عمر المزين – كود///
قال عبد الرزاق الهيري، مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، إن استمرار الاضطرابات الجيوسياسية والأمنية بمضيق هرمز يمثل أحد أبرز المخاطر الخارجية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027.
واعتبر الخبير الاقتصادي الهيري أن الأمر لا يقتصر على ارتفاع ظرفي في أسعار النفط، بل يتعلق بصدمة مركبة تمس إمدادات الطاقة وكلفة النقل البحري والتأمين، وتمتد آثارها إلى أسعار المواد الغذائية والأسمدة ومدخلات الإنتاج.
وأوضح الهيري، في تصريحات لـ”كود”، أن هذه التطورات تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب باعتباره بلدا مستوردا لحاجياته الطاقية، مشيرا إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز والمنتجات المكررة سيؤدي إلى زيادة الفاتورة الطاقية، والضغط على الميزان التجاري واحتياطات العملة الصعبة، فضلا عن انعكاسه على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار عدد من السلع والخدمات.
وأضاف أن أولى الانعكاسات المحتملة على مستوى الميزانية تتمثل في ارتفاع كلفة دعم غاز البوتان، خاصة إذا ظلت الأسعار الدولية أعلى من الفرضيات المعتمدة في الميزانيات السابقة، مع احتمال اضطرار الدولة إلى تعبئة اعتمادات إضافية لدعم النقل وبعض القطاعات المتضررة، أو لاتخاذ تدابير ظرفية لحماية الفئات الهشة من موجة جديدة لارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن استمرار التوتر في مضيق هرمز قد يجعل من الصعب بلوغ الأهداف التي حددها منشور رئيس الحكومة لشهر مارس 2026، والمتمثلة في حصر التضخم في حدود 2 في المائة خلال الفترة 2027-2029، وتحقيق نمو اقتصادي سنوي متوسط يقارب 4,2 في المائة، والمحافظة على عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وذلك بسبب انتقال آثار ارتفاع أسعار المحروقات إلى النقل والمواد الغذائية والصناعة والبناء والخدمات.
وأكد الهيري أن تطورات سنة 2026 أظهرت أن تراجع أسعار النفط الخام لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار البنزين والغازوال، بسبب محدودية قدرات التكرير واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، وهو ما يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب الذي يستورد جزءا أساسيا من حاجياته في شكل منتجات طاقية مكررة.
ولفت إلى أن ارتفاع التضخم قد يدفع إلى استمرار الحذر في السياسة النقدية، بما يرفع كلفة تمويل الخزينة والمقاولات والأسر، موضحا أن الصدمة الطاقية قد تؤثر على مشروع قانون المالية من خلال زيادة بعض النفقات العمومية، وتباطؤ النشاط الاقتصادي والمداخيل الجبائية، رغم احتمال ارتفاع بعض مداخيل الضريبة على القيمة المضافة والرسوم عند الاستيراد من الناحية الاسمية.
وسجل أن هذه الظرفية تفرض أيضا إعادة تقييم كلفة الاستثمارات العمومية، خاصة مشاريع البنية التحتية والماء والنقل والسكك الحديدية والموانئ والمنشآت المرتبطة بالتحضير للاستحقاقات الدولية المقبلة، بالنظر إلى احتمال مراجعة أثمان الصفقات وتأخر إنجاز بعض المشاريع والحاجة إلى اعتمادات إضافية.
وشدد الهيري على ضرورة ألا يقوم مشروع قانون المالية لسنة 2027 على فرضية وحيدة لسعر النفط، بل على ثلاثة سيناريوهات على الأقل، تشمل سيناريو مركزيا يفترض عودة تدريجية للاستقرار، وآخر متشائما يستمر فيه اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار، وثالثا شديد التوتر يفترض امتداد الأزمة خلال جزء كبير من سنة 2027، مبرزا أن اضطراب السوق خلال سنة 2026 كان من الحدة بحيث حذرت جهات فاعلة في قطاع الطاقة من أن استعادة التوازن الكامل قد تمتد إلى سنة 2027.
وأكد أن هذه الصدمة لا ينبغي أن تؤدي إلى التراجع عن الأولويات التي أكد عليها منشور رئيس الحكومة، وفي مقدمتها استدامة الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، ودعم التشغيل، وتقليص الفوارق المجالية، وتسريع مشاريع الماء والبنيات الأساسية والتحول الرقمي، داعيا إلى إعادة ترتيب النفقات، وتأجيل المشاريع الأقل استعجالا، وتسريع إنجاز المشاريع المتقدمة، وتحسين نجاعة الاستثمار العمومي، مع عقلنة نفقات التسيير وضبط إحداث المناصب المالية وربط تمويل المشاريع بقدرة القطاعات على تنفيذها.
كما دعا إلى توفير احتياطي ميزانياتي لمواجهة تقلبات الطاقة، واعتماد دعم مؤقت وموجه نحو الأسر الهشة والقطاعات الأكثر تضررا، إلى جانب تسريع الانتقال الطاقي، وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز قدرات تخزين المنتجات البترولية، وتنويع مصادر ومسارات الاستيراد، وتشجيع النجاعة الطاقية في الإدارة والنقل والصناعة.
وختم الهيري بالتأكيد على أن اضطرابات مضيق هرمز تشكل اختبارا حقيقيا لقدرة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على التوفيق بين حماية القدرة الشرائية، واستمرار تمويل الدولة الاجتماعية والاستثمارات الاستراتيجية، والمحافظة على استدامة المالية العمومية، معتبرا أن ميزانية 2027 ينبغي أن تكون واقعية واحترازية ومرنة وقادرة على التكيف مع تطورات سوق الطاقة دون تحميل الأسر والفئات الهشة الكلفة الكاملة للأزمة، ودون الإخلال بالتوازنات المالية الكبرى للمملكة.
المصدر:
كود