أثار الكاتب والأكاديمي المغربي حسن أوريد نقاشا واسعا بعد ربطه، في مقال تناول أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، بين أوضاع الشباب الراغب في الهجرة وتحولات بنية الأسرة المغربية، معتبرا أن قسما من النازحين ينحدر من أسر ذات ولي واحد، وأن ذلك يمثل أحد آثار مدونة الأسرة.
وجاء هذا الطرح ضمن مقال نشره أوريد، الاثنين 3 غشت 2026، على موقع قناة الجزيرة تحت عنوان “البحر أمامكم” ، قبل أن يشارك رابطه عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، حيث انصب جانب من تعليقات المتابعين على الفقرة المتعلقة بمدونة الأسرة، وسط مطالب بالكشف عن المعطيات والدراسات التي استند إليها الكاتب.
واعتبر منتقدون أن أوريد انتقل من معاينة مشاهد عشرات الآلاف من الشباب المتوجهين نحو سبتة إلى استخلاص نتائج بشأن أوضاعهم الأسرية، من دون تقديم إحصاءات أو نتائج بحث ميداني، محذرين من أن هذا الربط قد يؤدي إلى وصم أبناء الأسر ذات الولي الواحد وتحميل مدونة الأسرة مسؤولية ظاهرة اجتماعية مركبة.
ولم يقتصر مقال أوريد على مسألة الأسرة، بل قدم قراءة سياسية واجتماعية واسعة لأحداث سبتة، معتبرا أن العبور الجماعي أعاد القضية الاجتماعية إلى واجهة النقاش، وكشف تراجع أدوار الأحزاب والمجتمع المدني والصحافة والمدرسة في تأطير المواطنين وتوعيتهم.
كما تحدث الكاتب عن وجود اقتصاد مزدوج لا تستفيد منه فئات واسعة من المغاربة، وعن صعوبة الولوج إلى العلاج وفرص الشغل، معتبرا أن هذه الأوضاع أفضت إلى تشكل بنيتين اجتماعيتين متنافرتين، وإلى اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي بشأن الإنجازات والواقع الذي تعيشه فئات من الشباب.
غير أن الجدل تركز على انتقال أوريد إلى الحديث عن فئة الشباب غير المندمج في الشغل أو التعليم، المعروفة اختصارا بـ”NEET”، إذ اعتبر أنها لم تعد تحمل الغضب وحده، بل أصبحت تحمل العنف أيضا، قبل أن يربط أوضاعها بما وصفه بآثار مدونة الأسرة.
وقال أوريد إن المدونة “قلصت سلطة الأب”، وجعلت العلاقة الزوجية قائمة على التكافؤ بدل التكافل والتكامل، مضيفا أن “عددا كبيرا من النازحين هم أبناء أسر من ولي واحد”، قبل أن يصفهم بأنهم من “نتاج مدونة الأسرة”.
وفي تعليق على المنشور الرسمي لأوريد، توقف الناشط محمد بن عيسى عند استعمال عبارة “عدد كبير”، معتبرا أنها تمثل حكما وصفيا يفترض توفر الكاتب على معطيات إحصائية أو دراسة ميدانية تحدد حجم هذه الفئة، وتكشف الأوضاع الأسرية والاجتماعية للشباب الذين حاولوا العبور نحو سبتة.
وقال بن عيسى، بنبرة نقدية، إن أوريد كان في طريقه إلى حفل الاستقبال بمناسبة عيد العرش عندما شاهد مجموعات الشباب المتوجهة نحو الشمال، ولم يجر مقابلات معهم لمعرفة خصائصهم الاجتماعية أو أوضاعهم الأسرية ودوافع هجرتهم.
واعتبر المتحدث أن وصف الشباب بأنهم أبناء أسر ذات ولي واحد يحمل دلالة قدحية في السياق الثقافي المغربي، وقد يحول البنية الأسرية إلى وصمة اجتماعية، خصوصا عندما تقترن في التحليل بالعنف والانحراف والهجرة غير النظامية.
كما رأى أن الانتقال مباشرة من مدونة الأسرة إلى تفسير حركة العبور نحو سبتة يمثل قفزة تفسيرية لا يسندها المقال بأدلة، موضحا أن الهجرة غير النظامية ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية ومؤسساتية، ولا يمكن اختزالها في متغير واحد يتعلق بشكل الأسرة أو بتوزيع السلطة داخلها.
واستحضر بن عيسى المسار الرسمي السابق لحسن أوريد، الذي شغل منصب أول ناطق رسمي باسم القصر الملكي بين سنتي 1999 و2005، وهي الفترة التي شهدت إطلاق ورش مراجعة مدونة الأحوال الشخصية، قبل إعلان مدونة الأسرة سنة 2003 واعتمادها تشريعيا سنة 2004.
واعتبر المعلق أن نسبة الأوضاع الحالية إلى “نتاج مدونة الأسرة” تثير تساؤلات بالنظر إلى وجود أوريد داخل المؤسسة الملكية خلال تلك المرحلة، محذرا من أن الطرح يحمل حكما قيميا ضمنيا على جيل كامل، ويوحي بأن أبناء الأسر التي تشكلت في ظل المدونة أكثر ميلا إلى الانحراف والعنف، من دون تقديم برهان علمي يدعم هذا الاستنتاج.
وفي تعليق آخر تفاعلي مع منشور أوريد، أبدت زهور الشرقاني اتفاقها مع عدد من الأفكار الواردة في المقال، لكنها اعترضت على ربط النازحين بمدونة الأسرة والأسر ذات الولي الواحد، متسائلة عن السند المعتمد، وما إذا كان الكاتب يتوفر على إحصاءات تدعم هذه الخلاصة.
ودعت الشرقاني إلى إنجاز دراسات ميدانية تقرب الباحثين وصناع القرار من الجيل المحتج، وتساعد على فهم الطريقة التي ينظر بها إلى مستقبله وإلى المؤسسات السياسية والاجتماعية المحيطة به.
ونقلت المعلقة النقاش من بنية الأسرة إلى أزمة المشاركة السياسية، معتبرة أن المطلوب كان تسهيل تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية، وإطلاق عملية لتطهير الأحزاب ومحاربة الفساد داخل المؤسسات، وفتح المجال أمام ممثلين شباب قادرين على التعبير عن تطلعات جيلهم.
ولفتت إلى أن قسما من الشباب يسارع إلى مغادرة الوطن بمجرد ظهور منفذ صغير نحو أوروبا، متسائلة عما يمكن أن يحدث إذا فُتحت الحدود أمامهم بطريقة قانونية، في إشارة إلى أن الرغبة في الهجرة قد تكون أوسع من الفئة التي شاركت فعليا في محاولات العبور.
وانتقل الجدل من تعليقات المتابعين إلى قراءة تحليلية حملت اسم منصة “MigraPress” المتخصصة في قضايا الهجرة، اعتبرت أن مقال أوريد يثير أسئلة منهجية بشأن تفسير الأحداث واللغة المستخدمة في وصف المرشحين للهجرة.
ورأت القراءة أن ربط محاولات الوصول إلى سبتة بتحولات الأسرة وإصلاح مدونة الأسرة يمثل النقطة الأكثر هشاشة في المقال، لعدم تقديم بيانات تثبت أن غالبية الشباب المشاركين في العبور ينحدرون من أسر ذات ولي واحد، أو أن قرارهم بالهجرة ناتج عن الإصلاح القانوني للأسرة أو تراجع سلطة الأب.
واعتبرت الوثيقة أن المقال بنى سلسلة سببية تنتقل من إصلاح الأسرة إلى تراجع السلطة الأبوية، ثم إلى العنف والهجرة، من دون إثبات الروابط بين هذه العناصر، واصفة هذا التفسير بأنه أقرب إلى فرضية فكرية منه إلى خلاصة علمية مؤسسة على بحث ميداني.
وشددت القراءة على أن قرارات الهجرة تنتج عن تفاعل عوامل متعددة، تشمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، والسياسات الأوروبية المتعلقة بالحدود واللجوء، وقرارات القضاء الإسباني، والشبكات العابرة للحدود، والمهربين، إضافة إلى دور منصات التواصل الاجتماعي في نشر الإشاعات وصور النجاح في الوصول إلى أوروبا وتنسيق بعض التحركات.
كما سجلت أن مقال أوريد تحدث عن المهاجرين أكثر مما نقل أصواتهم وتجاربهم، ولم يقدم شهادات تجيب عن أسئلة دوافعهم وتصوراتهم لأوروبا والمشاريع التي يرغبون في بنائها بعد الهجرة. وامتد نقد “MigraPress” إلى المصطلحات التي استخدمها أوريد في وصف المرشحين للهجرة، ومن بينها “الجحافل” و”الطوفان البشري” و”الاقتحام” و”الهروب الكبير” و”النازحون”.
واعتبرت القراءة أن هذه الكلمات ليست محايدة، لأنها تقدم الشباب في صورة كتلة بشرية متجانسة ومهددة، بدل التعامل معهم باعتبارهم أفرادا يحمل كل واحد منهم مسارا ودوافع وظروفا مختلفة. وبحسب الوثيقة، فإن هذا المعجم يقترب من اللغة الأمنية المستعملة في بعض الخطابات الأوروبية بشأن الهجرة، وقد يساهم في تكريس صورة المهاجر بوصفه خطرا، رغم أن المقال نفسه ينتقد السياسات التي تختزل الهجرة في بعدها الأمني.
وفي المقابل، أقرت القراءة بأن مقال أوريد أصاب في تشخيص عدد من مظاهر الأزمة الاجتماعية بالمغرب، وفي إبراز التناقض بين الإنجازات الاقتصادية الكبرى وشعور فئات من الشباب بالإقصاء وغياب الأفق، لكنها اعتبرت أن هذا التشخيص فقد جزءا من قوته عندما انتقل إلى تحميل تحولات الأسرة مسؤولية العنف والهجرة من دون معطيات داعمة.
المصدر:
العمق