رفعت أقسام الشؤون الداخلية بعدد من عمالات وأقاليم جهة الدار البيضاء-سطات تقارير إلى المصالح المركزية بوزارة الداخلية، تتضمن معطيات بشأن تحركات جمعوية يشتبه في ارتباطها بالتحضير غير المعلن للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وسط مخاوف من توظيف الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية لبناء قواعد انتخابية لفائدة مرشحين محتملين.
وبحسب مصادر عليمة لجريدة “العمق”، فإن التقارير المنجزة لا تتعلق بمجرد حضور مسؤولين سياسيين لأنشطة مدنية مفتوحة، وإنما بمؤشرات مجتمعة، تشمل ارتفاعا مفاجئا في وتيرة بعض الأنشطة، وتكرار ظهور الأسماء السياسية نفسها، وعقد لقاءات محدودة الحضور بعيدا عن الأضواء، إلى جانب الاشتباه في توجيه المبادرات إلى مناطق تدخل ضمن دوائر انتخابية بعينها.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن المصالح الترابية رصدت اجتماعات شارك فيها رؤساء وأعضاء جمعيات وشخصيات ذات ارتباط بالشأن السياسي والانتخابي، جرى خلالها، وفق المصادر، التداول في كيفية توسيع الحضور الميداني داخل الأحياء والتجمعات السكانية خلال المرحلة السابقة للاقتراع.
وسجلت التقارير ارتفاعا في عدد التظاهرات الرياضية واللقاءات الثقافية والمبادرات الاجتماعية التي تنظمها بعض الجمعيات، مقابل حضور متكرر لمرشحين محتملين أو منتخبين يسعون إلى تجديد مواقعهم داخل مجلس النواب.
ولا يتعلق الاشتباه، حسب المصادر، بتنظيم النشاط في حد ذاته، وإنما بطريقة تقديم الشخصيات السياسية خلاله، وحجم المساحة الممنوحة لها للتواصل مع المستفيدين، واستعمال صورها وأسمائها في الترويج للمبادرات، إلى جانب احتمال مساهمتها في تمويل الأنشطة أو توفير تجهيزاتها.
وتثير هذه التحركات انتباه السلطات بالنظر إلى أن عددا من الجمعيات المعنية راكم خلال السنوات الماضية حضورا واسعا داخل الأحياء الشعبية والوسط القروي، وأصبح يتوفر على شبكات من المستفيدين والمتطوعين وأسر الأطفال والشباب المشاركين في أنشطته، ما يمنحه قدرة كبيرة على الوصول المباشر إلى كتل انتخابية يصعب على التنظيمات الحزبية التقليدية بلوغها بالفاعلية نفسها.
تكتسب الجمعيات الثقافية والرياضية والاجتماعية تأثيرها من طبيعة الخدمات التي تقدمها بصورة يومية، بدءا من تدبير ملاعب القرب وتنظيم الدوريات، مرورا بالدعم المدرسي والقوافل الطبية، وصولا إلى توزيع المساعدات وتنظيم المناسبات المحلية. وتسمح هذه الأنشطة ببناء علاقة ثقة مباشرة مع السكان، بعيدا عن الخطاب الحزبي التقليدي، قبل أن يتحول الرصيد الاجتماعي المتراكم، في بعض الحالات، إلى أداة للتعريف بشخصية سياسية أو تعزيز حضورها داخل دائرة انتخابية.
وتخشى السلطات، وفق المصادر، من أن تصبح بعض الجمعيات واجهات غير معلنة للحملات الانتخابية، بحيث تستمر رسميا في ممارسة أنشطة رياضية أو اجتماعية، بينما توجه برامجها جغرافيا وزمنيا لخدمة مترشح معين أو تسويق صورته لدى الناخبين، حيث تتقاطع هذه المعطيات مع تقارير سابقة نشرتها جريدة “العمق” بشأن محاولات توظيف ملاعب القرب والجمعيات الرياضية انتخابيا، بعد رصد إعادة فتح ملفات تدبير مرافق رياضية ودعم جمعيات ظلت معلقة لأشهر، قبل تسريعها مع اقتراب موعد الانتخابات.
وأكدت مصادر الجريدة أن رجال السلطة، من قياد وباشوات وخلفاء قياد، كثفوا خلال الفترة الأخيرة عمليات التتبع الميداني للأنشطة الجمعوية، مع إعداد تقارير دورية ترصد طبيعة الفعاليات المنظمة، ومصادر تمويلها، وهوية الشخصيات الحاضرة فيها، ومدى تكرار ظهور مرشحين محتملين داخلها.
ويشمل التتبع أيضا استخدام القاعات والملاعب والمراكز الثقافية التابعة للجماعات الترابية، وطريقة منح الجمعيات حق استغلالها، ومدى احترام مبدأ المساواة في الاستفادة منها، خصوصا إذا كانت الأنشطة المنظمة داخلها تحمل رسائل ترويجية مباشرة أو غير مباشرة لشخصيات سياسية.
كما تركز التقارير على الدعم العمومي الذي تستفيد منه بعض الجمعيات، للتأكد من عدم تحويله عن الأهداف المحددة في اتفاقيات الشراكة أو دفاتر التحملات، وعدم استعمال تجهيزات أو فضاءات ممولة من المال العام في خدمة حملة انتخابية.
ويتزامن تحرك المصالح الترابية مع دخول المنظومة الوطنية لتتبع الانتخابات حيز التنفيذ، حيث أعلنت وزارة الداخلية، يوم 20 يوليوز 2026، تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، إلى جانب لجان إقليمية وجهوية على المستوى الترابي.
وتتكون اللجان الإقليمية، في كل عمالة أو إقليم وعمالة مقاطعات، من الوالي أو العامل والوكيل العام للملك أو وكيل الملك، بينما تتولى اللجان الجهوية مواكبة عملها على صعيد الجهات.
وحددت الوزارة مهمة هذه اللجان في صيانة سلامة وصدق العمليات الانتخابية، والتصدي لكل ما قد يمس بها، وضبط المخالفات فور توفر المعطيات اللازمة، مع تحريك مساطر البحث أو المتابعة القضائية عند الاقتضاء، ابتداء من المرحلة الحالية وإلى غاية إعلان النتائج، وفق البلاغ الرسمي لتفعيل لجان التتبع .
ويمنح هذا التنظيم التقارير التي ترفعها السلطات الترابية مسارا مؤسساتيا، إذ يمكن إحالتها على اللجان الإقليمية أو الجهوية لتقييمها، قبل رفع الحالات التي تتضمن مؤشرات جدية إلى اللجنة المركزية أو الجهات القضائية المختصة.
من الناحية القانونية، لا يشكل حضور سياسي أو مرشح محتمل في نشاط جمعوي مخالفة في حد ذاته. فالفصل 12 من الدستور يكفل للجمعيات ممارسة أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون، ويمنح الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام دورا في الديمقراطية التشاركية وإعداد القرارات العمومية وتفعيلها وتقييمها.
كما أن وصف نشاط بأنه “حملة انتخابية مبكرة” لا يكفي وحده لإثبات مخالفة، لأن الحملة الرسمية لم تبدأ بعد، حيث حدد المرسوم رقم 2.26.190 موعد الحملة من الساعة الأولى ليوم الخميس 10 شتنبر إلى منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر 2026، على أن يجرى الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر، بحسب الإعلان الحكومي الرسمي.
غير أن عدم انطلاق الحملة الرسمية لا يعني أن المرحلة الحالية خالية من القيود القانونية. فالمواد 62 إلى 64 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، كما جرى تعديله سنة 2026، تعاقب على تقديم الهدايا أو التبرعات أو المنافع بقصد التأثير في تصويت الناخبين، خلال الفترة الممتدة من نشر المرسوم المحدد لتاريخ الاقتراع إلى غاية إعلان النتائج.
وتتراوح العقوبات المقررة لهذه الأفعال بين سنتين وخمس سنوات حبسا وغرامات من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم، مع ترتيب آثار تمس الحق في التصويت والترشح عند صدور الإدانة. لكن تطبيق هذه المقتضيات يظل مشروطا بإثبات القصد الانتخابي والعلاقة بين المنفعة المقدمة ومحاولة التأثير في اختيار الناخب، ولا يكفي مجرد تنظيم مبادرة اجتماعية أو توزيع مساعدات لإثبات الجريمة.
ويزداد الوضع أكثر أهمية عندما تكون الجمعية مستفيدة من إعانات عمومية أو مكلفة بتدبير مرفق تابع لجماعة ترابية. فظهير تأسيس الجمعيات يلزم الجمعيات التي تتلقى دوريا إعانات تتجاوز عشرة آلاف درهم من جماعة ترابية أو مؤسسة عمومية أو شركة تساهم الدولة أو الجماعات في رأسمالها، بتقديم حساباتها إلى الهيئات المانحة، مع خضوعها لمقتضيات الرقابة المالية.
وبالتالي، فإن ثبوت استعمال دعم جمعوي أو تجهيزات ومرافق عمومية للترويج لمترشح محتمل يمكن أن يفتح أكثر من مستوى للمساءلة، يبدأ بمراقبة احترام اتفاقية الدعم أو التدبير، وقد يمتد إلى البحث في شبهة تحويل المال العام أو التأثير غير المشروع في الناخبين.
كما يخضع المترشحون والأحزاب لقواعد دقيقة في تمويل الحملات الانتخابية، تشمل بيان مصادر التمويل، وفتح حساب بنكي خاص، وإيداع حساب الحملة مرفقا بالوثائق المثبتة للمصاريف. ويصل سقف مصاريف كل مترشح لانتخابات مجلس النواب إلى 500 ألف درهم، وفق توضيحات المجلس الأعلى للحسابات .
ومن شأن تمويل أنشطة دعائية عبر جمعية، إذا ثبت ارتباطها المباشر بمترشح، أن يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت تلك النفقات تشكل تمويلا انتخابيا غير مصرح به أو محاولة لإخفاء جزء من مصاريف الحملة خارج الحسابات الرسمية.
لا تقف عملية التتبع، بحسب المصادر، عند تسجيل حضور شخصية سياسية في نشاط مدني، وإنما تركز على مجموعة من المؤشرات، من بينها تكرار حضور المرشح نفسه، وظهور شعارات أو خطابات تمجده، وتمويله النشاط بصورة مباشرة أو غير مباشرة، واستعمال قواعد بيانات المستفيدين للتواصل الانتخابي، وتوجيه المبادرات إلى الأحياء التي يعتزم الترشح داخلها.
وتشمل المؤشرات أيضا تحويل أنشطة الجمعية عن برنامجها السنوي المعتاد، وتنظيم مبادرات مكثفة في فترة زمنية قصيرة، وتقديم مساعدات أو خدمات مقرونة بإبراز اسم شخص معين، أو إشراك أعضاء الجمعية في عمليات التعبئة السياسية والترويج الرقمي، غير أن الانتقال من مرحلة المؤشرات إلى إثبات المخالفة يتطلب، قانونيا، تحديد طبيعة التمويل والجهة المستفيدة والقصد الانتخابي، والاستماع إلى الأطراف المعنية، مع احترام قرينة البراءة وحق الجمعيات في ممارسة أنشطتها المدنية بصورة حرة.
ويضع هذا الملف السلطات أمام معادلة تقوم من جهة على حماية تكافؤ الفرص ومنع استغلال النفوذ الجمعوي والمال العام في توجيه الناخبين، ومن جهة أخرى على عدم التضييق على العمل المدني المشروع أو اعتبار كل تواصل بين الجمعيات والفاعلين السياسيين نشاطا انتخابيا محظورا.
وتواصل المصالح الإقليمية، وفق مصادر “العمق”، جمع المعطيات ورفع التقارير بشأن الحالات التي ترى أنها تتجاوز العمل الجمعوي العادي، على أن تتحدد طبيعة الإجراءات اللاحقة بناء على قوة المؤشرات المتوفرة، وما إذا كانت تستدعي تدقيقا ماليا أو بحثا إداريا أو إحالة على اللجان المكلفة بتتبع الانتخابات والنيابة العامة.
ويبقى الاختبار الأساسي لهذه المقاربة في قدرتها على تطبيق المعايير نفسها على جميع الجمعيات والمترشحين، بصرف النظر عن انتماءاتهم ومواقعهم، مع نشر المعطيات الرسمية كلما ترتبت عنها إجراءات أو متابعات، بما يحمي نزاهة الانتخابات من جهة، ويحافظ على استقلالية المجتمع المدني وحريته من جهة أخرى.
المصدر:
العمق