في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على بعد كيلومترات قليلة من مدينة المحمدية، وتحديدا بجماعة المنصورية، يتجدد اللقاء مع واحد من أبرز الموروثات الثقافية المغربية، حيث تجتمع “السربات” والفرسان في عروض “التبوريدة” التي تختزل تاريخا طويلا من الفروسية والأصالة. وبين صهيل الخيول ودوي البارود، تختبئ قصص رجال كرسوا حياتهم للحفاظ على هذا التراث، مؤمنين بأنه جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية.
قبل أن يعتلي فرسان “السربة” صهوات جيادهم، ويشقوا “المحرك” طولا، ثم تلعلع طلقات بنادقهم في بشكل جماعي أمام لجنة التحكيم والجمهور، يكون “العمارة” قد أنجزوا مهمتهم بصمت؛ إذ يتولون تذخير البنادق، أو ما يعرف في لغة “الباردية” بـ”تعمار المكاحل”، في خطوة تمهد لواحدة من أكثر لحظات “التبوريدة” إثارة.
وعبّر عدد من “العمارة” و”الباردية”، في تصريحات لجريدة “العمق”، عن أهمية وصعوبة وخطورة مهمة “تعمار” البنادق، مؤكدين أن علاقتهم بهذا التراث تبلغ حد الشغف، وأن من بينهم من يمارس هذه الحرفة منذ سنوات طويلة.
ويؤكد من التقتهم “العمق” أن عشق التبوريدة بدأ منذ الطفولة حين كانوا يرافقون آباءهم وأجدادهم إلى المواسم، قبل أن يصبحوا اليوم جزءا من هذا المشهد التراثي. بالنسبة إليهم، فالتبوريدة ليست مجرد استعراض للفرسان بل هي رسالة وفاء للأجداد، وتعبير عن الاعتزاز بتاريخ المغرب وثقافته.
وتتطلب عملية إعداد “المكاحل” وتعميرها بالبارود خبرة طويلة ودقة كبيرة، إذ إن أي خطأ في تقدير كمية البارود أو في حالة السلاح قد يؤدي إلى انفجاره وهو ما تسبب في عدد من الحوادث المأساوية خلال السنوات الماضية، مخلفا وفيات وإصابات في صفوف الفرسان.
وفي هذا السياق، يروي بن صابر مصطفى، وهو أحد المتخصصين في تعمير “المكاحل”، أنه قضى 26 سنة من عمره في هذه الحرفة، بعدما بدأ تعلمها منذ الصغر على يد الممارسين القدامى، حتى أصبحت جزءا من حياته اليومية.
ويؤكد أن تعمير “المكحلة” يحتاج إلى خبرة كبيرة وتركيز شديد، لأن أي خطأ بسيط قد تكون عواقبه وخيمة. كما استحضر بحرقة حادثة فقدان أحد الأشخاص أثناء عملية تعمير “المكحلة”، وهي الواقعة التي ما تزال راسخة في ذاكرته، مشددا على أن مثل هذه الحوادث لا تقلل من حبه لهذا الموروث، لكنها تجعله أكثر تمسكا بضرورة احترام قواعد السلامة وتوريث الخبرة الصحيحة للأجيال الجديدة.
ورغم إدراكهم لهذه المخاطر، يؤكد الفرسان أن الخوف لم يكن يوما سببا للتخلي عن التبوريدة. ويقولون إنهم يدخلون كل عرض وهم واعون بحجم المسؤولية، لكن عشقهم لهذا الموروث يجعلهم متمسكين به، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى احترام جميع شروط السلامة، وإخضاع “المكاحل” للمراقبة الدورية، والاستفادة من التكوين المستمر في كيفية التعامل مع البارود.
المصدر:
العمق