لم تقتصر الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي-الفرنسي رفيع المستوى، التي احتضنتها الرباط، على توقيع 11 اتفاقية وإعلان نوايا وبروتوكولات للتعاون في قطاعات استراتيجية، بل حملت مؤشرات سياسية على دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة، أبرزها إعلان باريس العمل على إعداد معاهدة ثنائية غير مسبوقة مع المغرب، وتجديد تأكيدها ثبات موقفها من قضية الصحراء.
وبينما ركزت الحكومتان المغربية والفرنسية على الجوانب العملية للشراكة وتنفيذ المشاريع المشتركة، يرى باحثون في العلاقات الدولية أن مخرجات الاجتماع تعكس تحولا أعمق في طبيعة العلاقات بين الرباط وباريس، يرتبط بإعادة ترتيب المصالح والتوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا والساحل والواجهة الأطلسية.
وأسفرت الدورة، التي ترأسها رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو، عن توقيع 11 اتفاقية وإعلان نوايا وبروتوكولات شملت مجالات السياسة الخارجية والسكك الحديدية والماء والتعليم والطيران المدني والتكوين البحري والخدمات البريدية والثقافة والسينما والهندسة والتجارب والبحث العلمي والزراعة.
وقال أخنوش إن العلاقات المغربية الفرنسية دخلت مرحلة تقوم على الثقة المتبادلة والتقارب السياسي وترجمة التفاهمات إلى مشاريع عملية، مشيرا إلى أن الحوار بين البلدين بلغ مستوى متقدما من التنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وأضاف رئيس الحكومة أن الاتفاقيات الموقعة ستسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري، موضحا أن اللجان المشتركة ومجموعات العمل القطاعية ستتولى تتبع تنفيذ الالتزامات وتسريع إنجاز المشاريع المتفق عليها.
من جانبه، أكد لوكورنو أن العلاقات بين المغرب وفرنسا دخلت مرحلة جديدة من الشراكة، تقوم على الثقة والاحترام المتبادل وتنفيذ الالتزامات التي حددها قائدا البلدين، الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وأعلن المسؤول الفرنسي أن باريس والرباط تعملان على إعداد أول معاهدة من نوعها توقعها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف إرساء إطار قانوني ومؤسساتي ينظم العلاقات الثنائية على المدى الطويل.
واعتبر لوكورنو أن الاتفاقيات الموقعة تعكس المستوى الذي بلغه التعاون بين البلدين في قطاعات الاقتصاد والطاقة والأمن والدفاع والتعليم والثقافة، مشددا على أهمية تطوير التعاون الأمني والاقتصادي وتسهيل تنقل الطلبة ورجال الأعمال.
وتوقف الوزير الأول الفرنسي عند عدد من المشاريع الاستراتيجية التي يعول عليها البلدان خلال المرحلة المقبلة، ومن بينها مشاريع الربط الكهربائي بين أوروبا وشمال إفريقيا، في ظل الإمكانات التي يتوفر عليها المغرب في مجال إنتاج الطاقات المتجددة.
وفي الملف السياسي، جدد لوكورنو التأكيد على أن موقف فرنسا من قضية الصحراء «ثابت ولا يتغير»، مضيفا أن باريس ستستخلص من هذا الموقف «جميع الآثار»، في إشارة إلى تنزيله ضمن مختلف أبعاد السياسة الخارجية والتعاون الاقتصادي والمؤسساتي.
وتتجاوز دلالات الاجتماع، بحسب متابعين، الاتفاقيات الموقعة والتصريحات الرسمية، لتطرح أسئلة بشأن طبيعة التحول الذي تشهده العلاقات المغربية الفرنسية، بعد مرحلة من التوتر، ومدى ارتباط التقارب الجديد بإعادة ترتيب باريس لأولوياتها في إفريقيا.
وفي هذا السياق، اعتبر عباس الوردي، الباحث في العلاقات الدولية وأستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن زيارة الوزير الأول الفرنسي إلى المغرب تمثل محطة استراتيجية في مسار العلاقات الثنائية، وتعكس إرادة مشتركة لإعادة بناء التعاون على أسس أكثر شمولا واستشرافا .
وأوضح الوردي، في تصريح لجريدة «العمق المغربي»، أن الزيارة تندرج في إطار إحياء عمل اللجنة العليا المشتركة المغربية الفرنسية، إلى جانب إطلاق مرحلة جديدة من التعاون عبر الإعداد لاتفاقية شراكة حديثة تحل محل الإطار السابق، بما يواكب التحولات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن برنامج الزيارة، بما تضمنه من توقيع اتفاقيات وعقد لقاءات مع مسؤولين حكوميين وفاعلين ترابيين، يؤشر على رغبة الجانبين في توسيع مجالات الشراكة وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي.
وبحسب الوردي، تستند المرحلة الجديدة إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية، أولها تعميق الشراكة التقليدية بين المغرب وفرنسا والارتقاء بها إلى شراكة مستقبلية مبنية على رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
أما المرتكز الثاني فيتعلق بتكثيف التشاور بشأن القضايا ذات الأولوية، وفي مقدمتها الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب إطلاق مشاريع استراتيجية مشتركة، من بينها مشروع الربط الكهربائي، وفق منطق تحقيق المصالح المتبادلة.
ويتمثل المرتكز الثالث، وفق الباحث، في توجيه رسالة إلى مختلف الفاعلين الدوليين مفادها أن الشراكة المغربية الفرنسية تقوم على الثقة والاستمرارية، ولا تتأثر بالمتغيرات الظرفية أو بمحاولات التأثير في مسار العلاقات الثنائية.
واعتبر الوردي أن هذه المرتكزات يمكن أن تنعكس إيجابا على مستقبل العلاقات، عبر توسيع التعاون في الملفات الاستراتيجية، ولا سيما المجالات العسكرية والأمنية والاستخباراتية، التي وصفها بأنها من الأعمدة الأساسية للشراكة بين البلدين.
من جهته، ربط خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، الدينامية الجديدة بطبيعة التحول الذي طرأ على الموقف الفرنسي من قضية الصحراء، معتبرا أن باريس انتقلت من موقف سياسي ظرفي إلى خيار استراتيجي للدولة الفرنسية.
وأوضح شيات، في تصريح للجريدة، أن دعم فرنسا للموقف المغربي لم يعد، وفق تقديره، توجها مرتبطا بحكومة أو رئيس، بل أصبح يعكس خيارا مؤسساتيا للدولة الفرنسية، واصفا إياه بأنه موقف «بنيوي وثابت ولا يمكن تغييره»، بالنظر إلى الاعتبارات الاستراتيجية التي تحكم سياسة باريس الخارجية.
وأضاف أن التحول يرتبط بقراءة فرنسية أوسع للتوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا والساحل والصحراء والواجهة الأطلسية، وهي المجالات التي باتت تحتل موقعا محوريا في الحسابات الاستراتيجية لفرنسا.
وأشار شيات إلى أن العلاقات الدولية تقوم أساسا على المصالح المستدامة، موضحا أن باريس تعاملت، خلال مراحل سابقة، مع الجزائر انطلاقا من اعتبارات مرتبطة بمصالح ظرفية، وفي مقدمتها الطاقة، غير أن هذه المصالح، وفق تحليله، لم تعد كافية لضمان استمرارية النفوذ الفرنسي جيوسياسيا .
وفي المقابل، يرى الباحث أن المغرب يحتل موقعا محوريا في الرؤية الفرنسية تجاه القارة الإفريقية، بالنظر إلى حضوره في عدد من الشراكات الإقليمية والدولية وموقعه على الواجهة الأطلسية، معتبرا أن استبعاده من أي تصور استراتيجي لن يخدم مصالح باريس بعيدة المدى.
وتؤشر هذه المعطيات، بحسب الباحثين، على أن التقارب الحالي لا يتعلق فقط بتجاوز مرحلة التوتر بين الرباط وباريس، وإنما يتجه نحو تأسيس إطار استراتيجي أكثر استقرارا ، يجمع بين التنسيق السياسي والتعاون الأمني والعسكري والمصالح الاقتصادية ومشاريع الطاقة والبنيات التحتية.
ومن شأن المعاهدة الثنائية المرتقبة، في حال استكمال إعدادها وتوقيعها، أن تمنح العلاقات المغربية الفرنسية إطارا مؤسساتيا طويل الأمد، وتحول التفاهمات السياسية المعلنة إلى التزامات وآليات تعاون عملية، في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة وإعادة تشكيل للتحالفات والشراكات الدولية.
المصدر:
العمق