آخر الأخبار

التكوين الميسر.. جسر بين الحياة المهنية والطموح الأكاديمي

شارك

رشيد عرايشي

ليس كل من يرغب في العودة إلى الجامعة قادراً على ترك عمله، وليس كل من دخل الحياة المهنية مستعداً للتخلي عن طموحه في مواصلة الدراسة. وبين هذين الالتزامين المتزامنين، تبرز الحاجة إلى نمط من التكوين يأخذ بعين الاعتبار واقع الإنسان العامل، ويمنحه إمكانية مواصلة مساره الجامعي دون أن يضطر إلى الاختيار القسري بين مستقبله المهني وطموحه الأكاديمي.

من هنا تكتسب التكوينات ذات التوقيت الميسر أهميتها. فهي ليست امتيازاً يمنح لفئة معينة، ولا طريقاً مختصراً نحو الشهادة، وإنما هي صيغة تنظيمية وبيداغوجية تستجيب لتحول عميق في علاقة الإنسان بالتعلم، وتجيب عن سؤال أصبح يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن للجامعة أن تظل مفتوحة أمام من دخل الحياة المهنية، لكنه لم يغلق باب التعلم؟

إن التحدي اليوم لم يعد في إقناع الإنسان العامل بأهمية التكوين، بل في تمكينه من إيجاد الزمن الجامعي الذي يسمح له بالتوفيق بين التزاماته المهنية والأكاديمية. ومن هنا، فإن التوقيت الميسر ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من دينامية تحديث الجامعة، وتوسيع قدرتها على الاستجابة لتنوع الحاجات الاجتماعية والمهنية.

حين يكون العائق هو الوقت

الأمر في النهاية أبسط مما يبدو.

هناك موظف يبدأ عمله في الصباح وينهيه في المساء، وهناك أجير مرتبط بساعات عمل محددة، وهناك مسؤوليات مهنية وأسرية واجتماعية تجعل التفرغ الكامل للدراسة أمراً بالغ الصعوبة، حتى بالنسبة إلى شخص يمتلك الرغبة والقدرة والاستعداد.

وفي الجهة الأخرى، هناك جامعة لها رزنامتها الخاصة: دروس، أعمال تطبيقية، امتحانات، عروض، بحوث، تأطير ومواعيد إدارية وبيداغوجية.
فماذا يفعل شخص يريد أن يدرس، لكنه لا يستطيع أن يكون في مكانين في الوقت نفسه؟ هنا تحديداً تظهر قيمة التوقيت الميسر.

قد ينتهي يوم العمل في الخامسة أو السادسة مساءً، وقد تمتد المسؤوليات المهنية على مدار الأسبوع، لكن ذلك لا يعني أن الرغبة في التعلم قد انتهت. المشكلة في كثير من الحالات ليست في الرغبة، ولا في القدرة، ولا في الاستعداد، وإنما في تنظيم الزمن.

ومن هنا تأتي الفكرة في بساطتها وواقعيتها: إذا كان العمل له وقته، فلماذا لا يكون للتكوين أيضاً توقيت يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الحياة المهنية؟
إن الأمر لا يتعلق بتغيير جوهر الجامعة، وإنما بجعل زمنها أكثر قدرة على استيعاب فئات جديدة من المتعلمين.

الجامعة لا تنتهي عند أول وظيفة

لقد تغيرت علاقة الإنسان بالتعلم.

كان المسار التقليدي يقوم، في الغالب، على تسلسل واضح: دراسة، ثم تخرج، ثم دخول سوق الشغل، ثم الانتقال إلى الحياة المهنية. أما اليوم، فقد أصبح هذا التصور أقل قدرة على استيعاب التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع وعالم الشغل.

المهن تتغير، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الوظائف، والمعارف تتجدد، والمهارات المطلوبة تتطور باستمرار. وقد يجد الإنسان نفسه، بعد سنوات من العمل، في حاجة إلى تخصص جديد، أو إلى تعميق معارفه، أو إلى تطوير مؤهلاته، أو إلى تغيير مساره المهني.

وقد يرغب موظف في الانتقال إلى مجال آخر، أو يريد أجير أن يرفع مستوى كفاءته، أو يسعى مهني إلى استكمال تكوين بدأه في مرحلة سابقة من حياته.

وقد يكون الأمر أبسط من ذلك كله: شخص اضطرته ظروف الحياة إلى مغادرة الجامعة في وقت سابق، ثم وجد نفسه بعد سنوات قادراً وراغباً في العودة إليها.
هل يفقد هؤلاء حقهم في التعلم بمجرد دخولهم الحياة المهنية؟

بالتأكيد لا.

فالجامعة الحديثة لم تعد فضاءً مخصصاً فقط لمن يوجد في بداية العشرينيات من عمره. إنها أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تقوم على التعلم مدى الحياة، وعلى الاعتراف بأن الإنسان يمكن أن يتعلم ويعيد التعلم في مراحل مختلفة من مساره.

وهنا تبرز أهمية التوقيت الميسر باعتباره إحدى الأدوات العملية لترجمة هذه الفلسفة إلى ممارسة جامعية ملموسة.

من جامعة المتفرغين إلى جامعة أكثر انفتاحاً

إن الجامعة التي تنفتح على العاملين لا تتخلى عن نموذجها التقليدي، وإنما توسع دائرة المستفيدين من خدماتها.

فالطالب المتفرغ للدراسة له حاجاته، والموظف أو الأجير الذي يرغب في مواصلة التكوين له حاجاته أيضاً. والمطلوب ليس وضع الفئتين في مواجهة بعضهما البعض، وإنما بناء صيغ جامعية تستجيب لتنوع المسارات دون المساس بوحدة المعايير الأكاديمية.

وهنا يصبح التوقيت الميسر أداة للإنصاف، لأنه يسمح للإنسان الذي دخل الحياة المهنية بأن يظل قريباً من الجامعة، بدل أن تتحول الوظيفة إلى نهاية لمساره الأكاديمي.

إن الجامعة المنفتحة على المجتمع هي التي تفهم أن الناس لا يعيشون جميعاً وفق الإيقاع نفسه، وأن المسار التعليمي لم يعد بالضرورة خطاً مستقيماً يبدأ في سن معينة وينتهي عند الحصول على أول شهادة.

قد يكون التعلم بداية، ثم عملاً، ثم عودة إلى الجامعة، ثم انتقالاً مهنياً جديداً، ثم تكويناً آخر.
وهذا المسار المتعدد ليس استثناءً، بل يعكس طبيعة عالم سريع التغير.

التوقيت الميسر ليس تعليماً من درجة ثانية

ربما يأتي جانب من سوء الفهم من الاعتقاد بأن تكييف أوقات الدراسة يعني بالضرورة تخفيف متطلباتها.
وهذا أمر ينبغي الحسم فيه بوضوح:

تغيير توقيت التكوين لا يعني تغيير مستوى التكوين.

فالطالب الذي يتابع دراسته في توقيت ميسر ينبغي أن يخضع للمتطلبات العلمية والبيداغوجية نفسها التي تضمن قيمة التكوين ومصداقية الشهادة.
الدروس تظل دروساً، والامتحانات تظل امتحانات، والبحوث تظل بحوثاً، والتأطير يظل تأطيراً، وشروط النجاح تظل مرتبطة بالاستحقاق العلمي.

وما يتغير هو أساساً تنظيم الزمن بما يسمح للطالب العامل بالتوفيق بين الدراسة والعمل.
وهنا ينبغي التأكيد على قاعدة بسيطة وحاسمة:
يمكن تيسير التوقيت، لكن لا يجوز تيسير الاستحقاق الأكاديمي.
فالمرونة ينبغي أن تتعلق بالزمن والتنظيم وطرق تدبير المسار، لا بالمحتوى العلمي ولا بمعايير التقييم ولا بشروط النجاح.

المرونة في الزمن… والصرامة في المعايير

إن نجاح أي نموذج للتكوين الميسر يقتضي التمييز بين مستويين مختلفين.

الأول هو مرونة التنظيم: اختيار أوقات مناسبة للعاملين، وتنظيم الرزنامة بشكل يأخذ بعين الاعتبار طبيعة التزاماتهم المهنية، والاستفادة من الإمكانات التي توفرها الوسائط الرقمية والتعلم المدمج.

والثاني هو صرامة المعايير الأكاديمية: جودة المضامين، كفاءة المؤطرين، انتظام الدراسة، شروط التقييم، المعايير العلمية للبحوث، جودة التأطير، ونزاهة الامتحانات.
الأول ينبغي أن يكون مرناً.

أما الثاني فلا ينبغي أن يكون موضوع مساومة.

بل إن الجمع بين الاثنين هو التحدي الحقيقي: مرونة في التوقيت، وصلابة في المعايير.
وهذا هو الفارق بين جامعة تتكيف مع حاجات المجتمع، وجامعة تتساهل في متطلباتها.

الطالب العامل… قيمة مضافة للجامعة

من الخطأ أيضاً النظر إلى الطالب العامل باعتباره مجرد مستفيد من خدمة جامعية.
فهذا الطالب يأتي إلى المدرج محملاً بتجربة مهنية قد تمتد لسنوات. لديه خبرة في الإدارة أو التعليم أو الاقتصاد أو الإعلام أو الصناعة أو الخدمات أو غيرها من المجالات.

وحين يدخل النقاش الأكاديمي، فإنه لا يأتي فقط بما قرأه في الكتب، وإنما يأتي أيضاً بما عاشه في الواقع.
وهنا يمكن للتكوين أن يصبح مجالاً للتفاعل بين المعرفة النظرية والخبرة العملية.

فالجامعة تقدم للمهني أدوات التحليل والتفكير والنقد والتأصيل العلمي، بينما يساهم المهني بخبرته في إثراء النقاش وربط المعرفة بالواقع.
ومن هذه الزاوية، يمكن للتكوينات ذات التوقيت الميسر أن تشكل جسراً مهماً بين الجامعة وعالم الشغل، وأن تجعل العلاقة بينهما أكثر دينامية واستمرارية.

التوقيت الميسر واستثمار الرأسمال البشري

إن الموظف أو الأجير الذي يعود إلى الجامعة لا يستثمر في نفسه فقط.
فعندما يطور معارفه وكفاءاته، تستفيد مؤسسته من ذلك، ويستفيد قطاعه المهني، كما يستفيد المجتمع من ارتفاع مستوى التأهيل.
ومن هنا يمكن النظر إلى التكوين الميسر باعتباره أحد أشكال الاستثمار في الرأسمال البشري.

فالجامعة لا تمنح المعرفة من أجل الحصول على شهادة فقط، وإنما تسهم في تطوير الإنسان وقدرته على التفكير والمبادرة والتكيف والإبداع.
وفي عالم يتغير بسرعة، يصبح الاستثمار في الإنسان القادر على التعلم المستمر أكثر أهمية من أي وقت مضى.

التوقيت الميسر ليس مجرد تغيير في الساعة

إذا أردنا لهذا النموذج أن ينجح، فلا ينبغي اختزاله في مجرد نقل الدروس من الفترة الصباحية إلى الفترة المسائية أو إلى نهاية الأسبوع.
المسألة أعمق من ذلك.

إنها تتعلق بإعادة التفكير في الزمن الجامعي وفي طرق تنظيم التعلم.
فالطالب العامل يحتاج إلى تصور أكثر مرونة: حصص حضورية في أوقات مناسبة، موارد رقمية، تعلم ذاتي مؤطر، أنشطة مكثفة عند الحاجة، مواكبة أكاديمية مستمرة، وتنظيم ذكي للامتحانات والبحوث والتأطير.

وهنا يمكن للتحول الرقمي أن يؤدي دوراً مهماً، ليس باعتباره بديلاً عن الأستاذ أو الجامعة، وإنما باعتباره أداة لتوسيع إمكانات التعلم وتيسير الوصول إلى المعرفة.
فالهدف ليس أن نجعل الطالب العامل “يتحمل” الجامعة، وإنما أن نصمم الجامعة بطريقة تجعل الجمع بين العمل والدراسة ممكناً ومعقولاً.

تحديات حقيقية… ومسؤولية مشتركة

لا يعني الدفاع عن التوقيت الميسر تجاهل التحديات التي يطرحها.
فالطالب الذي يعمل طوال اليوم ثم يلتحق بالدراسة مساءً يواجه تحدي الإرهاق وتنظيم الوقت. والجامعة، من جهتها، مطالبة بضمان جودة التكوين، وتوفير التأطير، وتنظيم البنية الزمنية والبيداغوجية بطريقة لا تؤثر في مستوى التحصيل.

كما أن نجاح هذا النموذج يقتضي تعبئة الموارد البشرية والمادية اللازمة، وتطوير البنيات الرقمية، وتحسين الخدمات الإدارية، واعتماد آليات فعالة للتتبع والتقويم.
ومن المهم أيضاً أن يكون الطالب العامل واعياً منذ البداية بأن التوقيت الميسر لا يعني تكويناً أقل جهداً.
فهو، في كثير من الأحيان، يجمع بين التزامين ثقيلين: العمل والدراسة.

وهذا يتطلب منه انضباطاً أكبر، وقدرة أعلى على تدبير الوقت، واستعداداً حقيقياً للتعلم الذاتي.
لذلك، فإن نجاح التجربة مسؤولية مشتركة بين الجامعة والأستاذ والطالب ومحيطه المهني.

الجودة هي الخط الأحمر

مهما كان شكل التكوين أو توقيته، تبقى الجودة خطاً أحمر.
فلا قيمة لتوسيع الولوج إذا كان ذلك يتم على حساب المستوى العلمي.
ولا قيمة لشهادة تفقد ثقة المجتمع وسوق الشغل والمؤسسات فيها.
ولا معنى للمرونة إذا أصبحت مرونة في المعايير.

لذلك، فإن التكوينات ذات التوقيت الميسر ينبغي أن تقوم على منظومة واضحة لضمان الجودة: تقييم دوري للمسالك، تتبع للطلبة، تقويم للمضامين، قياس مدى تحقيق الكفايات، تقييم لجودة التأطير، وضمان تكافؤ شروط الامتحانات والنجاح.
فالمرونة لا تصبح ذات قيمة إلا عندما تكون محكومة بالحكامة والجودة.

الجامعة التي تمنح فرصة ثانية

ربما تظهر القيمة الإنسانية للتوقيت الميسر أكثر عندما ننظر إلى الإنسان الموجود خلف الملف الإداري.
خلف كل طلب تسجيل قد يكون موظفاً يريد أن يطور مساره.
وقد يكون أجيراً يحلم بتغيير مجاله المهني.

وقد يكون أباً أو أماً حالت مسؤوليات الحياة دون استكمال دراستهما.
وقد يكون شخصاً غادر الجامعة في مرحلة سابقة، ثم وجد بعد سنوات فرصة للعودة إليها.
وقد يكون ببساطة إنساناً لم يكتفِ بما حققه، ويريد أن يواصل التعلم.

هؤلاء جميعاً يطرحون على الجامعة سؤالاً يتجاوز التدبير الإداري:
هل ما زالت الجامعة قادرة على منح فرصة ثانية؟

الجامعة القوية ليست فقط التي تستقبل الطالب في بداية مساره، وإنما أيضاً التي تستطيع أن ترافقه عندما تتغير ظروف حياته.
والجامعة التي تفتح أبوابها أمام من يعمل لا تتخلى عن رسالتها، بل توسع دائرة هذه الرسالة.

نحو جامعة ترافق الإنسان طوال حياته

إن التوقيت الميسر ينسجم مع تحول أوسع في مفهوم التعليم العالي.
لم تعد الجامعة محطة عابرة بين المدرسة والعمل، وإنما أصبحت جزءاً من مسار طويل ومستمر للتعلم.

قد يبدأ الإنسان دراسته في مرحلة مبكرة، ثم يدخل سوق الشغل، ثم يعود إلى الجامعة، ثم يكتسب تخصصاً جديداً، ثم يعود مرة أخرى إلى حياته المهنية.
هذا المسار المتعدد لا ينبغي النظر إليه باعتباره اضطراباً في المسار التعليمي، بل يمكن أن يكون تعبيراً عن نموذج أكثر حداثة يقوم على التعلم مدى الحياة.
وفي هذا السياق، يصبح التوقيت الميسر أكثر من مجرد صيغة تنظيمية؛ إنه تعبير عن فلسفة جامعية تعترف بأن الإنسان لا يتوقف عن التعلم بمجرد دخوله الحياة المهنية.

من جامعة الزمن الواحد إلى جامعة الأزمنة المتعددة

ربما يكون التحدي الأكبر أمام الجامعة اليوم هو الانتقال من نموذج يقوم على زمن جامعي واحد إلى نموذج أكثر تنوعاً ومرونة.
فالطلبة ليسوا جميعاً في الوضعية نفسها، ولا يعيشون الإيقاع نفسه، ولا يواجهون الالتزامات نفسها.

هناك الطالب المتفرغ، وهناك الطالب العامل، وهناك من يجمع بين الدراسة والأسرة، وهناك من يعود إلى الجامعة بعد سنوات من الانقطاع.
وهذا التنوع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة، وإنما باعتباره واقعاً اجتماعياً جديداً يتعين على الجامعة أن تستجيب له بذكاء.
والتوقيت الميسر يمثل إحدى الإجابات الممكنة عن هذا التحول.

لكنه لن ينجح بمجرد تغيير توقيت الحصص، بل يحتاج إلى رؤية متكاملة تجعل الجامعة أكثر مرونة في تنظيم الزمن، وأكثر صرامة في معايير الجودة، وأكثر قدرة على مواكبة حاجات المتعلمين.

في النهاية… نُيَسِّر الوقت ولا نُيَسِّر الاستحقاق

إن التكوينات ذات التوقيت الميسر ليست حلاً لكل تحديات التعليم العالي، لكنها يمكن أن تكون جزءاً مهماً من تطور الجامعة واستجابتها للتحولات التي يعرفها المجتمع وعالم الشغل.

قيمتها الأساسية تكمن في أنها ترفض أن تجعل الوظيفة نهاية للمسار الأكاديمي، وتمنح الإنسان إمكانية العودة إلى الجامعة دون أن يضطر إلى التخلي عن عمله.
لكن هذه المرونة لا ينبغي أن تكون مرونة في الجودة، ولا في التقييم، ولا في المعايير العلمية.

فالجامعة مطالبة بأن تكون أكثر قدرة على التكيف مع حياة الناس، من دون أن تتكيف معاييرها الأكاديمية بالمعنى الذي يمس قيمتها ومصداقيتها.
وإذا كانت الجامعة مطالبة بأن تكون فضاءً للتميز العلمي، فهي مطالبة أيضاً بأن تكون فضاءً للإنصاف والمرونة والفرصة الثانية.

فالجامعة ليست فضاءً للمتفرغين للدراسة فقط. إنها أيضاً فضاء لمن يريد أن يتعلم بعد أن دخل الحياة المهنية، ولمن اكتشف أن طموحه الأكاديمي لم ينته بمجرد حصوله على أول وظيفة، ولمن يريد أن يعيد بناء مساره في عالم لم يعد يعرف مسارات مهنية مستقيمة ونهائية.

ومن حق هذا الإنسان أن يجد في الجامعة مكاناً له، ووقتاً يناسب ظروفه، ومساراً واضحاً، وتكويناً ذا جودة، وشهادة يستحقها بجدارة.
لهذا، فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم فلسفة التوقيت الميسر هي معادلة بسيطة:

نُيَسِّر له الوقت، نعم؛ لكننا لا نُيَسِّر له الطريق إلى الشهادة.

وبذلك لا يصبح التوقيت الميسر تنازلاً عن النموذج الجامعي، بل يصبح تعبيراً عن قدرة الجامعة على التطور؛ ولا يصبح امتيازاً لفئة دون أخرى، بل وسيلة لتمكين من حالت التزاماته المهنية دون مواصلة تعليمه؛ ولا يصبح اختصاراً للطريق الأكاديمي، بل إعادة تنظيم للطريق حتى يصبح ممكناً لمن يعمل أن يسلكه دون أن يضطر إلى ترك عمله.

وهنا تحديداً تكمن الفكرة الأعمق: أن تكون الجامعة وفية لمهمتها العلمية، وفي الوقت نفسه قادرة على أن تظل قريبة من الإنسان في مختلف مراحل حياته.

مدير المدرسة العليا للتربية والتكوين ببرشيد، جامعة الحسن الأول – سطات

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا