أكدت جريدة “إلباييس” الإسبانية أن أزمة الهجرة الجماعية إلى سبتة المحتلة أظهرت الخلافات السياسية الجوهرية القائمة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وأشارت الجريدة أن سياسة الهجرة هي حاليًا القضية الأكثر إشكالية في الاتحاد الأوروبي، حيث يدفع اليمين المتطرف، وينضم اليمين، وحتى يسار الوسط الاسكندنافي، إلى هذه الموجة التي لا تمت بصلة تُذكر بالقيم التي تدّعي أوروبا الدفاع عنها.
وتطرقت للحملة التي تعرضت لها مدريد بعد تنفيذها لبرنامج تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين، وسياسات الانفتاح التي تُفسّر جزئيًا نمو ناتجها المحلي الإجمالي، الذي يفوق المتوسطات الأوروبية بكثير، لافتة إلى أن هذه الحملة تضاعفت أكثر بعد تدفق أكثر من 60 ألف شخص إلى سبتة، مما أدى إلى أزمة كبيرة وأكد عزلة إسبانيا في هذه القضية الشائكة.
وعرضت الجريدة الانتقادات التي أطلقتها 22 دولة، بقيادة الشعبوية الإيطالية جورجيا ميلوني والديمقراطية الاجتماعية الدنماركية ميتي فريدريكسن، بحق إسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز بشدة بعد تدفق المهاجرين من سبتة، مستخدمةً مزيجاً غريباً من الحقائق البديلة وتجاهلاً متعمداً للقيم الأوروبية.
واعتبرت ان رد الفعل البارد لرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، غذى الانتقادات التي تعرضت لها مدريد، على الرغم من أن الدبلوماسية الألمانية غيّرت موقفها يوم الاثنين، بعد اقتراب نهاية الأزمة، وعودة أغلب المهاجرين إلى المغرب.
ونقلت “إلباييس” عن مصادرها بأن مدريد ستطالب بتضامن أكبر من شركائها في قمة وزراء الداخلية المرتقب عقدها غدا الثلاثاء، وستنتقد ما وصفه بيدرو سانشيز بـ”رد فعل أناني ومثير للانقسام وغير قانوني” لبعض الدول الأوروبية، والمدفوع بـ”التحيز والأخبار الكاذبة والجهل أو المصالح السياسية”.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة على مجريات الاجتماع عرضتها الجريدة، بدأت ملامح التضامن، ولو لفظيًا، بالظهور خلال اجتماع السفراء الذي عُقد يوم الاثنين الماضي استعدادًا للاجتماع الوزاري الافتراضي. وتؤكد هذه المصادر نفسها على الطابع البنّاء للاجتماع، مع الإشارة إلى أن إسبانيا أعربت عن استيائها من رد فعل شركائها، وسلطت الضوء، بنبرة لاذعة، على الاختلافات بين قضية سبتة وحوادث مماثلة سابقة، مثل تلك التي وقعت عام 2021 على حدود بولندا وليتوانيا مع بيلاروسيا. وُصفت تلك الحوادث السابقة بأنها “هجمات هجينة”، وأدانتها أوروبا بأكملها، بما فيها إسبانيا، وأبدت تضامنها معها؛ أما وضع سبتة، من جهة أخرى، فهو “أزمة هجرة غير مقبولة” تتحمل إسبانيا مسؤوليتها، وفقًا للرسالة الموقعة من 22 دولة.
ولفتت إلى أنه رغم إيجابية نبرة هذا التبادل الأولي، فقد اتضح أيضًا استمرار وجود خلافات سياسية جوهرية: فالمثال الذي يُستشهد به علنًا وسرًا هو دائمًا قضية التسوية الجماعية لأوضاع المهاجرين. وتتوقع مصادر حكومية اجتماعًا “متوترًا ومطولًا” يوم الثلاثاء المقبل، وتقرّ بأن العديد من الشركاء يصرّون على دور التسوية في أزمة سبتة، “رغم كل المؤشرات التي تدل على ضآلة هذا الدور”.
وأكدت “إلباييس” أن إسبانيا كانت من أشدّ المنتقدين الأوروبيين لإسرائيل وترامب في الآونة الأخيرة؛ ففي نهاية المطاف، يُرجّح أن تكون محاربة اليمين المتطرف هي المحور الرئيسي لحملة الرئيس بيدرو سانشيز الانتخابية المقبلة. وفي بعض القضايا، كغزة، يميل الإجماع إلى موقف إسبانيا. لكن في خضمّ ذلك، اكتسب سانشيز عدوًا لدودًا، هو دونالد ترامب، وتعرّض لانتقادات متزايدة من شركاء أوروبيين أكثر انشغالًا بالحرب في أوكرانيا ورفض إسبانيا إنفاق 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع. وعادت هذه العداوة تجاه الترامبية إلى الظهور يوم الأربعاء الماضي: فقد أيّد سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي، أندرو بوزدر، الرسالة التي روّجت لها إيطاليا والدنمارك في منشور على شبكة التواصل الاجتماعي “إكس”.
وبحسب الجريدة تُسلّط أزمة سبتة التي تُعتبر في جوهرها أزمة جيوسياسية أكثر منها أزمة هجرة، الضوء على افتقار سانشيز الحالي للدعم في بروكسل، لأن فرنسا والبرتغال وأيرلندا ولوكسمبورغ فقد من رفضوا التوقيع على رسالة ميلوني وفريدريكسن. ومع ذلك، وبعد تجاوزات الساعات الأولى، بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها. وقد خفّفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي انضمت في البداية إلى جوقة الأصوات المنتقدة، من حدّة خطابها، في ما وصفته مصادر إسبانية بأنه “تغيير جذري في الموقف”.
وأوضحت أنه من المرتقب أن تدافع إسبانيا في اجتماع داخلية الاتحاد الأوروبي عن جهودها للسيطرة على تدفقات المهاجرين من موريتانيا والسنغال وغامبيا، وكذلك المغرب، معتبرة أنه على الرغم من الجهود الدبلوماسية الدؤوبة التي بذلها سانشيز وألباريس وغراندي مارلاسكا، فإن تعاون الرباط، أو على الأقل تواطؤها، في تدفق المهاجرين في نهاية الأسبوع الماضي بات واضحًا بشكل متزايد، كما أشارت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلز، وكما ندّد به العديد من المحللين.
وخلصت إلى أن التركيز على قضية الهجرة ليس سوى ستار يخفي انقسامًا أعمق داخل الاتحاد الأوروبي، فخلال موجة المهاجرين الأقل عددًا في عام 2021، كان رد الفعل إجماعيًا ومتضامنًا؛ أما هذه المرة، فالوضع مختلف. ويؤكد مارغريتيس شيناس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق ووزير الزراعة الحالي في اليونان: “الفرق الآن هو أن سانشيز وحيد؛ فهو الزعيم الاشتراكي الوحيد ذو النفوذ في أوروبا، فريدريكسن، زعيمة الدنمارك، ليست في صفه فيما يتعلق بالهجرة”.
وتشعر كل من الدول الاسكندنافية ودول البلطيق بالاستياء من إسبانيا لما تعتبره نقصًا في الالتزام بالإنفاق العسكري. أما بقية أوروبا، بمختلف أطيافها السياسية، فتشعر بالاستياء من عملية تقنين أوضاع المهاجرين: إذ يسود الاعتقاد بأن الدولة التي أقرت هذا الإجراء عاجزة في الوقت نفسه عن ضبط حدودها.مبرزة أن هذه الوقائع تظهر انقساما سياسيا عميقا، حيث تسعى كل دولة عضو لتحقيق أجندتها الخاصة، وهو ما ظهر كشعور عام بالقلق تجاه إسبانيا، يتجلى في أزمة سبتة ورد الفعل الأوروبي.
المصدر:
لكم