تكشف أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط، الواردة ضمن نتائج البحث الوطني حول التشغيل 2026 (EMO2026)، بالتوازي مع خلاصات منظمة العمل الدولية بشأن اتجاهات تشغيل الشباب، عن استمرار الضغوط التي يواجهها سوق الشغل المغربي، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الشابة وخريجي التعليم العالي.
وبلغ معدل البطالة الوطني حتى نهاية يونيو 2026 نحو 9.5 بالمئة، لكنه ارتفع إلى 27.2 بالمئة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى 14.5 بالمئة لدى الفئة العمرية بين 25 و34 سنة.
وتظهر صورة أوسع لسوق الشغل عند اعتماد مؤشر الاستغلال الناقص لليد العاملة، الذي لا يقتصر على البطالة، بل يشمل أيضا التشغيل الناقص واليد العاملة المحتملة. وبلغ هذا المؤشر 41.7 بالمئة لدى الشباب، ما يعكس اتساع نطاق الصعوبات التي تواجه الراغبين في العمل، سواء بسبب غياب الوظيفة أو محدودية فرص التشغيل المتاحة.
أكثر من 700 ألف شخص ضمن اليد العاملة المحتملة
وتشير المعطيات الجديدة إلى وجود نحو 711 ألف شخص ضمن فئة اليد العاملة المحتملة، وهي فئة تضم أشخاصا مرتبطين بسوق الشغل أو متاحين للعمل، لكنهم لا يستوفون في الوقت نفسه جميع الشروط الإحصائية اللازمة لاحتسابهم ضمن العاطلين.
وتسمح هذه المقاربة بإظهار جزء من الفئات التي لا تعكسها معدلات البطالة التقليدية بالكامل، بما فيها أشخاص يرغبون في العمل ومستعدون للالتحاق بوظيفة، لكنهم لا يبحثون عنها وفق الشروط المحددة في التعريف الإحصائي للبطالة.
كما بلغ عدد الأشخاص في حالة تشغيل ناقص نحو 527 ألف شخص، ما يشير إلى أن تحديات سوق الشغل لا تقتصر على غياب الوظيفة، بل تشمل أيضا أوضاعا مهنية لا توفر حجم العمل أو مستوى الاستفادة من المهارات والقدرات التي يطمح إليها العاملون.
ويعتمد البحث الجديد للمندوبية السامية للتخطيط تعاريف ومعايير منسجمة مع القرارات الحديثة للمؤتمرات الدولية لإحصائيي العمل، بما يوفر مؤشرات أوسع لقياس مختلف أشكال عدم الاستفادة الكاملة من فرص التشغيل.
نمو اقتصادي لا يكفي لاستيعاب الوافدين الجدد
وتتقاطع هذه المؤشرات مع خلاصات منظمة العمل الدولية بشأن تطور سوق الشغل في شمال إفريقيا، حيث أصبح الفارق بين نمو التشغيل ونمو السكان الشباب سالبا منذ عام 2024، مسجلا ناقص 0.6 نقطة.
ويعكس هذا المؤشر فجوة متزايدة بين عدد الشباب الذين يدخلون سن العمل وقدرة الاقتصادات على توفير وظائف جديدة بالوتيرة نفسها. وتستمر هذه الفجوة رغم توقعات بتحقيق المنطقة معدلات نمو اقتصادي تتراوح بين 4.1 و4.3 بالمئة.
ويشير ذلك إلى أن ارتفاع الناتج الداخلي الخام لا يضمن، بمفرده، تحسنا موازيا في قدرة الاقتصاد على استيعاب الشباب، خصوصا في القطاعات التي شكلت تقليديا منافذ للوافدين الجدد إلى سوق العمل، مثل الصناعة والبناء والخدمات وبعض المهن التقنية والإدارية.
الذكاء الاصطناعي يفتح تحديا جديدا
وتضيف التحولات التكنولوجية، ولا سيما انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، بعدا جديدا إلى النقاش حول مستقبل تشغيل الشباب في المنطقة.
وتقدر منظمة العمل الدولية أن نحو 4 بالمئة من الوظائف التي يشغلها الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة في شمال إفريقيا معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يعادل نحو 772 ألف وظيفة، وفقا لمنهجية تعتمد على طبيعة المهام التي تؤدى داخل الوظائف.
وفي سيناريو افتراضي يفترض اختفاء 10 بالمئة من هذه الوظائف ذات التعرض المرتفع، قد يواجه نحو 77 ألف شخص الحاجة إلى الانتقال نحو وظائف أخرى أو إعادة التأهيل أو البطالة.
ولا تعتبر المنظمة هذا السيناريو حتميا، إذ ما زال ضعف البنية التكنولوجية والرقمية في المنطقة يحد من الاستبدال الفعلي للمهام البشرية بالأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التأخر التكنولوجي يحمل في المقابل كلفة اقتصادية، من خلال الحد من مكاسب الإنتاجية والتنافسية التي يمكن أن توفرها التكنولوجيا.
وقد يتمثل التحدي على المدى القريب، بدلا من فقدان واسع للوظائف، في تقلص بعض فرص الولوج الأولى إلى سوق العمل، خصوصا في مراكز الاتصال والخدمات الإدارية وبعض الوظائف الرقمية الأساسية.
خريجو التعليم العالي أمام تحدي ملاءمة المهارات
ولا تبدو الشهادات الجامعية بمنأى عن صعوبات سوق الشغل، إذ بلغ معدل البطالة بين حاملي شهادات التعليم العالي 16.7 بالمئة.
وتشير هذه النسبة إلى استمرار الفجوة بين مخرجات منظومة التعليم والطلب الفعلي على المهارات، من دون أن يعني ذلك أن التعليم العالي فقد قيمته في سوق العمل. فالتحول الذي يشهده الاقتصاد يرفع، في المقابل، الطلب على مهارات تتجاوز الحصول على الشهادة، وتشمل التواصل والعمل الجماعي والقدرة على التكيف واستخدام الأدوات الرقمية وحل المشكلات والتعلم المستمر.
وتضع هذه المؤشرات مسألة تشغيل الشباب في صلب تحديات السياسة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، في وقت لم يعد فيه قياس البطالة وحده كافيا لرصد واقع سوق الشغل، مع اتساع الفئات التي تواجه أشكالا مختلفة من ضعف الاندماج المهني.
المصدر:
لكم