دخل الاتحاد الأوروبي بشكل ميداني على خط أزمة الهجرة في سبتة، مع وصول فريق من خبراء الهجرة الأوروبيين إلى المدينة لإجراء تقييم مباشر للوضع والاحتياجات، بالتزامن مع رفع السلطات الإسبانية مستوى التأهب الأمني تحسبا لدعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ محاولة عبور جماعية جديدة يوم الجمعة 15 غشت.
ويأتي التحرك الأوروبي في مرحلة حساسة من الأزمة التي اندلعت عقب موجة العبور الجماعي غير المسبوقة نهاية يوليوز الماضي، بينما تسابق السلطات المغربية والإسبانية الزمن لمنع تكرار السيناريو نفسه.
وبحسب المعطيات المعلنة، تتمثل مهمة الخبراء الأوروبيين في إجراء تقييم ميداني للوضع في سبتة وتحديد الاحتياجات التي يمكن للاتحاد الأوروبي المساهمة في تلبيتها لمساعدة السلطات الإسبانية على التعامل مع تداعيات الأزمة.
ويشكل وصول الفريق تطورا جديدا في الموقف الأوروبي، بعدما اقتصرت التحركات السابقة أساسا على الاتصالات والتنسيق بين المفوضية الأوروبية والسلطات الإسبانية والوكالات الأوروبية المعنية بالحدود والهجرة واللجوء.
بروكسل تراقب شبكات التواصل
وبالتوازي مع المهمة الميدانية، كثفت المفوضية الأوروبية تحركاتها لمواجهة المعلومات المضللة والدعوات التي يمكن أن تشجع على محاولات العبور الخطرة.
وتأتي هذه الخطوة بعدما شكلت شبكات التواصل الاجتماعي أحد العناصر الرئيسية في التعبئة التي سبقت موجة العبور الأخيرة، فضلا عن انتشار منشورات جديدة تحدد 15 غشت موعدا لمحاولة أخرى.
وتعمل المؤسسات الأوروبية، في هذا السياق، مع المنصات الرقمية على تعزيز آليات التحقق من المعلومات، في محاولة لمنع انتشار مضامين مضللة حول إمكانية الوصول إلى سبتة والبقاء في إسبانيا أو الانتقال منها إلى دول أوروبية أخرى.
وسبق أن وافقت شركتا “ميتا” و”تيك توك” على تعزيز إجراءات التحقق من المحتويات المرتبطة بالهجرة والعبور، مع الاستعانة بمدققي معلومات يمتلكون معرفة بالسياق المحلي للأزمة.
كما جرى تفعيل آليات للرصد على مدار الساعة خلال الفترة الحساسة المحيطة بموعد 15 غشت، مع استمرار التنسيق بين المؤسسات الأوروبية والسلطات الإسبانية.
تعزيزات أمنية غير مسبوقة
وعلى المستوى الميداني، كشفت أحدث الأرقام التي قدمها وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، الخميس 13 غشت 2026، عن ارتفاع كبير في عدد عناصر الأمن المنتشرين في سبتة مقارنة بالفترة السابقة للأزمة.
وبحسب الأرقام المعلنة، أصبح عدد أفراد الشرطة الوطنية الموجودين في المدينة في حدود 880 عنصرا، بعدما جرى تعزيز الجهاز بنحو 270 شرطيا إضافيا، كما وصل عدد عناصر الحرس المدني إلى نحو 714 عنصرا، بزيادة تقارب 200 عنصر مقارنة بالفترة السابقة.
ويعني ذلك أن الشرطة الوطنية والحرس المدني وحدهما أصبحا يوفران قوة قوامها نحو 1594 عنصرا في سبتة، دون احتساب أفراد القوات المسلحة وباقي الأجهزة والموارد الأمنية المعبأة.
وتشمل الإجراءات الإسبانية أيضا الاستعانة بوسائل للمراقبة الجوية والبحرية والطائرات المسيّرة، إلى جانب استمرار انتشار وحدات عسكرية في إطار مهام المراقبة والدعم.
وكانت القيادة العسكرية في سبتة قد اتخذت إجراءات استثنائية لضمان جاهزية أفرادها، فيما أكدت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس، خلال زيارتها إلى المدينة، استمرار القوات المسلحة في مهام الوجود والمراقبة ومساندة السلطات المدنية عند الحاجة.
وحدات متخصصة في الطرد والإعادة
ولا تقتصر التعزيزات الإسبانية على حماية الحدود، إذ أرسلت وزارة الداخلية أيضا عناصر متخصصة في شؤون الأجانب والطرد والإعادة لمعالجة الوضع القانوني لآلاف الأشخاص الذين ما زالوا في المدينة.
وأعلن مارلاسكا إرسال نحو 20 عنصرا من اللواء المركزي لشؤون الأجانب والحدود، إلى جانب ستة عناصر من الوحدة المركزية للطرد والإعادة، بهدف تسريع عمليات تحديد الهوية ودراسة الملفات وتنفيذ قرارات الإعادة في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية، كما أرسلت الداخلية 45 عنصرا من وحدة الوقاية والرد لتعزيز الأمن داخل المدينة.
وتخضع ملفات المهاجرين لدراسة فردية، بالنظر إلى وجود قاصرين وطالبي حماية دولية وحالات أخرى يمكن أن تتمتع بحماية قانونية، وهو ما يعني أن البقاء في وضع غير نظامي لا يقود تلقائيا إلى الإعادة دون استكمال المساطر المنصوص عليها في القانون الإسباني.
1898 قاصرا جرى تحديد هوياتهم
وفي ملف القاصرين، أعلن وزير الداخلية الإسباني أن السلطات تمكنت، حتى الخميس، من تحديد هوية 1898 قاصرا ممن وصلوا خلال الأزمة.
ويمثل الرقم ارتفاعا جديدا مقارنة بالحصائل السابقة، في وقت لا تزال فيه عمليات التسجيل وتحديد السن والهوية مستمرة.
وتسعى مدريد والرباط إلى معالجة وضعية القاصرين المغاربة عبر لم الشمل مع أسرهم عندما تتوافر الشروط القانونية، مع تأكيد السلطات الإسبانية أن دراسة كل حالة يجب أن تراعي المصلحة الفضلى للطفل.
كما تبحث إسبانيا توزيع جزء من القاصرين على أقاليم أخرى لتخفيف الضغط عن مرافق الاستقبال في سبتة، وسط خلاف سياسي داخلي بشأن كيفية توزيع المسؤولية بين الحكومات الإقليمية.
وفي السياق نفسه، وافقت اللجنة القطاعية الإسبانية للطفولة والمراهقة على إحالة مقترح لتخصيص 25 مليون يورو بصورة استثنائية لسبتة، بهدف المساهمة في تمويل رعاية القاصرين غير المصحوبين، في انتظار مناقشته خلال المؤتمر القطاعي المرتقب في 27 غشت.
المغرب يرفع التأهب
وفي الجانب المغربي، عززت السلطات انتشارها الأمني في المناطق والطرق المؤدية إلى محيط سبتة، بالتزامن مع متابعة الدعوات المنشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وسبق لوزارة الداخلية المغربية أن أعلنت اتخاذ التدابير الضرورية لمنع محاولات الهجرة غير النظامية، مع التحرك ضد الأشخاص المشتبه في تحريضهم على عمليات العبور الجماعي.
وتكتسي الإجراءات الاستباقية في الجانب المغربي أهمية أساسية بالنسبة إلى السلطات الإسبانية، بالنظر إلى أن منع تجمع أعداد كبيرة بالقرب من الحدود يشكل أحد العناصر الرئيسية لتفادي تكرار موجة نهاية يوليوز.
15 غشت تحت المراقبة
وتتجه الأنظار حاليا إلى يوم الجمعة 15 غشت، بعدما انتشرت دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحث على تنفيذ محاولة عبور جماعية جديدة باتجاه سبتة ومليلية.
ولا يوجد، حتى الآن، ما يؤكد أن تلك الدعوات ستتحول بالفعل إلى تحرك واسع على الأرض، إلا أن حجم موجة نهاية يوليوز دفع السلطات المغربية والإسبانية والمؤسسات الأوروبية إلى التعامل معها باعتبارها خطرا يستدعي استعدادا مسبقا.
ويجعل وصول فريق الخبراء الأوروبيين إلى سبتة، إلى جانب التعزيزات الأمنية الإسبانية والإجراءات الاستباقية المغربية ومراقبة النشاط على المنصات الرقمية، من الساعات التي تسبق 15 غشت مرحلة حاسمة في تطورات الأزمة.
وسيكون المؤشر الأهم خلال الساعات المقبلة هو رصد أي تجمعات استثنائية في المناطق القريبة من الحدود، أو عمليات اعتراض واسعة للمرشحين للهجرة، أو تحركات فعلية باتجاه السياج والمعابر والشواطئ المحيطة بسبتة.
كما ستحدد نتائج المهمة الأوروبية الميدانية طبيعة الدعم الإضافي الذي قد تقدمه بروكسل لإسبانيا، وما إذا كان ذلك سيشمل موارد مالية أو تقنية أو تدخلا أكبر لوكالات الاتحاد الأوروبي المختصة بالحدود والهجرة واللجوء.
المصدر:
العمق