آخر الأخبار

المحاكم تستعد لـ”المسطرة المدنية الجديدة”.. تبليغ إلكتروني ومزادات عن بعد وقواعد جديدة للتنفيذ

شارك

تستعد المحاكم المغربية لدخول مرحلة جديدة من العمل القضائي، مع اقتراب بدء تطبيق القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، وسط تعبئة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل والوكالة القضائية للمملكة لتأهيل مختلف المتدخلين وضبط كيفية تنزيل المقتضيات الجديدة، التي تمس بصورة مباشرة رفع الدعاوى والتبليغ والاختصاص والطعون والتنفيذ والرقمنة القضائية.

وبحسب وثائق ودوريات رسمية اطلعت عليها جريدة “العمق”، يدخل القانون الجديد حيز التنفيذ يوم الاثنين 24 غشت 2026، أي بعد مرور ستة أشهر على نشره بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، تنفيذا للظهير الشريف الصادر في 11 فبراير من السنة ذاتها، حيث يأتي النص الجديد، وفق المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بهدف رفع نجاعة المحاكم وتحسين جودة الخدمات القضائية وتيسير الولوج إلى العدالة وتسريع تنفيذ المقررات القضائية.

وطالب الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية مسؤولي المحاكم باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة قبل موعد دخول القانون حيز التنفيذ، مع تعميم الدورية على القضاة وتنظيم لقاءات تأطيرية وموائد مستديرة وندوات علمية لفهم المستجدات الجديدة والعمل على بناء مرجعية قضائية موحدة لمعالجة الإشكالات التي قد تظهر عند التطبيق. كما دعا إلى التتبع المستمر لمسار تنفيذ القانون وإبلاغ الأمانة العامة للمجلس بالصعوبات والممارسات الفضلى المسجلة ميدانيا.

ويحمل قانون المسطرة المدنية الجديد تغييرات واسعة في قواعد رفع الدعوى وتدبير الخصومة، إذ وضع مقتضيات أكثر دقة بشأن إجراءات تقييد القضايا، مع تعزيز الدور التدبيري للمحكمة منذ تسجيل الدعوى وحتى تجهيزها وإصدار الحكم. كما أتاح إيداع مقال الدعوى إلكترونيا إلى جانب الإيداع الورقي، ضمن مسار يرمي إلى الانتقال التدريجي من المحكمة التقليدية إلى المحكمة الرقمية.

ومن أبرز التحولات التي ستهم المتقاضين والمحامين إعادة تنظيم مسطرة التبليغ القضائي، إذ منع القانون إجراء أي تبليغ قبل الساعة السابعة صباحا وبعد الساعة العاشرة ليلا، إلا في حالات الضرورة وبإذن قضائي، كما وسع الأماكن التي يمكن أن يتسلم فيها الشخص الاستدعاء، لتشمل موطنه الحقيقي أو المختار أو محل إقامته، فضلا عن مقر عمله أو مقر المحكمة أو أي مكان يوجد فيه.

وشدد النص الجديد أيضا على البيانات الواجب تضمينها في الاستدعاءات وشهادات التسليم، مع الاستعاضة في بعض الحالات عن مسطرة “القيم” بالرجوع إلى العنوان المستخرج من قاعدة بيانات البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، فضلا عن إقرار آجال موحدة أو أكثر دقة للحضور بالنسبة للمقيمين داخل المغرب وخارجه.

وفي السياق نفسه، يكرس القانون التوسع في التبليغ الإلكتروني، إذ أصبحت إدارات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وباقي أشخاص القانون العام مطالبة بالإدلاء عبر المنصة الإلكترونية بعناوينها الإلكترونية وأرقام هواتفها لتسهيل التبليغ والتواصل القضائي، كما يمكن للأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص اعتماد الوسيلة نفسها عند قبولهم الصريح بذلك.

ويطال الإصلاح أيضا قواعد الاختصاص القضائي، إذ حدد القانون الاختصاص القيمي للمحاكم الابتدائية في بعض القضايا في حدود 10 آلاف درهم، مع الاحتفاظ بحق الاستئناف عندما تكون الطلبات غير محددة القيمة أو تتجاوز هذا المبلغ، فضلا عن منح المحاكم الابتدائية اختصاص النظر في بعض المنازعات التجارية عندما لا تتجاوز قيمة النزاع 80 ألف درهم في المناطق التي لا توجد بها محكمة تجارية أو قسم متخصص. كما حدد القانون اختصاص المحاكم الابتدائية في أوامر الأداء الناتجة عن معاملات تجارية عندما يتراوح الدين بين 5 آلاف و80 ألف درهم.

وللمرة الأولى بصورة أكثر تفصيلا، نظم النص الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم المغربية، ليشمل الدعاوى المرفوعة ضد المغربي ولو لم يكن له موطن أو محل إقامة بالمغرب، وكذلك الدعاوى ضد أجنبي يتوفر على موطن أو محل إقامة في المملكة، مع وضع حالات محددة للنظر في الدعاوى ضد أجانب غير مقيمين بالمغرب، باستثناء بعض النزاعات المرتبطة بعقارات موجودة بالخارج.

وفي باب الطعون، استحدث القانون آليات جديدة لضبط الأحكام التي لا تقبل الاستئناف، بما يسمح في حالات محددة بالطعن في المقررات التي تشوبها خروقات من قبيل تجاوز الاختصاص أو الحكم بما لم يطلبه الأطراف أو إغفال البت في طلب أو عدم التحقق من التبليغ أو وجود تناقض بين أجزاء الحكم أو وقوع تدليس أثناء تحقيق الدعوى، باعتبارها آلية استثنائية للرقابة القضائية لا تمثل فتحا عاما لباب الطعن.

ومن المستجدات اللافتة أيضا تمكين الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وفق شروط محددة، من إصدار أمر كتابي يتيح طلب التصريح ببطلان مقرر قضائي مخالف للنظام العام داخل أجل يصل إلى خمس سنوات من تاريخ اكتسابه قوة الشيء المقضي به، إذا ثبت أنه صدر استنادا إلى تزوير أو وسائل تدليسية أو غش.

إعادة بناء مسطرة التنفيذ

ويشكل التنفيذ القضائي أحد أكبر محاور الإصلاح، إذ أعاد القانون تنظيم اختصاصات قاضي التنفيذ ومساطر تنفيذ الأحكام، مع إدماج النظام المعلوماتي في مختلف الإجراءات بغرض تعزيز حجية المقررات القضائية وضمان تنفيذها داخل آجال معقولة.

ومن بين المستجدات، منح رئيس المحكمة صلاحية البت في صعوبات التنفيذ الوقتية ومنح مهل استرحامية لا تتجاوز في مجموعها شهرين، في وقت منح فيه القانون لقاضي التنفيذ اختصاصات أكثر اتساعا في الإشراف المباشر على إجراءات التنفيذ والحجز والبيع.

كما أجاز القانون المشاركة في المزادات العلنية عن بعد بواسطة المنصة الإلكترونية، بعد صدور النص التنظيمي الذي سيحدد شروط وكيفيات العملية، في خطوة ترمي إلى زيادة شفافية المزادات وتتبعها وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية.

ومن الأحكام المثيرة للاهتمام في مجال المزادات، إمكانية تخفيض الثمن الافتتاحي للعقار في ظروف معينة إذا تعذر البيع، على ألا يتجاوز التخفيض 30 في المائة وألا يقل عن 10 في المائة مقارنة بالمبلغ المحدد في الخبرة الأخيرة.

تحصين أموال الدولة من الحجز

وبالنسبة لمنازعات الدولة، تتضمن المقتضيات الجديدة تغييرات ذات أثر مباشر على عمل الإدارات والوكالة القضائية للمملكة، بينها توسيع الحالات التي يتعين فيها إدخال الوكيل القضائي للمملكة في الدعاوى المرتبطة بأشخاص القانون العام.

كما كرس القانون حماية أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها من الحجز التنفيذي والحجز لدى الغير، وهي قاعدة سيكون لها أثر مباشر على طريقة تنفيذ الأحكام الصادرة ضد أشخاص القانون العام.

ومن المستجدات ذات الصلة بنزع الملكية، تقليص أجل المطالبة بتقدير زائد القيمة من ثمان سنوات إلى أربع سنوات، وهو تعديل من شأنه التأثير على المنازعات المعروضة أمام المحاكم الإدارية وعلى تدبير الدولة والجماعات لملفات نزع الملكية.

ويؤكد القانون أيضا توجه المشرع نحو تكريس التخصص القضائي وتقنين المنازعات الإدارية والتجارية وتوسيع رقمنة الإجراءات، بما يجعل دخوله حيز التنفيذ في 24 غشت المقبل تحولا عمليا يتجاوز مجرد تعديل بعض الآجال والمساطر، إلى إعادة تنظيم أجزاء واسعة من سير الدعوى المدنية منذ إيداعها وتبليغ الأطراف بها إلى صدور الحكم والطعن فيه وتنفيذه.

وبذلك، تدخل مختلف مكونات منظومة العدالة الأسابيع الأخيرة قبل بدء التطبيق الفعلي لقانون المسطرة المدنية الجديد، وسط رهان رسمي على أن تساهم المقتضيات الجديدة في تقليص الزمن القضائي وتوحيد الممارسة وتحسين تنفيذ الأحكام، مقابل اختبار عملي سيكشف منذ الأشهر الأولى عن مدى جاهزية المحاكم والمنصات الرقمية ومساعدي القضاء لاستيعاب حجم التغييرات التي جاء بها القانون رقم 58.25.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا