تتخذ تداعيات أزمة الهجرة الجماعية نحو سبتة بعدا سياسيا وأمنيا متصاعدا في إسبانيا، بعدما كشف رئيس الحكومة المحلية للمدينة عن التحضير لزيارة مرتقبة لملك إسبانيا، فيليبي السادس، إلى سبتة، بالتزامن مع قرار الحكومة الإسبانية استدعاء أربعة وزراء إلى البرلمان خلال شهر غشت الجاري لتقديم توضيحات حول طريقة تدبير الأزمة، في وقت لا تزال فيه المخاوف قائمة من إمكانية تكرار محاولات العبور الجماعي في ظل تداول دعوات جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي ليوم 15 غشت.
يأتي ذلك في سياق حساس بالنسبة للعلاقات المغربية الإسبانية، خصوصا أن سبتة توجد في قلب ملف سياسي وسيادي بالغ الحساسية بين البلدين، بينما لم يسبق للملك فيليبي السادس أن قام بزيارة رسمية إلى المدينة منذ اعتلائه العرش، ما يجعل أي زيارة ملكية مرتقبة إليها محط أنظار واسعة، بالنظر إلى تداعياتها المحتملة على المشهد السياسي والعلاقات الثنائية.
وأعلن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، عقب لقائه الملك فيليبي السادس بقصر ماريفنت في بالما، أن العاهل الإسباني ملتزم بزيارة المدينة، دون تحديد موعدها، مؤكدا أن الملك “سيفي بالتزاماته”، وأنه سيواصل دعم سبتة في إطار الصلاحيات الدستورية المنوطة به، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية “إيفي”.
وتكتسب هذه الزيارة المحتملة أهمية خاصة، باعتبار أنها ستكون الأولى للملك فيليبي السادس إلى سبتة، كما أنها ستأتي في أعقاب واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي عرفتها المدينة، بعدما شهدت يومي 30 و31 يوليوز تدفقا جماعيا لأكثر من 72 ألف شخص، وفق تقديرات رسمية إسبانية، انطلاقا من الحدود مع الفنيدق.
ولم يسبق لفيليبي السادس أيضا أن زار مليلية، فيما تظل المدينتان الوحيدتين الخاضعتان للإدارة الإسبانية اللتين لم تشملهما الزيارات الرسمية التي قام بها الملك إلى مختلف مناطق البلاد.
وكانت آخر زيارة ملكية إسبانية إلى سبتة ومليلية قد قام بها الملك السابق خوان كارلوس الأول رفقة الملكة صوفيا سنة 2007، وهي الزيارة التي أثارت آنذاك رد فعل قويا من المغرب الذي أصدر بيانا رسميا أعرب فيه عن إدانته لها واعتبرها خطوة من شأنها التأثير على العلاقات بين البلدين.
4 وزراء أمام البرلمان
وبالتزامن مع الجدل حول الزيارة الملكية المحتملة، تستعد الحكومة الإسبانية لإخضاع طريقة تدبير أزمة سبتة للمساءلة البرلمانية، بعدما قررت استدعاء أربعة وزراء إلى لجان مجلس النواب خلال شهر غشت.
وأعلنت الحكومة أنها ستطلب عقد جلسات استماع استثنائية لوزراء الدفاع مارغريتا روبليس، والداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، والخارجية خوسيه مانويل ألباريس، ووزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس.
وبحسب وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، ستقترح الحكومة مثول وزيرة الدفاع أمام اللجنة المختصة يوم 25 غشت، ووزير الرئاسة يوم 27 غشت، فيما سيحضر وزيرا الداخلية والخارجية يوم 28 غشت، وذلك لتقديم توضيحات حول تدبير الأزمة والهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة.
وتأتي هذه الخطوة بعدما بادر الحزب الشعبي المعارض إلى تسجيل طلبات مماثلة في مجلسي النواب والشيوخ، قبل أن تقرر الحكومة المثول أمام مجلس النواب باعتباره المؤسسة البرلمانية ذات الاختصاص الأوسع في هذا الملف.
ويشير استدعاء هذا العدد من الوزراء إلى اتساع دائرة الأسئلة التي خلفتها الأزمة، من تدبير الحدود والجانب الأمني والعسكري، إلى تدبير الهجرة والعلاقات مع المغرب، فضلا عن الجوانب المتعلقة بالقاصرين الذين وجدوا أنفسهم داخل المدينة عقب موجة العبور الجماعي.
سبتة “مهددة”
وفي تصريحاته عقب لقائه الملك، قال فيفاس إن سبتة تعيش “لحظة صعبة للغاية”، وإن سكانها يشعرون بأنهم “مهددون وهشون”، خصوصا مع استمرار تداول دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي في المغرب لتنظيم محاولة عبور جماعية جديدة في 15 غشت، إلى جانب تواريخ أخرى.
وقال المسؤول المحلي إن المدينة “لا تزال تعيش على أعصابها”، في إشارة إلى المخاوف من تكرار ما حدث قبل أيام، معتبرا أن ما وقع لا ينبغي اختزاله في أزمة هجرة عادية، بل يمثل، من وجهة نظره، مساسا بالحدود الإسبانية وبالسلامة الترابية للبلاد.
وربط فيفاس هذه المخاوف أيضا بخصوصية وضع سبتة، معتبرا أن حدودها توجد عمليا في مواجهة بلد ثاني لا يعترف بالسيادة الإسبانية على المدينة، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى منح “أولوية” أكبر لحدوده الجنوبية، بما فيها الحدود البرية مع المغرب.
بالمقابل، شدد المسؤول على أن سبتة تريد استمرار العلاقات الجيدة بين إسبانيا والمغرب، لكنه اعتبر أن هذه العلاقات ينبغي أن تقوم على “الاحترام”، مضيفا أن احترام العلاقات يبدأ، في نظره، باحترام الحدود الإسبانية.
مخاوف من “15 غشت”
وتأتي هذه التطورات بينما تواصل السلطات الإسبانية والمغربية التعامل مع تداعيات أزمة نهاية يوليوز، في وقت عادت فيه مواقع التواصل الاجتماعي إلى تداول رسائل ومنشورات تدعو إلى محاولة عبور جماعية جديدة نحو سبتة يوم 15 غشت.
ورغم عدم إعلان السلطات الإسبانية رسميا أن هذه الدعوات مرتبطة بالأزمة السابقة، فإن تزامن انتشارها مع حالة الاستنفار السياسي والأمني في سبتة يضيف عاملا جديدا إلى المشهد، خصوصا أن السلطات المغربية سبق أن أعلنت توقيف أشخاص يشتبه في إشرافهم على مجموعات عبر تطبيق “واتساب” استُخدمت للتحريض على الهجرة غير النظامية.
كما فتح القضاء الإسباني تحقيقا في ملابسات العبور الجماعي السابق، وطلبت المحكمة الوطنية من الحرس المدني تقريرا حول ما إذا كانت مصالحه قد تلقت، خلال الأيام التي سبقت أحداث 30 و31 يوليوز، معلومات أو إنذارات كان من شأنها أن تساعد في توقع وقوعها، فيما طلبت الشرطة الوطنية إعداد تقرير لتحديد ما إذا كان العبور الجماعي يمثل “عملا منسقا أو موجها” من طرف مجموعة إجرامية.
وتتزامن التحقيقات مع استمرار عمليات التعرف على الضحايا وتدبير ملف القاصرين، بعدما ارتفع عدد القاصرين الذين أحصتهم الشرطة الوطنية إلى 1342، وفق أحدث المعطيات الإسبانية، وسط ضغط استثنائي على منظومة الاستقبال في سبتة.
وبينما تستعد الحكومة الإسبانية لإعادة توزيع عدد من القاصرين على أقاليم أخرى خلال الأسابيع المقبلة، لا تزال المدينة تواجه تداعيات إنسانية وأمنية كبيرة، بعدما تجاوز عدد القاصرين الأجانب غير المصحوبين الذين تتكفل بهم سلطات سبتة ألف طفل، ما دفع السلطات إلى الاستعانة مؤقتا بمدارس عمومية كمراكز استقبال.
وفي الجانب القضائي، باشرت المحاكم المغربية بدورها متابعة عشرات الأشخاص على خلفية أحداث العبور الجماعي، حيث أعلنت مصادر حقوقية أن 34 شخصا، بينهم خمسة قاصرين، يتابعون أمام المحكمة الابتدائية بتطوان، بينما أحيل 52 شخصا آخرين على القضاء في الناظور، في حين صدرت أحكام في حق 11 شخصا تراوحت بين خمسة وستة أشهر حبسا وغرامات مالية، مع استمرار محاكمة 20 شخصا آخرين في قضايا مرتبطة بالعنف والتخريب وتسهيل الهجرة غير النظامية.
المصدر:
العمق