آخر الأخبار

مشاهدات من أديس أبابا .. تشومبي يحوّل رحلة عابرة إلى صداقة إنسانية

شارك

الحلقة الرابعة

منذ سنوات طويلة، وأنا أتعامل مع سائقي سيارات الأجرة بشيء من الحذر. ربما لأنني، مثل كثيرين، راكمتُ قصصا جعلتني أتوجس منهم. وكنا، أيام الدراسة الجامعية، نردد، على سبيل الدعابة، تلك العبارة الساخرة التي تتهم سائقي “التاكسي” بأنهم لا يتركون فرصة إلا واستغلوها لرفع الأجرة، خاصة في مواسم الأعياد والعطل، حين يكون الناس في شوق إلى العودة إلى أسرهم.

ولم تكن تلك الصورة وليدة المغرب وحده. ففي أكثر من مدينة زرتها، اكتشفتُ أن استغلال الزائرين يكاد يكون لغة عالمية. أتذكر أنني، في موسكو، ركبتُ سيارة أجرة لأصل إلى الساحة الحمراء، على الرغم من أن تطبيق الخرائط كان يخبرني بأن المسافة لا تتجاوز عشرين دقيقة سيرا على الأقدام. قلتُ في نفسي إنني سأربح الوقت؛ لكن الذي ربح في النهاية كان السائق. فقد احتسب الأجرة بالدقيقة، ومع الازدحام الذي عرفته الشوارع، وجدتُ نفسي أدفع نحو أربعة آلاف روبل مقابل رحلة قصيرة كان يمكن أن أقطعها بقدميَّ.

لهذا السبب، كنتُ مترددا في استعمال سيارات الأجرة في أديس أبابا، ولا ألجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى؛ لكن المدينة كانت تخبئ لي لقاء سيجعلني أراجع واحدة من أكثر القناعات رسوخا في ذهني.

في صباح اليوم الموالي، خرجتُ من فندق إليلي، وتمشيتُ نحو صف من سيارات الأجرة التي كانت تنتظر الزبائن قرب الفندق. اخترتُ واحدة منها، وتقدمتُ نحو السائق، ثم قلتُ له بالإنجليزية إنني أريد الذهاب إلى مقر اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة.

كان الرجل في أواسط العمر، أسمر البشرة، وعلى وجهه ملامح هادئة توحي بالاطمئنان. نزل من سيارته، فظننتُ أنه يتجه ليفتح لي الباب؛ لكنه ابتسم وقال:

“Welcome, brother.”وجهتك ليست هنا. إنها خلف هذه البناية مباشرة. يمكنك الوصول إليها مشيا في دقيقتين. انظر… الباب هناك.

وأشار بيده إلى المبنى القريب.

وقفتُ لحظة أحدق فيه، غير مصدق ما سمعتُ.

كان يستطيع أن يدعوني إلى الركوب، وأن يجول بي شوارع المدينة قبل أن يعيدني إلى النقطة نفسها، ثم يطلب الأجرة التي يشاء، كما يفعل بعض السائقين في مدن كثيرة؛ لكنه اختار الطريق الأصعب على نفسه، والأسهل على ضميره.

شكرتُه بحرارة، ثم سألتُه عن اسمه. قال:

-تشومبي.

طلبتُ منه رقم هاتفه، فابتسم وأعطاني إياه دون تردد. لم أكن أعلم حينها أن هذا الرجل سيصبح أكثر من مجرد سائق سيارة أجرة، وأنه سيرافقني في بقية أيام إقامتي في أديس أبابا، لا لأنه كان يقود السيارة فحسب، بل لأنه كان يقودني أيضا إلى وجه آخر من وجوه المدينة.

مصدر الصورة

دخلتُ مقر اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، حيث كان ينتظرني لقاء مع سيدة روسية قادمة من موسكو، لتنسيق موعد مداخلتي في المؤتمر الذي سينعقد في اليوم الموالي. انتهى الاجتماع في وقت وجيز؛ لكن اسم تشومبي ظل يتردد في ذهني.

وحين خرجتُ، عدتُ إلى الفندق، غيّرتُ ملابسي، ثم نزلتُ من جديد. لم أعد أبحث هذه المرة عن سيارة أجرة…

كنتُ أبحث عن تشومبي.

لم أحتج إلى كثير من البحث. وجدته ا يزال واقفا في المكان نفسه، ينتظر زبونا جديدا، وكأنه لم يغادر منذ أن افترقنا قبل قليل.

ما إن رآني حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، ولوّح لي بيده: “Welcome, brother.”

اقتربتُ منه وقلتُ:

ـ تشومبي، اليوم لن أوصيك بعنوان محدد. أريدك أن تأخذني إلى الأماكن التي ترى أنها تستحق الزيارة في أديس أبابا.

نظر إليّ مستغربا، ثم سألني:

ـ كم من الوقت؟

قلت:

ـ ما رأيك في ساعتين؟

هز رأسه مبتسما، فأضفت:

ـ بل اجعلها ثلاث ساعات.

ثم قلتُ له مازحا:

ـ لكن بشرط واحد… أخبرني الآن بثمن الجولة، حتى لا نختلف في النهاية، فأنا أحب أن أبقى صديقا للسائق بعد نزولي من السيارة.

ضحك تشومبي، وحدد مبلغا بدا لي معقولا، فوافقتُ دون مساومة. لم أكن أدفع ثمن جولة سياحية فحسب، بل كنتُ أشتري راحة البال أيضا. فمن أجمل ما في السفر أن تُغلق باب الشك منذ البداية، لتفتح باب الاستمتاع.

وما إن استقررتُ في المقعد الأمامي حتى انقلب وجه السماء فجأة. انهمر المطر بغزارة، حتى بدا وكأن المدينة تختفي خلف ستار مائي كثيف. أسرعتُ إلى إغلاق الباب، بينما كانت قطرات المطر ترتطم بزجاج السيارة بإيقاع متسارع.

التفتَ إليّ تشومبي وقال بأسف:

ـ كنت أود أن آخذك أولا إلى جبل إنتوتو، فهو المكان الذي يمنحك أجمل إطلالة على أديس أبابا؛ لكن هذا الطقس لن يسمح لك برؤية شيء.

ثم أضاف بعد لحظة تفكير:

ـ سنؤجل الجبل. سأريك أماكن أخرى لا تقل أهمية. سنمر بجامعة أديس أبابا، ثم نزور المتحف الوطني، وبعدها نقوم بجولة في المدينة، وعندما يتحسن الطقس، سيكون لإنتوتو موعد آخر.

أعجبتني طريقته في الحديث. لم يكن يتعامل معي كسائح يريد إنهاء جولته بأسرع وقت، بل كضيف يحاول أن يمنحه أفضل ما في مدينته. ومنذ تلك اللحظة، بدأت أشعر بأنني لا أجلس إلى جانب سائق سيارة أجرة، بل إلى جانب رجل يعرّفني بمدينته كما يعرّف المرء صديقا عزيزا ببيته.

ثم اتجهنا نحو جامعة أديس أبابا. لم يدم المطر طويلا، فقد كان يهطل بغزارة، ثم يخف شيئا فشيئا، إلى أن انقطع تماما، وكأن أحدا أغلق صنبورا في السماء.

وما إن بدأت الغيوم تنقشع حتى خرج الناس من جديد إلى الشوارع. لم يكن أحد يبدو منزعجا من المطر، ولا متفاجئا به. بعضهم كان يحمل مظلة، وآخرون واصلوا سيرهم كأن شيئا لم يحدث. أدركتُ أن المطر هنا ليس طارئا، بل جزء من إيقاع الحياة.

ابتسم تشومبي وهو يراقب المشهد، ثم قال:

ـ نحن الآن في موسم “كيرمت” (Kiremt)

مصدر الصورة

ثم أوضح لي أن هذا هو موسم الأمطار الرئيسي في إثيوبيا، ويمتد عادة من شهر يونيو إلى نهاية شتنبر. وخلال هذه الفترة، تكاد الأمطار تزور المدينة كل يوم، وغالبا ما تهطل بعد الظهر بغزارة؛ لكنها لا تطول، وما إن تتوقف حتى تستعيد المدينة حركتها المعتادة، ويعود الناس إلى أعمالهم، وكأن المطر مجرد استراحة قصيرة فرضتها السماء.

راقبتُ الأرصفة وهي تجف بسرعة، والسيارات تستأنف سيرها، والمارة يطوون مظلاتهم في هدوء. وتساءلتُ بيني وبين نفسي:

ـ كم من المدن تتوقف فيها الحياة بسبب المطر، وكم من المدن تعلّمت أن تتعايش معه حتى أصبح جزءا من جدول أعمالها اليومي؟

قال تشومبي مبتسما:

ـ إذا انتظرت حتى ينتهي المطر في أديس أبابا، فقد تنتظر طويلا. نحن نتعلم أن نعيش معه، لا أن نهرب منه.

أعجبتني الجملة. لم تكن تتحدث عن الطقس وحده، بل عن الحياة نفسها.

وبينما كنا نتحدث، كانت السيارة قد وصلت إلى جامعة أديس أبابا.

توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية للجامعة. كان المبنى العتيق يحتفظ بهيبته، بمعماره الذي يشي بتاريخ إحدى أعرق الجامعات في إثيوبيا، تلك المؤسسة التي تخرج فيها عدد كبير من قادة البلاد وباحثيها والتي تأسست سنة 1950.

نزلتُ من السيارة لألتقط بعض الصور أمام المدخل. كان ثلاثة من أفراد الأمن يقفون عند البوابة، يراقبون الداخلين والخارجين في هدوء. راودتني فكرة الدخول إلى الحرم الجامعي؛ لكنني سرعان ما عدلت عنها. فالطلبة كانوا في عطلتهم، ولم يكن لديّ سبب مقنع أقدمه للحراس سوى الفضول، والفضول وحده لا يفتح الأبواب دائما.

وبينما كنت أبحث عن زاوية مناسبة لالتقاط صورة، نزل تشومبي من السيارة دون أن أطلب منه شيئا، ومد يده قائلا:

ـ أعطني الهاتف سألتقطها لك.

ناولته الهاتف، فأخذ يبتعد خطوة بعد أخرى، ويغيّر زاوية التصوير، ثم يطلب مني أن أتحرك قليلا إلى اليمين ثم إلى اليسار، وكأنه مصور محترف أكثر منه سائق سيارة أجرة. كان حريصا على أن تظهر الجامعة كاملة في الخلفية، وكأنه يريد أن يمنحني ذكرى تليق بالمكان.

ابتسمتُ وأنا أراقبه. أدركت أن بعض الناس يؤدون عملهم، بينما يضيف آخرون إليه شيئا من قلوبهم.

أعاد إليّ الهاتف، ثم قال مبتسما:

ـ هيَّا. بقي مكان لا يمكن أن تغادر أديس أبابا قبل أن تراه.

ضغط برفق على دواسة الوقود، واتجهنا نحو المتحف الوطني الإثيوبي.

كنتُ أظن أن أفضل ما سأراه في ذلك اليوم هو مدينة أديس أبابا من شوارعها؛ لكن تشومبي كان يقودني إلى لقاء مع امرأة عاشت قبل أكثر من ثلاثة ملايين سنة. وكان اسمها “لوسي”.

(يتبع)

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا