عزز المغرب جاهزيته لمواجهة حرائق الغابات بمنظومة تدخل متكاملة، تشارك فيها القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والوقاية المدنية والقوات المساعدة والسلطات المحلية، مدعومة بأسطول جوي يضم ثماني طائرات من طراز “كنادير”، و15 طائرة “توربو تراش”، ومروحيتين من نوع “سوبر بوما”، إلى جانب أزيد من 2800 مراقب وحارس غابوي موزعين على مختلف جهات المملكة.
وتضطلع القوات المسلحة الملكية بدور محوري داخل هذه المنظومة، من خلال تسخير إمكانياتها الجوية والبشرية والتقنية للتدخل السريع عند اندلاع الحرائق، في إطار خطة وطنية استباقية تقوم على التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية بالرصد والإنذار والإخماد، حيث تشارك في تنفيذ هذه الخطة، إلى جانب القوات المسلحة الملكية، كل من الدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية والسلطات المحلية والمركز الوطني لتدبير المخاطر المناخية الغابوية والوكالة الوطنية للمياه والغابات والمديرية العامة للأرصاد الجوية.
يتم تدبير حرائق الغابات وفق تصنيف وطني يتكون من أربعة مستويات، تحدد على أساسه طبيعة الوسائل البشرية والتقنية الواجب تعبئتها، إذ تتولى فرق التدخل البري احتواء الحرائق المصنفة ضمن المستوى الأول، بينما يبدأ اللجوء إلى وسائل الإخماد الجوي، وفي مقدمتها طائرات “كنادير”، ابتداء من المستوى الثاني.
أما المستوى الثالث، فيستدعي تعبئة الوحدات الجوية التابعة للدرك الملكي، في حين يتيح المستوى الرابع، عند الضرورة، إمكانية طلب المساعدة الدولية، خصوصا عندما تتجاوز النيران الإمكانيات الوطنية المتاحة أو تهدد مساحات غابوية واسعة وتجمعات سكانية، فيما يؤمن أسطول “كنادير”، المتمركز بالقاعدة الجوية الثالثة بالقنيطرة، جزءا أساسيا من عمليات الإخماد الجوي، بالنظر إلى قدرته على الوصول بسرعة إلى بؤر النيران والتزود بالمياه من البحر أو السدود والبحيرات القريبة.
وفي هذا السياق، أكد الرائد بلحاج أنس، قائد طائرة “كنادير”، أن هذه الطائرة البرمائية المتخصصة في إخماد حرائق الغابات تتميز بقدرتها على الهبوط فوق المسطحات المائية والتزود بالمياه مباشرة، دون الحاجة إلى العودة إلى المطار بين عمليات الإلقاء، مبرزا أن الطائرة تحتاج إلى نحو 12 ثانية فقط لجمع أكثر من ستة آلاف لتر من المياه، قبل التوجه مباشرة نحو بؤرة الحريق وتفريغ حمولتها فوق المواقع المستهدفة.
وأضاف بلحاج أن الخصائص التقنية للطائرة تمكنها من العمل في ظروف صعبة والوصول إلى المناطق الجبلية والغابات الوعرة التي يصعب على فرق وآليات التدخل البري بلوغها. ويتكون طاقم “كنادير” من طيارين اثنين يعملان بتنسيق دقيق خلال مختلف مراحل المهمة، بدءا من الإقلاع والتوجه نحو مصدر المياه، مرورا بعملية التزود، ووصولا إلى التحليق على ارتفاع منخفض فوق بؤرة الحريق وإفراغ الحمولة.
من جهته، أكد المقدم بدر بوراسي، قائد سرب مكافحة الحرائق بالقاعدة الجوية الثالثة بالقنيطرة، أن المهمة الأساسية للسرب تتمثل في حماية الغابات والساكنة والممتلكات، والتدخل بسرعة وفعالية فور تسجيل أي حريق، مضيفا أن نجاح العمليات الجوية يقوم على الجاهزية المستمرة للأطقم الجوية والتقنية، وعلى مستوى الانسجام بين الطيارين والتقنيين ومختلف المتدخلين داخل مراكز القيادة وعلى الأرض.
وشدد المسؤول العسكري على أن سرعة الاستجابة تظل عاملا حاسما في منع انتشار النيران وتقليص خسائرها، لافتا إلى أن سرب مكافحة الحرائق يشارك سنويا في الحملة الوطنية، كما سبق له تنفيذ مهام خارج المملكة في إطار التعاون مع عدد من الدول الصديقة، مؤكدا أن شعار السرب يظل “الجاهزية والاحترافية وخدمة الوطن”، بالنظر إلى طبيعة المهام التي تنفذ غالبا في ظروف جوية وتضاريسية صعبة.
تشارك مروحيتان تابعتان للدرك الملكي من طراز “EC225 Super Puma” في عمليات الإخماد الجوي، بعدما تم تزويدهما بنظام حديث يتكون من خزان يركب أسفل المروحية، بسعة تصل إلى نحو 2500 لتر من الماء أو المواد المانعة لانتشار الحريق.
وأوضحت المساعد أفشكو فاطمة الزهراء أن هذه المروحيات يمكنها إعادة التزود بالمياه من بحيرة أو سد أو مصدر مائي قريب من بؤرة الحريق في غضون نحو 20 ثانية فقط، مضيفة أن النظام الجديد، إلى جانب كفاءة طياري الدرك الملكي والتنسيق المستمر مع الفرق الميدانية والسلطات المحلية، يسمح بتنفيذ التدخلات بدرجة عالية من الدقة والسرعة، خصوصا في المناطق التي يصعب على الطائرات الكبيرة العمل داخلها.
كما تضم الترسانة الجوية المعبأة لمواجهة حرائق الغابات أيضا 15 طائرة من طراز “توربو تراش”، وهي طائرات متخصصة تتميز بقدرتها على التدخل السريع وإلقاء المياه أو المواد المخصصة لإبطاء انتشار النيران، حيث أكد المساعد محمد ديبا، ربان إحدى هذه الطائرات، أن سعة خزان “توربو تراش” تتراوح بين ألفي و2500 لتر، بينما يصل مداها التشغيلي إلى أربع ساعات ونصف من الطيران.
وأوضح أن تنفيذ عمليات الإلقاء يستوجب التوفيق بين سرعة الوصول إلى بؤرة الحريق واحترام متطلبات السلامة، بالنظر إلى ضرورة التحليق على ارتفاعات منخفضة وفي ظروف تتسم بارتفاع درجات الحرارة وكثافة الدخان واضطراب حركة الهواء، مشيرا إلى أن جميع العمليات تنفذ بتنسيق مباشر مع مركز القيادة والسلطات المحلية والفرق العاملة على الأرض، بهدف تحديد المواقع الأكثر خطورة وتوجيه عمليات الإلقاء نحو النقاط التي يمكن أن تحد من تمدد ألسنة اللهب.
تواكب الجاهزية العملياتية للطائرات منظومة صيانة استباقية ودورية، إذ تخضع خارج موسم الحرائق لعمليات صيانة ثقيلة تمتد عدة أشهر، وتشمل فحص وإصلاح أنظمة الهبوط وخزانات المياه والمحركات ومعدات الملاحة والاتصالات. كما تنفذ عمليات صيانة يومية خلال فترة التدخل، لمعالجة التأثيرات الناجمة عن ملوحة مياه البحر والدخان والحرارة المرتفعة، بما يضمن استمرار جاهزية الأسطول وسلامة الأطقم الجوية.
وقال العميد الجوي راشيد عقاوي، قائد القاعدة الجوية للدعم العام للقوات الملكية الجوية، إن الخبرة المكتسبة في الصيانة الكبرى لطائرات “كنادير” مكنت القاعدة من إعادة إدخال الطائرات إلى الخدمة في حالة تشغيلية كاملة، مع الالتزام بمعايير صلاحية وسلامة الطيران، مضيفا أن هذه القدرة، القائمة على كفاءات وطنية مائة في المائة، تتيح تقليص مدة توقف الطائرات عن العمل، وتحسين جاهزية الأسطول، وتعزيز السيادة الوطنية في مجال الصيانة الجوية الثقيلة.
من جهتها، أوضحت المساعد أول جموع رحمة، التقنية في منظومة إلكترونيات طائرة “كنادير”، أن عمليات الصيانة تشمل إعادة تأهيل معدات الأفيونيك وشبكات الأسلاك الكهربائية، باعتبارها من الأنظمة الأساسية في الملاحة والاتصالات والمراقبة. وتشمل العملية فحص الأجهزة الإلكترونية وإصلاح المكونات المتضررة أو استبدالها، والتأكد من سلامة مختلف التوصيلات الكهربائية، بما يرفع موثوقية الأنظمة ومستوى السلامة أثناء تنفيذ المهام الجوية.
وبموازاة التدخل الجوي، عبأت الوكالة الوطنية للمياه والغابات أزيد من 2800 مراقب وحارس غابوي موزعين على مختلف جهات المملكة، يتولون مهام المراقبة والكشف المبكر عن الحرائق وتوجيه الإنذارات إلى مراكز القيادة، حيث أكد المدير العام للوكالة، عبد الرحيم هومي، أن منظومة التدخل البرية تضم سيارات للتدخل الأولي، إلى جانب شاحنات وتجهيزات الوقاية المدنية ووحدات متخصصة تابعة للقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات المساعدة والسلطات المحلية.
وأوضح أن مختلف هذه الوسائل تعمل وفق قيادة موحدة وتنسيق دائم، بما يسمح بالانتقال من مرحلة الرصد والإنذار إلى التدخل البري والجوي في أقصر مدة ممكنة.
وتعكس هذه المنظومة، القائمة على التنسيق المؤسساتي والإنذار المبكر والتكوين والصيانة المتخصصة، توجه المغرب نحو تعزيز قدرته على مواجهة حرائق الغابات والحد من خسائرها، خصوصا خلال فصل الصيف الذي يشهد ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر اندلاع النيران وانتشارها بسرعة.
المصدر:
العمق