بأن تشمل عمليات التفتيش السكن والنقل وسجلات الأجور، وأن تتجاوز مراقبة المزرعة أو رب العمل المباشر إلى تتبع كامل الشبكات التي تستفيد ماليا من تشغيل العمال واستغلالهم.
وترى أن على الوحدات المتخصصة في التفتيش الزراعي العمل بصورة أكثر قربا مع أجهزة مكافحة الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة.
أما على المستوى الأوروبي، فتدعو المبادرة إلى التعامل مع “الأغرومافيا” باعتبارها تهديدا منظما وعابرا للحدود، عوض توزيع مكوناتها على ملفات منفصلة تشمل مخالفات العمل والاتجار بالبشر والاحتيال.
وتلفت إلى أن السمعة العالمية التي تتمتع بها علامة “صنع في إيطاليا” يمكن أن تحجب عن المستهلكين بعض أشكال الاستغلال التي تقع في المراحل السفلى من سلاسل إنتاج الأغذية.
وتخلص المبادرة إلى أن الاعتراف بأن استغلال العمال في أجزاء من القطاع الزراعي أصبح مكونا من مكونات الجريمة المنظمة، وليس مجرد مخالفة لقانون الشغل، يمثل خطوة أساسية لبناء استجابة أكثر فاعلية.
ويكتسي التحذير أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بعدما وضعه التحليل صراحة ضمن بلدان المنشأ التي تتحرك فيها شبكات الاستقدام، ما يعني أن مخاطر الاستغلال قد تبدأ منذ مرحلة البحث عن عقد عمل ودفع الأموال للوسطاء داخل بلد المنشأ، قبل أن يتحول وعد بالهجرة القانونية إلى ديون وتبعية قد تنتهي بالعامل داخل منظومة استغلال في إيطاليا.
المصدر:
العمق