حتّى القرن التاسع عشر الذي تأسّست فيه معظم الأندية العريقة، وأمسى لكرة القدم قواعد لا محيد عنها، كان كلّ ثور يحرث مع قرينه في حقل اللّعبة، فالطلبة ينافسون الطلبة، والجنود ينازلون الجنود، وأبناء هذه المدينة يقابلون أبناء تلك، وكلّ منتخب ينبري بمواطنيه، وما من فريق إلّا ويعترك بكتيبة من قماش لوائه، ليس بينها دخيل أو مرتزق، فلم يكن واردًا الحديث عن التجانس.
خلال القرن العشرين، وهو قرن استعمار بامتياز، ستعمد الأندية البيضاء إلى استقطاب المهارات من كلّ لون، إذ إنّ الأجداد الذين بذلوا عرقهم في أراضي مجده، مجد الرجل الأبيض، وهم مثقلون بقيود من حديد، لا يضير أحفادهم أن يبذلوا كلّ عرقهم في ملاعبه وهم يرسفون في عقود من ذهب.
وليت الأمر وقف عند الأندية، بل حتى منتخبات القوى الكروية العظمى أمست تُجَنِّس المواهب على اختلاف ألوانهم من أحفاد المستعمرات ليلعبوا بألوانها. ولعلّ أحلك مثال على ما أرمي إليه هو ما يحدث مع المنتخب الفرنسي، الذي لا أعرف أيّ جحود يمنعه، حتّى الآن، من استبدال ديك حبشيّ بديكه المعروف.
هذا التداخل الأجناسي، إذا صحّت الاستعارة من الحقل النقدي، ليس الأول ولن يكون الأخير في تاريخ كرة القدم، فاللّعبة تحدّرت من رياضة مورست في بريطانيا قبل قرون، رياضة يقال لها لعبة الغوغاء، وهي تجمع كرة القدم إلى الريݣبي إلى غير قليل من فروع العنف، وكانت تستمرّ لساعات، وغالبًا ما تسفر عن إصابات في الأرواح… فكانت، بذلك، أقرب إلى معركةٍ الكرةُ فيها هي الذريعة والسبب.
ومع ذلك، يبقى التداخل الأجناسي في كرة القدم أخفّ وطأة من غيره على غيرها من الرياضات التي بها مسٌّ من اختلاط الأنساب لا يخطئه قائف، إذ من بين صلب أيّ فنٍّ وترائب أيّ نبل تخلّقت الملاكمة؟ وبأيّ وجه يُحسب الشطرنج على الرياضة وليس على الرياضيات؟ واليوغا؟ من ينكر أنّ اليوغا فرع من فروع الفلسفة؟ فالجسد أيضًا يحب الحكمة. ثمّ، ليس أخيرًا، ها هي فنون الحرب تصرخ بالمفارقة.
تُشاهَد كرة القدم اليوم أكثر ما تشاهد على الشاشات، ولعلّها تفعل أكثر من الأفلام السينمائية. فللمباراة أيضًا سيناريو ومخرج، وجينيريك وكاميرات وإضاءة، ولقطات مقرّبة وأخرى ضيّقة… أمّا اللّاعبون، فيبدعون ما يبدعون على الهواء مباشرة، فلا مجال للمونتاج. فهذا يأتي من السحر ما يأتي بلا عصا ولا قبعة، وذاك ينجح في تمثيل المظلومية لتأليب الحكم على الخصم، وثالث يكسّر جدار بريخت عند ضربة الخطأ، ورابع يؤدّي بنفسه حركات خطيرة يحتاج نجوم السينما في مثلها إلى ممثل بديل… وبهذا وسواه، تجتمع للمباراة كلّ عناصر المسرح والسينما، أمّا إذا أضفنا إلى ذلك ما يحدث في المدرجات من أهازيج وتيفوات ولوحات فنية، وما يصدر عن بعض المعلقين من بديع القول، فإنّ كرة القدم التي فكّت الارتباط مع لعبة الغوغاء، تستحقّ الآن أن تنسب، عن جدارة، إلى الفنّ لا إلى الرياضة، فمن زاوية المسرح هي أمّ الفنون، ومن زاوية السينما هي الفن التاسع.
(الألتراس)
لقد ظهرت الحركة بشكلها الجنيني في البرازيل خلال أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تنتقل منها إلى كرواتيا، فإلى إيطاليا حيث أخذت الاسم العائلي “ألتراس” الذي تتعدّد أسماؤه الشخصية الآن بتعدّد المدرّجات.
على شغف إفريقيا بكرة القدم وإنجابها لأبرز مواهبها العالمية، تأخّر ظهور الألتراس في ملاعبها حتّى أواخر القرن العشرين في تونس، وبداية الألفية في المغرب، قبل أن تتفشّى في باقي بلدان القارّة.
تتمتّع الألتراس بتنظيم شديد التعقيد، لجهة الهيكل والمبادئ والتأطير والتعبير والتمويل… فهي تجمع الحزب إلى الجمعية إلى النقابة إلى اللّوبي إلى المنصّة إلى العيادة النفسية في الهواء الطلق. أمّا لجهة العدد، فإنّه في بعضها لَيفوق المنتسبين إلى الكثير من الأحزاب. لذلك، لا عجب أن نرى بعض الذباب السياسي الضخم يحوم حول كعكة كرة القدم، فإذا لم تهشّه الجماهير، انتهى إلى بيت العنكبوت، وعنوانه المغربي الفصيح، بالصاد وليس بالسين، هو عكاشة.
الألتراس لغةً مفردٌ بصيغة الحشود، وخطابًا هتافاتٌ بنبرة الاحتجاج، وصورًا رسائل مفتوحة قد لا يقرأها أحد… فهي، بهذا وغيره من التعقيدات، تحتاج إلى دراسات وافية في أكثر من تخصّص.
بقليل من الشطط يمكن تشبيه الألتراس بالحركات الأدبية، رغم قلّة الأدب الموصوفة التي تبدر عن قواعدها، والفوارق الصارخة التي تصدر من المدرّجات. فكما لا يخلط القرّاء بين السوريالية والرومانسية، لا تخلط الجماهير بين الأولاد الخُضر والأولاد المجانين.
إنّ الزّجّ بالأدب في معترك كرة القدم، وفي منطقة الألتراس تحديدًا، لَهُوَ من قبيل المغامرة غير محسوبة العواقب. ومَرَدُّ ذلك إلى الهوّة السحيقة بين نُخب الفصائل، التي قد تضمّ خرّيجي أرقى الجامعات والمعاهد، وبين قواعدها التي يفتقر معظمها إلى أدنى ما تجود به المدرسة العمومية.
فإذا كانت الأهازيج والأغاني ممّا هو مقدور عليه، إذ يمكن للقواعد حفظها، كما لا يحتاج فهمها إلى وسيط، فهي، إذ تتردّد في مدرّجات الملاعب، لتذكّر بمدرّجات الجامعات على أيام الشيخ إمام وأحمد قعبور وسعيد المغربي وباقي الحناجر الجسورة… وإذا كانت بعض الشعارات من المباشرة بحيث تذهب رأسًا إلى وجهتها المنشودة، فإنّ أمر التيفوات يحتاج إلى وقفة قصيرة، خصوصًا منها تلك التي تمتح من الثقافة العالمة.
صحيحٌ أنّ نُخب الألتراس قد تقرأ الأدب العالمي وتشاهد سينما المؤلف وتستمتع بالموسيقى الغربية، وترفل في سوى ذلك من حصاد الجِدّ والتحصيل. لكن الأصحّ من ذلك هو أنّ قواعدها، وهي تُعَدّ بالألوف من ضحايا المخطّطات الاستعجالية، لا يملك معظمها حتى ترفَ أن ينطق، فأحرى أن يكتب، عناوين ذلك الحصاد بشكل سليم. لذلك، إذا ما ارتأت تلك النُّخب، وقد واتتها شجاعة الضمير، أن تندّد بالخراب، وما أكثره في بلاد العرب، فإنّ رصيد قواعدها من الحناجر لا يكفي لترديد قليل من قصيدة إليوت “الأرض الخراب”. وإذا ما أرادت أن توجّه رسائل غضب إلى من يهمّه الأمر، فقصيدة “عواء” لألن غينسبورغ تحتاج إلى أصوات بشرية لا قِبَل للمدرّجات بها. لهذا، فنجاح ” في بلادي ظلموني” وسواها من أغاني المدرّجات، ليذكّر بأغاني “مهمومة” و”عايشين عيشة الذبّانة فالبطانة”، فهي جميعًا لم تتوسّل تثاقفًا، إذ قُدَّت من عجين المجتمع بخميرته، فجاء طعم كلماتها في الحناجر كطعم خبزه في البلعوم.
ثمّ نصل إلى مربط التيفو.
في السنوات الأخيرة، أمسى كامو وأورويل ويونيسكو من الوجوه الكبيرة في المدرّجات المغربية، الكبيرة فعلًا كقامات أدبية، وحجمًا لأنّها تحضر كتيفوات. فهل يعلم حَمَلَة كامو، حتى نبقى في كرة القدم، أنّه كان في شبابه حارس مرمى، وقد تعلّم من مركزه هذا كيف يكون وحيدًا ومع الآخرين في الآن نفسه، مثلما تعلّم منه أنّ الكرة التي قد تفاجئك من حيث لا تحتسب لها ما يعادلها في الحياة من نوائب. ولعلّ الأغرب في أمر صاحب “الغريب” أنّه كان يشغل حراسة المرمى فقط لأنّه المركز الأقلّ استهلاكًا للحذاء. وهل يعلم حَمَلَة يونيسكو، رائد مسرح العبث، ومعظمهم من رواد العبث في الواقع، إذ يعبثون بممتلكات البلاد والعباد بعد كلّ مباراة… هل يعلمون، وهم يردّدون أغانيهم الشعثاء، أنّ مسرحيته الأشهر “المغنية الصلعاء” قد جرى عرضها في مختلف مسارح العالم لأكثر من عشرين ألف مرّة، وهو عدد يفوق بكثير مجموع مباريات كؤوس العالم والكؤوس القارّية والأولمبيّة منذ ظهور اللّعبة وحتى إشعار آخر. وهل يعلم حملة أورويل أنّ هذا العبقريّ ابتدع، قبل عقود، شخصية الأخ الأكبر الذي يراقب الجميع، وقد تحقّقت نبوءته كما لم يفعل غيرها، إذ ها هو الأخ الأكبر الآن وقد طرح في الأسواق، بشاحن وبطارية وتطبيقات وكاميرات وفي منتهى الذكاء ولا غنى عنه وعرضة للنشل…
إذا كان حملة هذه التيفوات لا يعلمون حتى هذا القليل من الكثيرِ الكثيرِ عن أصحابها، فهل تعلم عنهم شيئًا جماهير خصومهم التي لها نفس الحمض المجتمعي، وهل يعلم عنها حتى رؤساء الأندية وأعضاء المكاتب المسيّرة وسواهم من ذوي الياقات المكويّة بعناية في دواليب اللّعبة؟
إنّ التيفوات العالمة مرفوعةً بأيادٍ جاهلة لَهِيَ عندي كالسّبحة في يد الحيزبون، مع الاعتذار مرّة أخرى لمن يعرف النصّ الغائب لهذا التشبيه. أمّا هي كرسائل، فلا تعدو كونها طلقات في الهواء من سلاح خُلّبيّ.
لهذا، ولغيره ممّا يضيق عنه المقال، أتمنّى على الألتراس أن تحذو حذو نفسها في الأغاني، فتمتح من صور المغرب كما متحت من لغته. فطالما أنّ معظم قواعدها تحاول فقط أن تعيش، وأنّ حظيرة كرة القدم تشهد ظهور الثعالب واختفائها، فلِمَ لا ترفع عاليًا صورة محمد زفزاف؟ وطالما أنّ الحزن يستوطن منها الرأس والقلب، بدليل ما تردّده من شعارات، فلِمَ لا ترفع بنفس الهِمّة صورة إدريس الخوري؟ فرسالة هذا وذاك أوضح من رسائل أولئك. وأفصح منها جميعًا أن ترفع الجماهير صورة محمد شكري بالحجم الذي يستحق، فقد كان مثلها في يفاعه قبل أن يغيّر ما بنفسه ليصير إلى ما صار إليه ككاتب عالمي، له هو أيضًا وكيل أعمال كأيّ لاعب كرة قدم. فصورة شكري وحدها عِبرة دونها العِبَر، كما أنّها رسالة أفصح من أن تشرح وأقصر من أن تقرأ، فهي من كلمتين فقط: الخبز الحافي.
في عالم كرة القدم، لا يقلّ المغرب الآن في شيء عن باقي القوى الكروية العظمى. لذلك، على الألتراس أن تأخذ بعين الاعتبار هذا المجد، فتثمِّن لغة البلد ورموزه في احتفالاتها.
…
حين ظهرت التيفوات بصور كتّاب عالميين في المدرّجات، فوجئ مجتمع الثقافة لذلك، وراح بعض أهله يستحضرون ما قرأوا لهذا وذاك من الوجوه المرفوعة عسى أن يستشفّوا مضمون الرسالة، سوى أنّها كانت أعوص من تلك التي عرضت للفقيه حميّان، إذ إنّ هذه لجهة الخط فقط، بينما تلك لجهة اللّغة التي جدّت.
لكن، هل كان الأدباء من دون ألتراس؟
بلى.
لقد ظهرت الألتراس الأدبية، من دون أن تحمل هذا الاسم، منذ عدّة قرون. ففي الماضي القريب ظهرت المقاهي الثقافية والصالونات الأدبية والمجلات التي تنتصر لهذا التيّار أو ذاك… فكانت ألتراس “شعر” وألتراس “الآداب” وألتراس “الناقد”… وفي المغرب كانت هنالك ألتراس “الاتحاد الاشتراكي” التي طالما سيطرت على معظم المدرّجات الثقافية.
ومع تفشّي شبكات التواصل الاجتماعي، باتت الألتراس الأدبية أشدّ نفوذًا وأكثر تنظيمًا، فتنشئ صفحات باسم هذا الكاتب أو ذاك التيّار، ثمّ توسعه تصفيقًا إلكترونيًّا، تعليقاتٍ، إعجابًا وتقييماتٍ… فقد صار لها هي الأخرى مدرّجات لم تكن للسلف.
قبل عقود طويلة ظهرت ألتراس شعرية فريدة من نوعها هم عشّاق آرثور رامبو. فقد جعلوا وقتهم وقفًا عليه، فكتبوا عنه ودرسوه وترجموه وتقصّوْا أخباره من رمال الجنوب إلى ثلوج الشمال عسى أن يحظوْا منه بإشراقات أخرى، واحتطبوا الجزل لجحيمه في كلّ الفصول، ونَجَروا المجاذيف تلو المجاذيف لمركبه الطّافح … ونشروا عنه كما لم يفعل غيرهم عن غيره. وحتى إذا لم يحملوا اسم “ألتراس رامبو”، فقد اشتهروا بالرامبويين، كما يشتهر غيرهم الآن بالبرشلونيين والرجاويين…
على أنّ الألتراس الأقدم والأعظم في كلّ العصور هي تلك التي اجتمعت في “مأدبة” أفلاطون. ولو كان لذلك الزمن بعض من هذا، لكان اسمها “ألتراس سقراط”. سقراط الذي لم يمسك قلمًا قطّ، تُوِّج بأغرب كأس في تاريخ القلم والقدم معًا: كأس الشّوكران.
بعيدًا عن بيت أفلاطون بأكثر من عشرة قرون، كان هنالك بيت في حيّ الكرخ ببغداد، هو بيت الشريف الرضي الذي كان عبارة عن صالون أدبي بالمفهوم الحديث، تدار فيه النقاشات الأدبية والفكرية كما تفعل كؤوس الندامى على حدّ وصف صاحب البيت. وإذا كان الضيوف يُعلون من شأن المضيف، فلا لكرمه الأكيد فحسب، بل أيضًا لمكانته الرفيعة في عصره. على أنّ جينات الألتراس قد طفرت بأثر رجعي، في واقعة شهيرة، بذلك المجلس. فحين انبرى المعرّي مرّة للدفاع عن المتنبّي بعد أن سمع ما سمع من ذمّ له من الشريف الرضي شخصيًّا، جرى سحله إلى خارج المجلس. وإذا كان في تلك الواقعة مسّ تاريخيّ أكيد بشرف صاحب البيت ورضاه، فإنّها عندي لتذكّر بتعصّب ألتراس كرة القدم وهم ينكّلون بمشجّعٍ للخصم اكتشفوه بين ظهرانيهم.
وما دام المتنبّي بالقلم كما بالقدم يذكر، أقترح على الألتراس، هنا وهناك، أن يرفعوا صورته فصيحةً في المدرّجات، تكفيرًا عن عُجمة بعض ما يرفعون من صور.
المصدر:
هسبريس