هشام اعناجي- كود الرباط//
في مدريد، كاين لي باقي مزال مفهمش ولم يستوعب بعد أن المغرب الذي تتعامل معه أوربا اليوم ليس هو المغرب الذي عرفته قبل عقدين.
قد تختلف إسبانيا مع الرباط حول التاريخ، وقد تصر على أن سبتة ومليلية إسبانيتان، وقد تفضل تجاهل التاريخ المعقد للمدينتين، لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها وهي أن المغرب تغير، وموازين القوة تغيرت معه.
إذا كانت إسبانيا تجهل تاريخ سبتة ومليلية، فإن الحاضر كفيل بتذكيرها به.
فالمغرب اليوم ليس دولة معزولة تنتظر اعتراف الآخرين بقوتها.
فالمغرب بنى خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الشراكات، من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، ومن الخليج إلى إفريقيا وأوروبا، وطور قدراته العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وأصبح أكثر حضورا في ملفات المتوسط والأطلسي وإفريقيا.
في ملف الهجرة تحديدا، تبدو المفارقة الإسبانية أكثر وضوحا، تريد مدريد من المغرب أن يشدد الرقابة على حدوده، وأن يمنع المهاجرين من الوصول إلى سبتة ومليلية، وأن يساهم في حماية الحدود الأوروبية. وفي الوقت نفسه، تعتمد إسبانيا سياسات مختلفة تجاه المهاجرين الموجودين على أراضيها، بما في ذلك تسوية أوضاع بعضهم وإدماجهم.
المشكلة تبدأ عندما تريد مدريد أن يتحمل المغرب كلفة تلك السياسة المنفتحة تجاه الهجرة.
اسبانيا وقضاؤها يريدون الظهور بمظهر الانساني الحقوقي ويتركون للمغرب العمل الشاق المتعلق بمنع الهجرة! .
إذا أرادت إسبانيا حماية حدودها، فعليها أن تحرسها. وإذا أرادت أوروبا سياسة هجرة أكثر انفتاحا، فهذا خيارها. أما أن تطلب من المغرب تحمل عبء منع المهاجرين فهذا تناقض.
والأغرب أن المغرب يجد نفسه أحيانا في صورة “الشرطي السيئ”: الدولة التي تمنع الأفارقة من الوصول إلى أوروبا، بينما تظهر أوروبا في صورة الملاذ الذي يستقبلهم ويمنح بعضهم وضعا قانونيا.
لكن الحقيقة أبسط. المغرب يحمي حدوده، وأوروبا تدير حدودها وفق مصالحها. ولا ينبغي أن يُطلب من طرف أن يكون حارساً للطرف الآخر.
وتصر إسبانيا على أن المدينتين إسبانيتان، وترفض التعامل مع السيادة عليهما باعتبارها موضوعا قابلا للنقاش. وفي المقابل، تعتبر الرباط أن استمرار الوجود الإسباني فيهما احتلال.
حتى لو أراد البعض اختزال النقاش في سؤال تاريخي حول من حكم المدينتين ومتى، فإن الواقعية السياسية تفرض سؤالا آخر: هل يمكن لدولة مغربية قوية ومستقلة أن تعتبر وجود جيبين أوروبيين على ساحلها أمرا طبيعيا إلى الأبد؟
المغرب لا يحتاج إلى مغامرة عسكرية للإجابة عن هذا السؤال.
الدول تغير الوقائع عبر الزمن بالدبلوماسية، والاقتصاد، والتحالفات، وتراكم القوة.
ولهذا، فإن من حق المغرب أن يحتفظ بهدف استراتيجي واضح وهو إنهاء الوضع الاستثنائي لسبتة ومليلية واسترجاع السيادة عليهما عبر الوسائل السياسية والسلمية.
قد لا يحدث ذلك غدا. وربما يحتاج إلى سنوات طويلة. لكن وجود هدف استراتيجي لا يعني بالضرورة البحث عن مواجهة.
وهنا تكمن أهمية التحالفات التي ينتقدها بعض الواهمين من اتباع اليسار العروبي والاسلاموية في المغرب.
اليسار العروبي والإسلاميون الذين يطالبون المغرب أحياناً بالتخلي عن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل باسم “المصلحة العربية” مطالبون بالإجابة عن سؤال بسيط: أين كان التضامن العربي عندما احتاج المغرب إلى دعم فعلي لمصالحه الاستراتيجية في قضية سبتة؟.
عندما يتعلق الأمر بفلسطين، نسمع كثيرا عن الأمة العربية والمصير المشترك.
أما عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، فالصمت أكثر وضوحا. الجزائر التي تتغنى بمقاومة الاستعمار تدعو المغرب لاحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار والاعتراف بسيادة اسبانيا على الثغرين والجزر!
لا يمكن لدولة أن تبني أمنها القومي على تضامن افتراضي عروبي.
لذلك، فإن العلاقة مع واشنطن أو إسرائيل لا ينبغي أن تقاس بالشعارات، وإنما بما تمنحه للمغرب من قدرة على حماية مصالحه. وهذا لا يعني أن المغرب يجب أن يتبنى مواقف حلفائه بالكامل، أو أن يتحول إلى تابع لهم.
قيمة التحالف هي أنه يزيد هامش استقلال الدولة، لا أن يلغي استقلالها.
المغرب يستطيع دعم الفلسطينيين، والدفاع عن حل الدولتين، وانتقاد إسرائيل عندما يختلف معها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على شراكته مع واشنطن وتل أبيب.
هذه هي السياسة الخارجية التي تقتضي الواقعية قبل الأيديولوجيا.
ربما حان الوقت لكي يعيد جزء من النقاش السياسي المغربي تعريف مفهوم “المصلحة الوطنية”.
المغرب ليس فرعا من مشروع قومي عربي، وليس دولة أيديولوجية عابرة للحدود، وليس طرفا في صراع ديني عالمي.
المغرب دولة لها حدود ومصالح وأمن واقتصاد وخصوم وشركاء.
وموقعه الجغرافي يفرض عليه الواقعية. الجزائر شرقا اسبانيا شمالا والساحل جنوبا، والمحيط الأطلسي غربا. في مثل هذا الموقع، لا تستطيع الدولة أن تختار تحالفاتها وفق معيار “الفومية لعربية”
قد تتحدث إسبانيا بلغة عدائية وشبه حربية عن سبتة ومليلية، وقد ترفض فتح ملف السيادة عليهما.
لكن عليها أن تدرك أن المغرب الحالي ليس مغرب الأمس.
وإذا كانت مدريد تريد علاقة مستقرة مع الرباط، فإن الطريق ليس عبر الضغط أو التناقضات أو مطالبة المغرب بأن يكون حارساً دائما للحدود الأوروبية.
الطريق هو الاعتراف بأن المغرب أصبح قوة إقليمية لها مصالحها وحساباتها، وأن الشراكة معه لا يمكن أن تقوم إلا على الندية والاحترام المتبادل.
الرسالة التي على مدريد استيعابها هذا الصيف هي: دبروا حدودكم، وأديروا سياسات الهجرة الخاصة بكم، وتحملوا نتائجها.
أما المغرب، فسيدافع عن حدوده ومصالحه وسيادته.
وإذا كانت إسبانيا قد نسيت شيئا من تاريخ سبتة ومليلية، فإن المغرب لا يحتاج إلى محاضرة تاريخية كي يذكرها به.
يكفي أن تنظر إلى المغرب الذي يقف أمامها اليوم.
إنه مغرب مختلف، أقوى، وأكثر ارتباطا بالعالم، وأكثر قدرة على اختيار حلفائه.
المصدر:
كود