اعتبر كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بكلية الحقوق أكدال بالرباط، أن القضاء الدستوري المغربي ما يزال يتسم بنزعة محافظة في عدد من القضايا المرتبطة بحماية الحقوق والحريات، معتبراً أن التشريع الذي صدر بعد دستور 2011 يحترم في الغالب الشكل والمصطلحات الدستورية أكثر مما يجسد مضامينها على أرض الواقع، وهو ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في الانتقال من مجرد دسترة الحقوق إلى ضمان فعاليتها الفعلية داخل المنظومة القانونية والمؤسساتية، وفق تعبيره.
وأوضح الهشومي، في مداخلة خلال لقاء نظمته المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، صباح السبت بالرباط، أن المغرب حقق تقدماً مهماً على مستوى التنصيص الدستوري، حيث يتضمن دستور 2011 عدداً كبيراً من الحقوق الأساسية التي يرى عدد من الباحثين أنها تناهز ستين حقاً، بل وتتجاوز في بعض الجوانب ما هو منصوص عليه في عدد من الدساتير الأوروبية، إلا أن القيمة الحقيقية لهذه الحقوق لا تقاس بعدد الفصول، وإنما بمدى إلزام السلطات العمومية بتفعيلها.
وأشار إلى أن تقييم مدى احترام الحقوق الدستورية يمر عبر معايير متعددة، من بينها إمكانية الاحتجاج بهذه الحقوق أمام القضاء، ومدى استحضارها في التشريع الذي يصدره البرلمان، وحضورها في عمل الإدارة وعلاقتها بالمرتفقين، إضافة إلى ترجمتها داخل مختلف السياسات العمومية، مبرزاً أن غالبية القوانين التي صدرت منذ اعتماد دستور 2011 تحترم، على مستوى التقديم والديباجة والمصطلحات والمفاهيم الدستورية، غير أن الإشكال يظهر عند الانتقال إلى التفاصيل، حيث تبرز اختلافات في التأويل وفي مضمون بعض المقتضيات القانونية التي تقر الحقوق أو ترتب الالتزامات.
وسجل المتحدث أن عدداً من النصوص القانونية يثير نقاشاً دستورياً، مستشهداً بالقانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، الذي اعتبر أنه يتضمن إشكالات متعددة لا ترتبط فقط بمقتضيات الدستور، وإنما أيضاً بمبدأ فصل السلط، موضحاً أن المادة 21 من هذا القانون تخول للحكومة تحديد بعض المرافق التي يفرض فيها حد أدنى من الخدمة عبر مرسوم، وهو ما يعني، بحسب رأيه، نقل جزء من الاختصاص التشريعي إلى السلطة التنظيمية، رغم أن الأمر يتعلق بحقوق يفترض أن تبقى من اختصاص البرلمان باعتباره المؤسسة التي تمثل الأمة وتناقش القوانين داخل مسطرة تشريعية واضحة.
وأضاف أن النقاش الذي رافق هذا القانون شمل أيضاً مفهوم الأغلبية والمرجعية الوطنية، مبرزاً أن بعض الحكومات كانت تعتمد مرجعية وطنية في تمرير مشاريعها داخل المجتمع قبل المرور إلى المسطرة التشريعية، معتبراً أن تقييم الإنتاج التشريعي خلال هذه المرحلة يظل معقداً ويستدعي نقاشاً علمياً عميقاً.
وانتقد الهشومي عدداً من مواقف المحكمة الدستورية، معتبراً أنها سايرت في كثير من الحالات مقتضيات كان من المفروض أن تتدخل بشأنها لحماية إرادة المشرع وتعزيز مبدأ فصل السلط، مؤكداً أنه لا يتحدث عن فصل جامد بين السلطات، وإنما عن تعاون يحترم اختصاص كل سلطة، لأن نقل بعض الصلاحيات من البرلمان إلى الحكومة يفتح المجال أمام إصدار مراسيم وقرارات تنظيمية يمكن أن تؤثر في الحقوق والحريات دون المرور عبر النقاش والتصويت داخل المؤسسة التشريعية.
وشدد على أن المحكمة الدستورية تمثل الضمانة الأساسية للتوازن المؤسساتي وحماية الحقوق، مبرزاً أن التجربة الدستورية المغربية ما تزال محدودة نسبياً من حيث التراكم التاريخي والاجتهادي، رغم التطورات التي عرفها المسار الحقوقي منذ هيئة الإنصاف والمصالحة، موضحاً أن التطور في هذا المجال يعرف أحياناً تسارعاً وأحياناً أخرى بطئاً أو حتى تراجعاً، وهو ما يجعل من القضاء الدستوري فاعلاً أساسياً في حماية النص الدستوري وترسيخ فعاليته.
وأوضح أن دستور 2011 أحدث تحولاً مهماً في العدالة الدستورية، من خلال توسيع اختصاصات المحكمة الدستورية وإقرار الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين بعد أن كانت الرقابة قبلية فقط، مبرزاً أن الدستور أتاح مسارات متعددة للإحالة، سواء من قبل الملك أو رئيس الحكومة أو رئيسي مجلسي البرلمان أو خُمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضواً من مجلس المستشارين، إلى جانب الإحالة الإلزامية المتعلقة بالقوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية للبرلمان.
واعتبر أن الرهان الحقيقي يتمثل اليوم في بناء فقه دستوري حقوقي يجعل المحكمة الدستورية فاعلاً في تطوير التأويل الدستوري، موضحاً أن المحكمة تلجأ في بعض الأحيان إلى ما يعرف بـ”التأويل التحفظي”، الذي يسمح بتمرير بعض القوانين مع تقييد كيفية تطبيقها، وهو ما برز، بحسبه، في القانون التنظيمي للإضراب والقانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين، الأمر الذي أثار نقاشاً حول كيفية نشر هذه التأويلات ومدى إلزاميتها، قبل أن يتم التنصيص في القانون التنظيمي المعدل للمحكمة الدستورية على نشر جميع القرارات والتفسيرات، لتصبح هذه الأخيرة مرجعاً قانونياً ملزماً بالنسبة للمشرع والقضاء والمحامين.
وأكد الهشومي أن دستور 2011 وسع مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، غير أن الاختبار الحقيقي يبقى مرتبطاً بمؤشرات الولوج والإنصاف والنجاعة، مستحضراً في هذا الإطار مفهوم “الدستور المعيش” الذي طوره الفقيه الفرنسي دومينيك روسو، والذي يقوم على أن قيمة الدستور تقاس بمدى إحساس المواطن به في حياته اليومية، وليس فقط بما يتضمنه من نصوص.
وفي ما يتعلق بملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية، أشار إلى استمرار وجود تحديات، من بينها بعض المقتضيات المرتبطة باتفاقيات منظمة العمل الدولية، خاصة ما يتعلق بحقوق النساء العاملات، رغم التوجهات الحكومية الرامية إلى رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق الشغل في أفق سنة 2030، وفق أهداف النموذج التنموي الجديد.
كما توقف عند التحديات الجديدة التي لم تكن مطروحة بنفس الحدة عند إعداد دستور 2011، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الحقوق الأساسية، والسيادة الرقمية، وحماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، والتغيرات المناخية، والحق في بيئة سليمة، والخوارزميات وما تثيره من إشكالات تتعلق بالمساواة وعدم التمييز، معتبراً أن مواجهة هذه التحولات لا تستوجب بالضرورة مراجعة الوثيقة الدستورية، وإنما تقتضي تطوير الاجتهاد القضائي والتشريعي بما يوسع من مضمون الحقوق الدستورية ويواكب التحولات المتسارعة.
وسجل الأستاذ الجامعي أن قوة الدساتير لا تقاس بعدد الحقوق المكتوبة داخلها، وإنما بقدرتها على إنتاج ثقافة دستورية تجعل احترام الحقوق جزءاً من السلوك المؤسساتي اليومي، مؤكداً أن الرهان المطروح أمام المغرب اليوم لا يتعلق بصياغة جيل جديد من الحقوق، بل ببناء جيل جديد من الفعالية الدستورية يقوم على قضاء دستوري أكثر جرأة، وتشريع يحترم مبدأ المشروعية، وبرلمان يمارس رقابة حقيقية.
كما اعتبر الهشومي أن تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين، بعد سنوات من الانتظار، سيشكل اختباراً عملياً لقدرة المؤسسات والمجتمع المدني على مواكبة هذا التحول وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.
المصدر:
العمق