آخر الأخبار

العدالة المجالية وإدماج الشباب.. يحياوي يدعو إلى جيل جديد من التنمية الترابية (حوار)

شارك

اعتبر مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، أن العدالة المجالية والتنمية الترابية المندمجة شكلتا مدخلا أساسيا لمعالجة هذه الإشكالية، وربط بينهما وبين ضرورة إعادة التفكير في طرق تنزيل السياسات العمومية ومردوديتها الاجتماعية.

وأوضح يحياوي في حوار مع جريدة “العمق” أن التفاوتات المجالية في المغرب ارتبطت بعوامل تاريخية وبنيوية أسهمت في تركيز فرص التنمية والثروة والكفاءات في مجالات محددة، مقابل استمرار ضعف الموارد والإمكانات في مجالات أخرى. وأكد أن تجاوز هذه الوضعية اقتضى إعادة النظر في منهجية توزيع موارد التنمية، بما يراعي الحاجيات المختلفة للمجالات ويقلص الفجوة بين المناطق الأكثر استفادة من فرص النمو وتلك التي ظلت تعاني من ضعف الإمكانات والاندماج في الديناميات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي ما يتعلق بالشباب، ربط أستاذ الجغرافيا السياسية نجاح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية بقدرته على الاستجابة لقضايا الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لهذه الفئة، معتبرا أن الآليات التقليدية لم تعد كافية لتحقيق الإنصاف وتيسير الولوج إلى الحقوق والفرص. ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز استهداف قضايا الشباب في التخطيط الترابي، وتجاوز المقاربات القطاعية، وتقوية التنسيق بين الحكومة والجماعات الترابية بما يجعل هذه الفئة في صلب السياسات التنموية المقبلة.

وشدد يحياوي على أن نجاح البرامج الجديدة لن يقاس بمجرد إطلاقها، وإنما بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين وتقليص الفوارق بين المجالات. واعتبر أن تحقيق ذلك يمر عبر اعتماد مقاربة تعاقدية متعددة السنوات، إلى جانب وضع آليات واضحة للتتبع والتقييم وقياس النتائج، بما يسمح بربط البرامج بالمعطيات الاقتصادية والاجتماعية وبمدى قدرتها الفعلية على تحسين شروط العيش وتعزيز الثقة في السياسات العمومية.

وفي ما يلي الحوار:

في ظل النقاش العمومب حول جدوى البرامج الانتخابية والحلول السياسية للأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المغرب، إلى أي حد تعكس البرامج التي تقدمها الأحزاب اليوم انتظارات المواطنين، خصوصا ما يتعلق بالعدالة المجالية والتنمية؟

أعتقد أن هناك مساران في احتواء تداعيات أزمة محدودية الأثر الاجتماعي للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي باشرها المغرب ما بعد اعتماد الوثيقة الدستورية لـ2011، وفي كلا المسارين تكون العدالة المجالية الورش الإصلاحي المركزي الذي بإمكانه أن يجعل من التراب الحقل الجغرافي الأقرب للمواطن والأنجع لاحتواء مختلف تداعيات أزمة المردودية الاجتماعية للبرامج والسياسات العمومية.

المسار الأول يتعلق بضبط المحتوى الذي يعنيه عمليا الربط السببي بين العدالة المجالية وإطلاق جيل جديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة.
أما المسار الثاني فيخص معالجة قضايا الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب في علاقتها مع المتاح تدبيريا على مستوى التقائية التدخلات القطاعية ببرامج الجماعات الترابية في إطار الجيل الجديد للتنمية الترابية المندمجة.

مصدر الصورة

تحدثتم عن العدالة المجالية باعتبارها رهانا أساسيا للجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة، لكن ما هي أبرز الاختلالات التي حالت حتى الآن دون تحقيق هذه العدالة، وما الذي ينبغي تغييره في طريقة توزيع الموارد وفرص التنمية بين المجالات؟

فيما يخص المسار الأول، فأعتقد أنه على المدبر السياسي أن يستوعب دلالة نحت مصطلح “العدالة المجالية” في الأدبيات الأكاديمية الأنكلوساكسونية قبل أن يعتمده شعارا سياسيا للجيل المرتقب اعتماده من برامج التنمية الترابية المندمجة ابتداء من 2027. لعل أهم رهان تدبيري في العدالة المجالية خاصة ما بعد أحداث لوس أنجلوس في عام 1992، كان إعادة النظر في منهجية توزيع موارد التنمية الترابية بالقياس إلى حاجات تقليص المسافة بين المجالات الأكثر غنى والأكثر امتلاكا للكفايات المؤسساتية والمهارات والموارد المنتجة للثروة، وبين المجالات الأضعف والأفقر حظا.

في الحالة المغربية، مثلت السياسة الترابية المتبعة في بداية الاستقلال السبب الأساسي في بروز ظاهرة التركز المجالي لفرص التنمية، حيث عوامل الجلب والطرد برزت انطلاقا من واقع جغرافي متفاوت بين مجالات أكثر تنظيما وأكثر غنى وأكثر سرعة من ناحية التغيير الاجتماعي وبين مجالات فقيرة في الموارد وفي التنظيم المؤسساتي الإداري والسياسي الحزبي.

نتيجة هذه الوضعية، أنه على المستوى التعميري، ستتمركز في نهاية العقد السادس من القرن العشرين أربعة أخماس من الساكنة الحضرية في خمس مدن كبرى يتجاوز عددها 100000 نسمة، بمعنى أن القوى الرافعة للتغيير الاجتماعي كانت ولا تزال (كما تؤكدها بيانات التمركز الجهوي للثروة الوطنية في تقارير المندوبية السامية للتخطيط خلال 25 سنة الأخيرة) غير متكافئة ومرتهنة بتوفر تكتلات بشرية مؤهلة لإنتاج عوائد التنمية الترابية والتي بدونها لا يمكن ضمان تغيير اجتماعي سريع مفيد من الناحية الاقتصادية.

فائدة هذا التأصيل التاريخي، أنه يؤكد أربعة محددات حاسمة في نجاح رهان الجيل الجديد لبرامج التنمية الترابية المندمجة:

أولا أن عوائق التنمية الترابية بنيوية لا يمكن معها بناء تصورات نسقية مؤسسة على مفهوم العدالة المجالية بدون إيجاد حلول ناجعة على مستوى تصحيح أعطاب التركز المجالي للموارد وللكفايات المؤسساتية والسياسية والاقتصادية.

ثانيا ارتباط نجاعة جيل التنمية الترابية المندمجة بقدرته التدبيرية على معالجة، بشكل جاد ومسؤول سياسيا وأخلاقيا، المتغير المجالي بوصفه بعدا للامساواة في التوزيع التاريخيّ لفرص الحياة الاجتماعية داخل مغرب “نافع” وآخر ” غير نافع”.

ثالثا تحيين الخلفية التعميرية التي تتأسس عليه استراتيجيات التنمية الترابية المندمجة يقتضي إعادة النظر في التصور الوظيفي الذي عادة ما اعتمدته منهجية إعداد التراب الوطني في التوزيع الجغرافي لفرص الحياة الاجتماعية داخل مغرب “نافع” وآخر ” غير نافع”.

ورابعا أن لا عدالة مجالية بالمغرب ممكنة بدون تقاسم منصف للفرص المتاحة على مستوى التنمية الترابية في علاقتها مع الأوراش الاستراتيجية الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالربط البحري وتحديث البنية التحتية المينائية وتوسيع شبكة السكك الحديدية وشبكة الطريق السيار وربط الأقطاب الاقتصادية والصناعية بسلاسل الإنتاج العالمية.

إذا كان الجيل الجديد من برامج التنمية مطالبا بتقليص الفوارق المجالية واستعادة ثقة المواطنين، وخاصة الشباب، فما هي الإجراءات العملية التي ترون أنها ضرورية لضمان فعالية هذه البرامج وقياس نتائجها؟

هذا السؤال يحيلنا للحديث عن المسار الثاني، وأعتقد أن تحصين الثقة في جدوى العيش معا لدى الشباب مرهون بتجويد العائد المجتمعي للسياسات العمومية والذي لا يمكن تحقيقه بدون اعتماد التمييز الإيجابي سبيلا للإدماج الاجتماعي والاقتصادي لشريحة عريضة من هذه الفئة العمرية التي عادة ما لا تكفي الآليات المعيارية في ضمان نجاعة التدخلات القطاعية وانسجامها مع ما يشترطه مبدأ تيسير الولوج للحقوق في علاقته بمبدإ الإنصاف.

في هذا السياق، أظن أن جدية كسب رهان العدالة المجالية في برامج التنمية الترابية المندمجة تمر عبر أربعة إجراءات متكاملة:

أولا تدارك نقص الاستهداف الموضوعي لقضايا الشباب في التخطيط الاستراتيجي المعتمد في ضبط مشاريع برامج التنمية الترابية المزمع البدء في تنفيذها في الميزانية السنوية لـ2027.

ثانيا تجاوز المنحى القطاعي “التنشيطي” الذي طبع تاريخ التعاطي الحكومي منذ بداية الاستقلال مع قضايا الشباب.

ثالثا إعمال مقاربة تعاقدية متعددة السنوات عبر أجندات جهوية موجهة للشباب يتم التعاقد بشأنها بين الحكومة والجماعات الترابية، وتضمينها في التقطيع المالي لاعتمادات ميزانية لبرامج التنمية الترابية المندمجة.

وأخيرا اعتماد نظام تتبع وتقييم لمساري البرمجة والتنفيذ للأجندات الجهوية تقاس فيه النتائج المحصلة مرحليا بالمقارنة مع إطار مرجعي شفاف ينطلق من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المستخلصة من الإحصاء العام للسكان والسكنى لـ2024 والبحث الوطني حول التشغيل الذي تنجزه سنويا المندوبية السامية للتخطيط.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا