باشرت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط خطوة إجرائية متقدمة في الملف الذي يجمع بين شركة متخصصة في الإنعاش العقاري وجماعة الهراويين، في قضية أثارت اهتماما واسعا بالنظر إلى ما قد يترتب عنها من انعكاسات قانونية ومالية على تدبير الرسوم المحلية.
وأفادت معطيات حصلت عليها جريدة العمق المغربي بأن المحكمة وجهت إلى جميع أطراف النزاع نسخة من التقرير التكميلي الذي أنجزه الخبير القضائي المكلف بالملف، مع منحهم أجلا قانونيا لتقديم ملاحظاتهم وتعقيباتهم واعتراضاتهم بشأن ما تضمنه التقرير، قبل اعتماده ضمن وسائل الإثبات التي ستستند إليها الهيئة القضائية عند إصدار قرارها النهائي.
ووفقا للمصادر ذاتها، فإن التقرير التكميلي تم إيداعه رسميا بكتابة الضبط، وأصبح متاحا للأطراف قصد الاطلاع عليه ومناقشة مضامينه، في إطار احترام مبدأ المواجهة بين الخصوم وضمان حقوق الدفاع، باعتباره من المبادئ الأساسية التي تحكم سير العدالة الإدارية، بما يتيح لكل طرف فرصة إبداء موقفه من نتائج الخبرة قبل حسم النزاع.
ويأتي هذا التطور بعد مسار قضائي طويل ومعقد، بدأ أمام المحكمة الإدارية بالدار البيضاء قبل أن ينتقل إلى مرحلة الاستئناف بمحكمة الرباط، حيث خضع الملف لسلسلة من إجراءات البحث والتدقيق القانوني والمالي، بالنظر إلى طبيعة النزاع المرتبط برسوم الأراضي الحضرية غير المبنية، وما يثيره من إشكالات قانونية تتعلق بسلطات الجماعات الترابية في منح الإعفاءات الضريبية وحدود اختصاصاتها في هذا المجال.
وشددت مصادر مطلعة على أن القضية دخلت مراحلها الأخيرة، بعدما استكملت المحكمة مختلف إجراءات التحقيق والخبرة، وهو ما يجعل القرار القضائي المرتقب قريبا من الصدور، في انتظار انتهاء الأطراف من تقديم تعقيباتهم على التقرير التكميلي.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الحكم المنتظر لن يقتصر أثره على النزاع القائم بين الشركة والجماعة، بل قد يرسم معالم اجتهاد قضائي جديد بشأن كيفية تطبيق المقتضيات القانونية المنظمة للرسوم المحلية، وخاصة الإعفاءات المتعلقة بالأراضي الحضرية غير المبنية، فضلا عن تحديد مدى مشروعية القرارات الإدارية الصادرة في هذا الإطار.
وفي المقابل، يعيش عدد من المسؤولين والفاعلين المحليين حالة من الترقب، بالنظر إلى ما يمكن أن يحمله الحكم النهائي من خلاصات بشأن مدى قانونية الإعفاءات التي منحتها جماعة الهراويين، وما إذا كانت تمت وفقا للمقتضيات القانونية والتنظيمية، أو أن الأمر يتعلق بإجراءات يشوبها خلل قانوني قد يترتب عنه ترتيب آثار ومسؤوليات مختلفة.
كما تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المصالح المركزية بوزارة الداخلية تتابع تطورات الملف باهتمام، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على مالية الجماعة، خاصة أن الرسوم المحلية تشكل أحد أهم الموارد الذاتية التي تعتمد عليها الجماعات الترابية لتمويل المشاريع التنموية والخدمات العمومية، الأمر الذي يمنح القضية بعدا يتجاوز أطرافها المباشرين.
وكانت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط قد أصدرت في وقت سابق حكما تمهيديا قضى بإجراء بحث وخبرة تقنية وقانونية معمقة، بعدما قررت إعادة فحص الملف من جديد إثر الطعن في الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، والذي كان قد قضى لفائدة الشركة العقارية.
ويعود أصل النزاع إلى دعوى رفعتها الشركة بتاريخ 20 مارس 2025، أوضحت فيها أنها فوجئت بقيام مؤسسة بنكية باقتطاع مبالغ مالية مهمة من حساباتها البنكية، بناء على مسطرة الإشعار للغير الحائز، وذلك قصد تحصيل رسوم مرتبطة بالأراضي الحضرية غير المبنية.
وأكدت الشركة، بحسب وثائق الملف، أن مراجعة وضعيتها القانونية والمحاسبية أظهرت أن تلك الرسوم لا تستند إلى أساس قانوني، معتبرة أن عملية التحصيل تمت في مخالفة لمقتضيات المادة 119 من مدونة تحصيل الديون العمومية، سواء من حيث الإجراءات أو من حيث انعدام المديونية.
وأوضحت أن مبلغا قدره 1.856.211,76 درهما تم استخلاصه بموجب الإشعار للغير الحائز رقم 697/2024/1388، رغم أن رئيس جماعة الهراويين سبق أن وجه مراسلة رسمية إلى القابض بتاريخ 5 أبريل 2024 يؤكد فيها إعفاء العقارات المعنية من الرسم على الأراضي غير المبنية، استنادا إلى مقتضيات المادة 42 من القانون رقم 47.06.
وأضافت الشركة أن مبالغ أخرى بلغت 477.202,85 درهما و503.268,46 درهما و551.389,65 درهما، والمتعلقة بالرسم العقاري رقم 8128/س، تم تحصيلها رغم صدور قرار رسمي يقضي بإعفاء العقار من الرسم ابتداء من سنة 2019، بموجب مراسلة صادرة عن رئيس الجماعة بتاريخ 14 يوليوز 2023، غير أن إجراءات التحصيل استمرت عن سنتي 2022 و2023.
وفي المقابل، تمسكت الخزينة العامة للمملكة بكون أوامر الإلغاء الصادرة عن رئيس الجماعة لم تكن معللة بما يكفي، معتبرة أن عمليات التحصيل استندت إلى أوامر بالمداخيل مكتسية بالصيغة التنفيذية، وهو ما يبرر مباشرتها لمسطرة التحصيل.
غير أن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء اعتبرت، في حكمها الابتدائي، أن رئيس الجماعة يملك قانونا صلاحية إلغاء الرسوم متى تبين عدم استحقاقها، وأن الوثائق المدلى بها تثبت صدور قرارات الإعفاء، مما يجعل استمرار إجراءات التحصيل فاقدا للأساس القانوني.
كما وقفت المحكمة عند مدى احترام مسطرة الإشعار للغير الحائز، حيث تمسكت الشركة بعدم توصلها بآخر إشعار بدون صائر قبل مباشرة إجراءات التنفيذ، بينما اعتبرت الخزينة أن القانون لا يفرض ذلك، غير أن المحكمة استندت إلى مقتضيات المادة 36 من مدونة تحصيل الديون العمومية، التي تشترط توجيه آخر إشعار وتقييده بالسجلات قبل اللجوء إلى التحصيل الجبري.
وانتهت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى قبول الدعوى شكلا، والحكم بإلغاء الرسوم المتعلقة بالأراضي الحضرية غير المبنية عن السنوات موضوع النزاع، مع إلغاء الإشعارات للغير الحائز أرقام 1388/2024/697 و1388/2024/722 و1388/2024/680.
كما قضت بتحديد الرسم المستحق بالنسبة للرسم العقاري رقم 8128/س على أساس مساحة 344.429 مترا مربعا، وبمبلغ سنوي قدره 728.990 درهما عن سنوات 2021 و2022 و2023 و2024، مع تحميل الخزينة العامة مصاريف الدعوى، ورفض باقي الطلبات.
المصدر:
العمق