آخر الأخبار

الفوسفاط المغربي.. حين تتحول الثروة إلى ورقة جيوسياسية

شارك

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

كشف محلل اقتصادي إسباني، خلال إحدى الحلقات الحوارية بإحدى القنوات، أن المغرب يمتلك ورقة اقتصادية تتجاوز قيمتها حدود التجارة والصناعة، في إشارة إلى الفوسفاط ودوره المتزايد في منظومة الأسمدة والأمن الغذائي العالمي. وذهب النقاش إلى حد اعتبار أن أي توقف واسع للإمدادات المغربية ستكون له انعكاسات قوية على أسواق الأسمدة والزراعة، في وقت تحاول فيه بعض الأصوات الإعلامية تقديم العلاقة بين الرباط ومدريد باعتبارها محكومة بمنطق الصدام وحروب الطاقة.

الأرقام الدولية تمنح هذا النقاش بعداً أكثر جدية، فبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يمتلك المغرب نحو 50 مليار طن من احتياطيات صخور الفوسفاط، أي ما يقارب 68 في المائة من الاحتياطيات العالمية، كما كان في 2024 ثاني أكبر منتج للفوسفاط الصخري عالمياً بعد الصين، بحصة تقدر بنحو 15 في المائة من الإنتاج العالمي.

ولا تتوقف أهمية الفوسفاط عند حجم الاحتياطي أو الإنتاج، فالفوسفور عنصر أساسي في تغذية النباتات، وتُستخدم معظم موارده في صناعة الأسمدة الفوسفاطية التي تدخل في الإنتاج الزراعي. وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن صخور الفوسفاط تمثل أهم مورد عالمي للفوسفور، فيما أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن الاستخدام الزراعي العالمي للأسمدة غير العضوية ارتفع من 142 مليون طن سنة 2002 إلى 190 مليون طن سنة 2023، بينما بلغ استخدام الأسمدة الفوسفاطية، محسوباً في شكل P₂O₅، نحو 41 مليون طن في 2023.

وتكشف دراسة منشورة سنة 2025 حول تدفقات الفوسفور في 53 دولة إفريقية عن جانب أكثر حساسية؛ إذ قدرت أن إفريقيا استخرجت نحو 125 مليون طن من الفوسفور من الصخور الفوسفاطية بين 2000 و2020، وكان المغرب مسؤولاً عن 64 في المائة من هذه الكمية.

وتؤكد الدراسة أن الفوسفور يمثل عنصراً حاسماً للإنتاج الغذائي والنمو السكاني، خصوصاً في المناطق التي تعاني من تحديات مرتبطة بالأمن الغذائي.

هذه المعطيات تجعل الفوسفاط المغربي أكثر من مجرد مادة معدنية قابلة للتصدير. فامتلاك الجزء الأكبر من الاحتياطيات العالمية يمنح المغرب موقعاً متقدما في سلسلة ترتبط مباشرة بالزراعة، فيما يرفع تطور صناعة الأسمدة والمنتجات الفوسفاطية من القيمة الاقتصادية لهذه الثروة. وفي المقابل، فإن الحديث عن أن توقف المغرب وحده سيؤدي حتما إلى “موت العالم جوعا” يبقى مبالغة إذا أُخذ حرفياً، لأن هناك منتجين آخرين ومشاريع جديدة قيد التطوير، لكن أي اضطراب كبير وطويل الأمد في الإمدادات المغربية يمكن أن يضغط على الأسعار وسلاسل توريد الأسمدة.

واللافت أن الولايات المتحدة نفسها أضافت صخور الفوسفاط إلى قائمة المعادن الحرجة لعام 2025، في مؤشر على انتقال هذا المورد من خانة المواد الأولية التقليدية إلى الموارد التي تكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة للاقتصاد والأمن الغذائي. كما تتوقع بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ارتفاع الطاقة الإنتاجية العالمية للفوسفاط، من حيث محتوى P₂O₅، من 65 مليون طن في 2024 إلى 70.6 مليون طن بحلول 2028، مع استمرار توسعات إنتاجية في المغرب ودول أخرى.

ومن هنا، فإن إدخال الفوسفاط في الخطاب السياسي المتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية يكشف حجم التحول الذي عرفه الاقتصاد المغربي. فالقوة لم تعد تقاس فقط بحجم ما يتم تصديره، وإنما بمدى قدرة الدولة على التحكم في موارد استراتيجية، وتحويلها إلى صناعة وقيمة مضافة وشراكات دولية.

وبين من يحاول اختزال العلاقة بين الرباط ومدريد في ملفات الهجرة والطاقة وسبتة ومليلية، ومن يقرأ التحولات الاقتصادية بعيدا عن المزايدات السياسية، تبدو صورة أخرى للمغرب، دولة تتوفر على احتياطي فوسفاطي هائل، وصناعة أسمدة متطورة، وموقع متقدم في سوق يرتبط مباشرة بإنتاج الغذاء.

لذلك، فإن الرسالة الأهم التي تحملها الأرقام ليست أن المغرب يستطيع «تجويع العالم»، وإنما أن الفوسفاط أصبح إحدى أوراق القوة الاقتصادية والجيوسياسية للمملكة. وكلما ارتفع الطلب العالمي على الأسمدة، وتزايدت المخاوف بشأن الأمن الغذائي، ارتفعت في المقابل القيمة الاستراتيجية للثروة التي توجد تحت الأرض المغربية.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا