رفعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان سقف مطالبها بشأن تدبير أزمة العبور الجماعي إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، داعية إلى اعتماد مقاربة حقوقية وإنسانية تتجاوز الحلول الأمنية الظرفية، وتضع حماية الحق في الحياة والكرامة الإنسانية وسلامة الأشخاص في صلب أي تدخل مرتبط بالهجرة والحدود.
وأكدت المنظمة، في تقريرها الحقوقي حول أحداث العبور الجماعي التي شهدتها المدينتان يومي 30 و31 يوليوز 2026، أن معالجة الأزمة يجب أن تستند إلى مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها احترام الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وعدم تعريض الأشخاص في وضعية هجرة أو عبور للمعاملة اللاإنسانية أو المهينة أو التمييز، إلى جانب ضمان الحق في الحماية القانونية والولوج إلى العدالة والإنصاف الفعال.
وشددت المنظمة على أن أي تعامل مع القاصرين، ولا سيما الأطفال غير المرفقين، يجب أن يجعل من **”المصلحة الفضلى للطفل”** المرجع الأساسي في مختلف القرارات والإجراءات الإدارية والقضائية المتعلقة بهم، مع ضمان حقهم في الرعاية والحماية والاستماع والطعن في القرارات التي تمس وضعيتهم.
كما أكدت ضرورة احترام مبدأ العودة الطوعية والإرادية والفردية للأشخاص في وضعية هجرة أو عبور، معتبرة أن القانون الدولي يحظر عمليات العودة الجماعية والقسرية.
حماية الحق في الحياة أولوية
وفي صلب توصياتها، وضعت المنظمة حماية الحق في الحياة وسلامة الأشخاص على رأس أولوياتها، داعية إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمنع فقدان الأرواح أثناء عمليات العبور أو خلال التدخلات الميدانية.
وطالبت بالتزام صارم بمبدئي الضرورة والتناسب عند استعمال القوة، إلى جانب إحداث وتطوير آليات فعالة للإنقاذ والإغاثة والاستجابة الإنسانية العاجلة، بما في ذلك تحديث وتنويع نقاط التدخل الإنساني بالقرب من مراكز العبور.
وترى المنظمة أن حماية الأرواح لا ينبغي أن تقتصر على التدخل بعد وقوع الكارثة، وإنما يتعين أن تقوم على الوقاية والاستعداد والاستجابة السريعة، خصوصا في ظل مخاطر الغرق والإصابات التي ترافق محاولات العبور الجماعي.
الأطفال والقاصرون في واجهة المطالب
وأفرد التقرير حيزا خاصا لحماية الأطفال والقاصرين والقاصرين غير المرفقين، داعيا إلى توفير حماية عاجلة لهذه الفئة وضمان تمتعها بالرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي.
كما طالبت المنظمة بتمكين القاصرين من المساعدة القانونية، وحمايتهم من مختلف أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر المحتملة، مع احترام الإجراءات التي تضمن تطبيق مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.
وتشمل هذه الضمانات، وفق التقرير، الاستماع إلى الطفل القاصر، وتمكينه من الطعن في أي قرار يتعلق به، وضمان الرعاية الاجتماعية والنفسية اللازمة، إلى جانب اعتماد برامج لإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي تراعي مصلحته الفضلى.
تحقيقات مستقلة
وفي الجانب المرتبط بالمساءلة، دعت المنظمة إلى فتح تحقيقات مستقلة في جميع حالات الوفاة والإصابة والادعاءات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، سواء في الجانب المغربي أو في الجزء الخاضع للإدارة الترابية الإسبانية بسبتة ومليلية.
وطالبت بالكشف عن نتائج هذه التحقيقات للرأي العام، وضمان حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والإنصاف، فضلاً عن جبر الضرر وفق المعايير القانونية والحقوقية المعمول بها.
كما دعت إلى احترام جميع الضمانات القانونية والإجرائية المرتبطة بقرارات الإرجاع أو الإعادة، وتمكين الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية من الولوج إلى الآليات الحمائية ذات الصلة، مع توفير المساعدة القانونية والترجمة والمواكبة الحقوقية عند الاقتضاء.
تفكيك شبكات الاتجار بالبشر
وفي مواجهة استغلال هشاشة المهاجرين، دعت المنظمة السلطات المغربية والإسبانية إلى تكثيف الجهود لتفكيك الشبكات الإجرامية التي قد تستغل الأشخاص في وضعية عبور، وملاحقة المتورطين في عمليات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
كما أوصت باعتماد برامج وقائية وتوعوية وإعلامية تشرح مخاطر العبور غير الآمن والهجرة غير النظامية، خصوصاً في صفوف الشباب والقاصرين.
التضليل الرقمي.. عامل جديد في أزمة الهجرة
ووقفت المنظمة عند الدور الذي لعبه الفضاء الرقمي في تغذية عمليات العبور الجماعي، معتبرة أن جزءاً من الأزمة الحالية، خصوصاً وسط القاصرين والشباب، يرتبط بطريقة تداول المعلومات، بما فيها المعلومات المضللة والمحتويات الرقمية التي غذت فكرة العبور.
ودعت في هذا السياق إلى إطلاق حملات توعوية تستند إلى معلومات حقيقية وواضحة، وتعزيز التربية الرقمية لدى الشباب، مع إشراك المجتمع المدني والمؤسسات الرقمية ووسائل الإعلام الوطنية في جهود الوقاية والتوعية.
معالجة جذور الهجرة
وبالنسبة للمنظمة، فإن المعالجة المستدامة لأزمة الهجرة لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على الإجراءات الأمنية، إذ ترى أن هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تمثل أحد العوامل التي تغذي الظاهرة.
ودعت لذلك إلى مكافحة الهدر المدرسي وضمان الحق في التعليم الجيد، وتعزيز فرص التشغيل أمام الشباب، وتسريع اعتماد سياسات عمومية تعزز العدالة الاجتماعية والمجالية.
كما طالبت باعتماد سياسات اقتصادية موجهة للفئات الأكثر هشاشة، ووضع برامج تنموية استعجالية حقيقية لفائدة النساء والشباب، خصوصاً في مدينتي الفنيدق والناظور.
وشددت على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية تتعامل مع العبور الخطير وغير الآمن من مختلف أبعاده الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية، بدل التعامل معه باعتباره قضية أمنية محضة.
توصيات عاجلة
وفي ما يتعلق بالوضع داخل سبتة المحتلة، قدمت المنظمة سلسلة من التوصيات استنادا إلى عمليات الرصد الميداني والوقائع والشهادات التي قالت إنها جمعتها ووثقتها.
وطالبت بالتدخل العاجل لضمان الحق في الغذاء والماء والإيواء وتوفير مختلف الاحتياجات الأساسية للمتواجدين بالمدينة، مع إيلاء عناية خاصة للنساء والفتيات.
كما دعت إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل إلى الرعاية الصحية والنفسية والخدمات الطبية، واتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والأطفال والقاصرين من الإيذاء والاستغلال والاتجار بالبشر المحتمل.
وطالبت كذلك بفتح تحقيق قضائي نزيه ومستقل بشأن الادعاءات المتعلقة بأعمال العنف والاعتداءات الجنسية وغير الجنسية، ولا سيما الحالات الموثقة، إضافة إلى التحقيق في الشهادات التي تحدثت عن إغلاق محلات تجارية بشكل منسق بهدف حرمان الوافدين من المواد الغذائية.
وفي السياق ذاته، دعت المنظمة إلى وقف الحملات الدعائية والخطاب العنصري الذي يغذي التمييز ضد المهاجرين والأشخاص الذين عبروا إلى سبتة ومليلية، مطالبة الجهات التي تدبر الوضع الإداري في سبتة بتقديم دعم عاجل للجمعيات والفعاليات المدنية المحلية التي تقدم المساعدات الإنسانية، خصوصاً في مجالي الإيواء والتغذية.
كما شددت على ضرورة فتح مراكز إيواء كافية لاستقبال الأطفال والقاصرين، خصوصا غير المرفقين منهم، والنساء، بما يحفظ كرامتهم الإنسانية.
جثامين الضحايا
ومن بين المطالب ذات الطابع الإنساني، دعت المنظمة إلى تسريع التنسيق المغربي الإسباني من أجل تسليم جثامين الضحايا المغاربة الموجودين في سبتة المحتلة، والتعجيل بالتعرف على هوياتهم، حتى تتمكن الأسر من معرفة مصير أبنائها ودفنهم بما يحفظ كرامتهم.
وترى المنظمة أن هذا الملف لا يحتمل التأخير، بالنظر إلى المعاناة النفسية التي تعيشها الأسر التي لا تزال تجهل مصير ذويها.
الهجرة اختبار حقيقي
وخلصت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى أن أزمة العبور إلى سبتة ومليلية تشكل اختبارا حقيقيا للدول في مدى احترامها لمبادئ حقوق الإنسان أثناء تدبير قضايا الهجرة.
وأكدت أن أي معالجة فعالة ومستدامة ينبغي أن تجعل الكرامة الإنسانية، وصون الحق في الحياة، وحماية حقوق الأطفال والنساء والشباب، وضمان الولوج إلى العدالة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، مرتكزات أساسية في السياسات العمومية ذات الصلة بالهجرة.
كما شددت على أهمية تعزيز التعاون المغربي الإسباني ومعالجة مختلف القضايا العالقة المرتبطة بالهجرة والعبور، إلى جانب معالجة الأسباب التي تغذي الظاهرة.
وأكدت المنظمة أن احترام حقوق الإنسان لا ينبغي أن يكون رهينا بالظروف العادية، بل يجب أن يتعزز خصوصا في أوقات الأزمات، باعتباره مدخلا أساسيا لترسيخ الثقة في منظومة حقوق الإنسان.
وفي قراءة أوسع للظاهرة، اعتبرت المنظمة أن الهجرة ظاهرة تاريخية رافقت البشرية على امتداد تاريخها، وأن الحد منها لا يمكن أن يتحقق عبر مقاربات أمنية ضيقة أو إجراءات عقابية، وإنما من خلال سياسات تجعل الهجرة جزءاً من سياسات التنمية والعلاقات بين الشمال والجنوب.
وختمت المنظمة بالتأكيد على أن الاستثمار في الطفولة والشباب، وتعزيز حقوقهما ووعيهما، ورفع قدراتهما الدراسية والثقافية والاجتماعية والرقمية، يمثل أحد أهم المداخل لتحصينهما من الاستغلال ومن الدعوات التي قد تستغل هشاشتهما لدفعهما نحو عمليات عبور غير آمنة ومحفوفة بالمخاطر.
المصدر:
العمق