اعتبر الدكتور عبد العالي المرابطي، الأستاذ الجامعي المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء بإسبانيا، أن الجدل الذي أثير بشأن استعداد المغرب لإعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين، وتوصيف المبادرة المغربية في بعض القراءات الإعلامية والسياسية الإسبانية بأنها “طلب فخ”، يستوجب قراءة قانونية وسياسية تتجاوز التفسيرات المبسطة، بالنظر إلى تداخل عوامل إنسانية وإدارية وقانونية وسياسية في الأزمة.
ويأتي تصريح المرابطي لـ”العمق” بعدما جدد المغرب، يوم الخميس 6 غشت الجاري، استعداده للتنسيق مع إسبانيا وشركائه الأوروبيين من أجل تحديد هوية القاصرين المغاربة غير المصحوبين وإعادتهم إلى بلدهم، تنفيذا لتعليمات ملكية، شريطة تجاوز ما وصفه مصدر دبلوماسي مغربي بـ”العراقيل القضائية والإدارية” التي تعطل هذه العمليات.
وكانت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية ، سيرا ريغو، قد أعلنت، الجمعة، تسجيل 1342 قاصرا في سبتة، متوقعة بدء نقل عدد منهم إلى أقاليم شبه الجزيرة خلال أسابيع، مع إعطاء الأولوية للفتيات والأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 سنة. وجاء هذا الرقم بعد تقديرات أولية تحدثت عن وجود نحو 1100 قاصر في المدينة.
وأوضح المرابطي أن سبتة تواجه، منذ موجة العبور الأخيرة، أزمة إنسانية وإدارية غير مسبوقة، بعدما دخلها عشرات الآلاف من المهاجرين من جنسيات مختلفة، يشكل المغاربة النسبة الأكبر منهم، وبينهم أعداد كبيرة من القاصرين غير المصحوبين.
وبلغ التقدير المعلن من السلطات الإسبانية 72 ألف شخص عبروا إلى المدينة خلال الموجة الأخيرة، بينما قدرت السلطات المغربية عدد المشاركين في عمليات العبور بنحو 40 ألفا، قبل أن يعود معظمهم إلى المغرب.
وأضاف المرابطي أن تدفق القاصرين وضع سلطات سبتة أمام تحد كبير يتعلق بتوفير الإيواء والرعاية، في ظل محدودية مراكز الاستقبال، موضحا أن رئيس الحكومة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، سبق أن أكد أن مرافق المدينة لا تستطيع استقبال أكثر من نحو 90 طفلا.
وفي المقابل، حدد مرسوم أقره مجلس الوزراء الإسباني ، في 29 يونيو 2026، القدرة العادية لنظام حماية القاصرين غير المصحوبين في سبتة في 29 مكانا فقط، ما يكشف حجم الضغط الذي أصبح يواجه منظومة الرعاية بالمدينة بعد تسجيل أكثر من 1300 قاصر.
وأشار المرابطي إلى أن الحكومة المحلية بسبتة طالبت مدريد بالتدخل العاجل وتقاسم المسؤولية مع باقي الأقاليم الإسبانية، بعدما أصبحت المدينة عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة، ما حول الملف إلى أحد أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى حكومة بيدرو سانشيز.
وأوضح أن الحكومة المركزية تستعد لتفعيل نظام التوزيع الملزم بين الأقاليم وفق معايير تشمل عدد السكان والطاقة العادية لأنظمة الحماية. وبعد اعتراضات أولية من حكومات إقليمية يقودها الحزب الشعبي بالتحالف مع “فوكس”، أعلن الحزب الشعبي أنه سيلتزم بالقانون، بينما تمسك “فوكس” برفض نقل القاصرين ودعا إلى إعادتهم إلى المغرب.
ولفت المرابطي إلى أن الأزمة لا تقتصر على الجوانب القانونية والسياسية، بل تمتد إلى البعد الإنساني، إذ يقيم عدد من القاصرين داخل مستودعات ومرافق مؤقتة أعدت بصورة استعجالية، بينما اضطر آخرون إلى المبيت في الحدائق والشواطئ والشوارع، في انتظار استكمال إجراءات التسجيل وتحديد الهوية وإيجاد أماكن مناسبة لإيوائهم.
وأكد الأستاذ الجامعي أن المغرب رد على الانتقادات الإسبانية والأوروبية بتجديد استعداده لاستقبال القاصرين المغاربة، لكنه دعا إلى معالجة العراقيل التي تؤخر تنفيذ الإعادة، موضحا أن القانون الإسباني، مدعوما بالضمانات الأوروبية والدولية لحماية الطفولة، يمنع الإعادة الجماعية أو التلقائية للقاصرين غير المصحوبين.
وأضاف أن السلطات الإسبانية ملزمة بدراسة كل حالة على حدة، والاستماع إلى القاصر، وجمع المعلومات بشأن أسرته وظروف استقباله، والحصول على تقارير أجهزة حماية الطفولة والنيابة العامة، مع ضمان إمكانية الاعتراض والطعن ومراعاة “المصلحة الفضلى للطفل”.
وتنص المادة 35 من قانون الأجانب الإسباني على ضرورة طلب تقرير بشأن الظروف العائلية للقاصر قبل بدء مسطرة الإعادة، والاستماع إليه، والحصول على رأي مصالح الحماية والنيابة العامة، قبل الاختيار بين إعادته إلى أسرته أو وضعه لدى مؤسسة حماية في بلده أو السماح له بالبقاء في إسبانيا.
وشدد المرابطي على أن العقبة الأساسية، في نظره، لا تكمن في رفض المغرب استقبال مواطنيه القاصرين، وإنما ترتبط بطبيعة المنظومة القانونية والإجرائية الإسبانية نفسها، إذ قد تستغرق عمليات تحديد الهوية والتحقق من الوضع الأسري ودراسة إمكانية العودة أشهرا، وقد تمتد بعض الملفات لفترات أطول بسبب المساطر الإدارية والقضائية.
وأكد المرابطي أن الموقف المغربي ليس جديدا أو وليد الأزمة الحالية، بل يندرج ضمن مقاربة عبرت عنها الرباط في مناسبات سابقة، مذكرا بأن قضية إعادة القاصرين غير المصحوبين وردت في بيان مشترك لوزارتي الداخلية المغربية والإسبانية في يونيو 2021.
كما يرتبط المغرب وإسبانيا باتفاق وقع في الرباط في 6 مارس 2007، ودخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2012 ، وينظم التعاون في الوقاية من الهجرة غير النظامية للقاصرين وحمايتهم وإعادتهم بصورة متفق عليها.
وينص الاتفاق على حماية القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا على قدم المساواة مع القاصرين الإسبان، وتحديد هويتهم وأسرهم، ودراسة ملفات عودتهم بصورة فردية، مع ضمان لم شملهم بعائلاتهم أو تسليمهم إلى مؤسسة مختصة بالحماية في المغرب.
وأضاف المرابطي أن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، جدد سنة 2024 استعداد المغرب لاستقبال القاصرين المغاربة الموجودين بدول الاتحاد الأوروبي، مشيرا حينها إلى أن التعقيدات القانونية والإجرائية الأوروبية تعرقل تنفيذ الإعادة، وقد تتحول إلى ثغرات تستغلها شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.
وفي قراءته لخلفيات المبادرة المغربية، أوضح المرابطي أنها تجمع بين أبعاد إدارية وقانونية وسياسية ودبلوماسية، ولا يمكن اختزالها في محاولة لإحراج الحكومة الإسبانية أو ممارسة الضغط عليها.
ويرى المتحدث أن المغرب يسعى، أولا، إلى الحد من “عامل الجذب” الناتج عن الاعتقاد بأن مجرد وصول القاصر إلى إسبانيا يعني بقاءه فيها سنوات بسبب تعقيد إجراءات الإعادة، وهو ما قد يدفع بعض الأسر أو شبكات التهريب إلى تشجيع الأطفال على العبور غير النظامي.
أما الهدف الثاني، فيتمثل في تفعيل الاتفاقيات الثنائية القائمة وإظهار استعداد المغرب لتحمل مسؤوليته في استقبال مواطنيه القاصرين، شرط احترام القانون وضمان عودتهم إلى أسرهم أو مؤسسات حماية مؤهلة.
ويكمن الهدف الثالث، بحسب المرابطي، في إبراز أن تعثر عمليات الإعادة لا يعود حصرا إلى موقف المغرب، بل يرتبط أيضا بتعدد الإجراءات والضمانات الإدارية والقضائية المفروضة داخل إسبانيا على كل ملف.
وتابع أن الرسالة المغربية يمكن فهمها باعتبارها دعوة إلى تكييف الآليات الإدارية وتسريعها من أجل تفعيل الاتفاقات القائمة بصورة أكثر نجاعة، دون الإخلال بمبدأ “المصلحة الفضلى للطفل” أو بالضمانات المقررة له.
وفي مقابل الموقف المغربي، رفضت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية اعتبار المساطر القانونية “عراقيل”، مؤكدة أن مدريد ستدرس عرض المغرب حالة بحالة، وأن الفرق المتخصصة ستحدد ما يخدم مصلحة كل طفل، مع تسهيل لم الشمل الأسري متى توفرت شروطه.
وقال المرابطي إن الحكومة الإسبانية لا تستطيع إلغاء الرقابة القضائية أو تجاوز الضمانات القانونية، لأن ذلك قد يتعارض مع الدستور الإسباني واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فضلا عن الاجتهادات القضائية التي تشدد على الدراسة الفردية للملفات.
واعتبر أن الطلب المغربي لا ينبغي فهمه على أنه مطالبة بإلغاء هذه الضمانات، وإنما دعوة إلى فتح نقاش بشأن تبسيط الإجراءات وتسريعها، لتحقيق التوازن بين حماية الحقوق الأساسية للقاصرين وضمان فعالية أكبر لعمليات العودة.
وخلص المرابطي إلى أن توصيف المبادرة المغربية بأنها “طلب فخ” أو مجرد وسيلة للضغط على مدريد يغفل تعقيد الملف، مؤكدا أن قضية القاصرين غير المصحوبين تقع عند تقاطع القانون والسياسة والبعد الإنساني.
وشدد على أن الحل الدائم يظل رهينا بتوافق مغربي إسباني يوفق بين احترام حقوق الأطفال، وتفعيل الاتفاقات الثنائية، وضمان فعالية تدبير الهجرة غير النظامية، بعيدا عن القراءات السياسية المبسطة والاتهامات المتبادلة.
المصدر:
العمق