ما تزال تداعيات ملف الاختلاسات المالية الضخمة التي هزت فرع بنك “الاتحاد المغربي للأبناك” (UBM) بمدينة تطوان تتواصل، رغم صدور أحكام قضائية ثقيلة في الشق الأول من القضية، وذلك بعدما خرجت إحدى الضحايا من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج لتكشف ما وصفته بـ”اختلالات” شابت معالجة ملفات بعض المتضررين، مؤكدة أنها لم تُدرج ضمن لائحة الضحايا الذين استفادوا من التعويضات التي أقرتها المحكمة في المرحلة الأولى من الملف.
وتقول المتضررة إنها وجدت نفسها خارج الملف الذي انتهى بإدانة المدير الجهوي السابق للبنك وتعويض عدد من الضحايا، رغم أنها تقدمت بشكايتها منذ بداية التحقيقات واستمعت إليها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، متهمة إدارة البنك بمواصلة المماطلة في معالجة ملفها منذ أكثر من سنتين، مقابل ما تعتبره تسوية ملفات زبناء آخرين واسترجاع بعضهم كامل أموالهم في ظروف تثير لديها الكثير من التساؤلات.
وتذهب السيدة المغربية المقيمة بالخارج أبعد من ذلك، إذ تعبر عن شعورها بأن أفراد الجالية المغربية لا يحظون بالمعاملة نفسها التي يستفيد منها بعض الزبناء الآخرين، معتبرة أن ما تعرضت له من تأخير وإهمال وعدم إدراج ملفها ضمن القضية الأولى عزز لديها الإحساس بأنها تعامل كمواطنة من درجة ثانية، رغم لجوئها إلى القضاء ومراسلتها عددا من المؤسسات المعنية أملا في استرجاع حقوقها المالية.
تفاصيل مثيرة
تقول السيدة (أ.ي)، وهي مغربية مقيمة بالخارج، في تصريح لجريدة “العمق”، إن ملفها ظل عالقا منذ تفجر القضية سنة 2024، رغم أنها كانت من أوائل المشتكين الذين استمعت إليهم الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، قبل أن تتفاجأ لاحقا بعدم إدراج اسمها ضمن الضحايا الذين شملتهم الأحكام الابتدائية الصادرة في القضية.
وأضافت المتحدثة أن استبعاد ملفها من المسطرة الأولى أثار لديها تساؤلات عديدة، خاصة بعد انتقالها إلى غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط للاستفسار عن وضعيتها، حيث أكدت أنها أُبلغت بأن ملفها يوجد ضمن قضية ثانية فُتحت في إطار نفس ملف الاختلاسات البنكية.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن الملف الثاني سُجل لدى غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 10 يوليوز 2025 تحت رقم محضر 14/3223/2025، ويتابع فيه 12 متهما، مقابل 20 ضحية و15 مصرحا، في قضية تتعلق بشبهات اختلاس وتبديد أموال عامة والتزوير في محررات بنكية واستعمالها والمشاركة، وهو الملف الذي قررت على إثره المحكمة، في نونبر الماضي، سحب جوازات السفر وإغلاق الحدود في حق 5 متابعين.
البنك طرف مدني.. فمن سيعيد أموالي؟
أوضحت الضحية في حديثها لجريدة “العمق” أنها فوجئت بكون البنك نفسه طرف مدني في الملف الثاني باعتباره متضررا بدوره، وهو ما دفعها إلى التساؤل عن الجهة التي ستتحمل مسؤولية إعادة أموال الزبناء الذين لم تشملهم الأحكام الأولى.
تقول “أ.ي”: “أخبرتني القاضية المكلفة بالملف أن البنك طرف مدني أيضا، وهو ما زاد من استغرابي، لأنني أتساءل من سيعيد إلي أموالي إذا كان البنك بدوره يعتبر ضحية وليس طرفا متابعا”.
وكشفت المتحدثة أنها توصلت يوم 2 أبريل المنصرم، يجزء من مستحقاتها المالية من البنك، لا يتجاوز ثلث المبلغ الذي تؤكد أنه اختفى من حسابها، وذلك بعد عامين من المعاناة والتحركات التي قامت بها بين المحاكم وإدارات البنك مركزيا وجهويا.
وأشارت إلى أنه عقب تسلمها المبلغ، طالبتها إدارة البنك بتطوان بتوقيع وثيقة، اطلعت عليها جريدة “العمق”، تتعهد بموجبها بعدم متابعة المؤسسة البنكية بخصوص المبلغ المذكور، مضيفة أن مسؤولي البنك أبلغوها بأنها لن تتمكن من تسلم المبلغ في حال رفضت التوقيع على الوثيقة.
وترى المشتكية أن هذا الإجراء يطرح علامات استفهام حول خلفيات اشتراط التوقيع مقابل صرف جزء من الأموال، خاصة في ظل استمرار النزاع بشأن الجزء الأكبر من المبلغ الذي تقول إنه ما يزال مفقودا.
شكايات بالجملة.. دون جدوى
وبالرجوع إلى وثائق الملف، فقد تقدمت المشتكية عبر محاميها بشكاية إلى المحكمة الابتدائية بتطوان، بتاريخ 16 أكتوبر 2025، أكدت فيه أنها حاولت مرارا سحب ودائعها دون جدوى، قبل أن يسلمها المدير ست أذنيات للصندوق بالمبلغ نفسه، غير أنها لم تُؤد رغم حلول أجل استحقاقها وعدم وجود رصيد فعلي يغطيها.
وأشار المشتكية إلى أنها تقدمت بشكاية داخلية للوكالة بتاريخ 24 يونيو 2024، بعد فشل المحاولات الودية مع المدير، ثم وجهت شكاية ثانية إلى بنك المغرب بتطوان بتاريخ 8 ماي 2025 باعتباره الجهة الوصية على القطاع البنكي، دون أن يتم التجاوب مع أي منهما إلى حدود اليوم.
وقبل ذلك، تقدمت المتضررة بشكاية إلى مدير الاتحاد المغربي للأبناك بتطوان بتاريخ 23 ماي 2024، وإنذار موجه إلى إدارة البنك بتطوان بتاريخ 3 يوليوز 2025، وشكاية إلى بنك المغرب بتطوان بتاريخ 8 ماي 2025، ثم شكاية ثانية إلى بنك المغرب بتاريخ 16 فبراير 2026.
وبحسب محامي المتضررة، فإن جميع هذه الشكايات لم تتلق أي جواب إلى حدود الساعة، رغم أن المشتكية تعاني وضعا صحيا حرجا وتحتاج إلى سيولة مالية عاجلة لتغطية مصاريف العلاج والتنقل، محذرا من أن الملف يُدار بطريقة تدفع المعنية بالأمر إلى اليأس أو التخلي عن المطالبة بحقوقها.
اتهامات بالمماطلة و”طلبات غير مفهومة”
وفي معرض حديثها عن علاقتها بإدارة البنك بعد تفجر القضية، وجهت المتحدثة انتقادات حادة لما وصفته بـ”المماطلة المستمرة” في معالجة ملفها.
وقالت إن المدير الحالي للوكالة ظل، منذ يونيو 2024، يؤكد لها أن ملفها يوجد ضمن الأولويات وأن البنك يعمل على إيجاد حل له، غير أنها تؤكد أن ذلك لم ينعكس عمليا على أرض الواقع.
وأضافت أن بعض الطلبات التي تلقتها خلال هذه الفترة بدت لها “غريبة وغير مفهومة”، مشيرة إلى أنه يُطلب منها، وفق روايتها، إرسال ملفها الصحي من أجل تسريع الإجراءات، كما طُلب منها إرسال تسجيل صوتي عبر تطبيق “واتساب” تعبر فيه عن وضعها النفسي وتأثرها بالقضية.
وتابعت قائلة إن هذه الممارسات زادت من شكوكها بشأن طريقة تدبير الملف، معتبرة أن التأخير المستمر في معالجة قضيتها بات يطرح أكثر من علامة استفهام.
وأفادت بأن البنك يطلب منها بشكل متكرر التنقل إلى المقر المركزي للمؤسسة بالدار البيضاء، رغم علم المسؤولين، بحسب قولها، بوضعها الصحي المتدهور وحاجتها الملحة إلى أموالها من أجل تغطية مصاريف مرتبطة بالعلاج.
وتقول المتحدثة إن تكرار هذه الطلبات جعلها تشك في أن الغاية منها هي إرهاقها ودفعها إلى اليأس والتخلي عن متابعة الملف، وفرض الأمر الواقع عليها مع مرور الوقت، خاصة وأنها تواجه ظروفا صحية صعبة تجعل التنقل المتكرر أمرا بالغ المشقة.
كما عبرت عن استغرابها من عرض البنك ملفات ومعطيات تخص زبناء آخرين عليها خلال لقاءات مع مسؤولي البنك بهدف إقناعها بأن التأخير لا يخصها وحدها، معتبرة أن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت، تثير تساؤلات مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية والسرية البنكية.
الجالية.. “مواطنون من الدرجة الثانية”
في نفس السياق، تشير المشتيكة إلى أن أكثر ما أثار استياءها هو ما تعتبره وجود معاملة مختلفة تجاه بعض أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وأنهم لا يحظون بنفس المعاملة الذي يحظى به زبناء آخرون داخل المغرب.
وقالت إن مسؤولي البنك يصرحون لها بأنه يصعب على أفراد الجالية الحصول على أموالهم لعدم توفرهم على عناوين إقامة داخل المغرب، رغم كونهم مواطنين مغاربة ومن المفترض أن يتمتعوا بنفس الحقوق.
وأضافت أن مسؤولي البنك يؤكدون كل مرة أن الأولوية في هذا الملف للمغاربة المقيمين داخل وطنهم، بحجة أنهم الأكثر حاجة لأموالهم، لافتة في هذا الصدد إلى أن البنك يطالب المتضررين من أفراد الجالية بتقديم تبريرات إضافية لحاجتهم المستعجلة لأموالهم المفقودة، بما فيها تقديم تبريرات حول وضعها الصحي.
واعتبرت المتحدثة أن مثل هذه السلوكيات تتعارض، حسب قولها، مع التوجيهات الملكية المتكررة الداعية إلى تسهيل المساطر أمام المغاربة المقيمين بالخارج وتحفيزهم على الاستثمار ببلدهم، مضيفة أن ما تعرضت له يكرس شعور “مواطنين من الدرجة الثانية”.
وتابعت أن هذا الإحساس تعزز لديها أكثر بعدما تلقت، وفق روايتها، تحذيرات من أشخاص نصحوها بعدم الاستمرار في متابعة الملف بدعوى نفوذ بعض المسؤولين المركزيين داخل المؤسسة البنكية.
وتابعت أنها راسلت عددا من المؤسسات والهيئات، من بينها الإدارة المركزية للبنك ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج ومؤسسة محمد الخامس للتضامن، فضلا عن سلوكها للمسار القضائي، غير أنها تؤكد أن ذلك لم يؤد إلى حل نهائي لملفها.
وفي تصريحها للجريدة، عبرت المتحدثة عن تخوفها من أن تؤثر تجربتها على ثقة أفراد الجالية المغربية في الاستثمار بالمغرب، قائلة إن ما تعرضت له جعلها تشعر بالإحباط والنفور من تكرار تجربة استثمار أموالها داخل البلاد.
غموض معايير التعويض
ومن بين النقاط المثيرة التي أثارتها المتحدثة في تصريحها لجريدة “العمق”، ما اعتبرته تفاوتا في طريقة معالجة ملفات بعض الزبناء.
فقد أوضحت المتحدثة أنها التحقت بالبنك سنة 2021 بعد توصيات وإلحاح من إحدى الزبونات التي قدمت المؤسسة البنكية على أنها موجهة لفئة رجال الأعمال والنخب الاقتصادية، قبل أن تكتشف لاحقا اختفاء أموالها ضمن الملف الذي انفجر سنة 2024.
وتقول إن ما زاد من استغرابها هو أن بعض الزبناء تمكنوا، بحسب روايتها، من استرجاع أموالهم كاملة رغم عدم تقدمهم بأي شكايات، من بينهم الزبونة التي أقنعتها بنقل أموالها إلى هذا البنك، في حين ظل آخرون ينتظرون تسوية ملفاتهم رغم سلوكهم لجميع المساطر القانونية.
وتساءلت المتحدثة عن الأسباب التي حالت دون إدراج ملفها ضمن القضية الأولى التي انتهت بإصدار أحكام وتعويضات لفائدة عدد من الضحايا، معتبرة أن هذا السؤال ما يزال دون جواب واضح إلى حدود اليوم.
وتضيف أن هذه المعطيات تطرح علامات استفهام حول معايير التعويض وآليات تدبير ملفات المتضررين، خاصة في ظل استمرار حالات الانتظار.
وفي إطار استكمال مختلف وجهات النظر، حاولت جريدة “العمق” التواصل مع البنك عبر الرقم الرسمي المعلن على منصاته الرسمية، حيث أفادت المتحدثتان اللتان أجابتا على الاتصال بأنهما غير مخولتين بالتعليق على الموضوع أو الإدلاء بأي معطيات بشأنه.
كما وجهت الجريدة مراسلة إلكترونية إلى كل من الإدارة المركزية للبنك وإدارة فرعه بتطوان لطلب توضيحات وتعقيب رسمي حول المعطيات المثارة في هذا الملف، غير أنها لم تتوصل بأي رد إلى حدود النشر، مع تأكيدها الجريدة استعدادها لنشر أي توضيحات أو معطيات تتوصل بها من المؤسسة في إطار حق الرد.
ملف ضخم هز تطوان
وكانت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط قد أدانت المدير الجهوي السابق لبنك “الاتحاد المغربي للأبناك” بتطوان، دانييل زيوزيو، بالسجن النافذ لمدة 12 سنة، إلى جانب موظف آخر بالمؤسسة البنكية بنفس العقوبة، مع أدائهما غرامة مالية قدرها 100 ألف درهم، وتعويض مدني لصالح البنك، تضامنا، قدره 320 مليون درهم، وذلك بعد متابعتهما في قضية اختلاسات مالية واسعة أثارت جدلا كبيرا بمدينة تطوان.
وتوبع المتهمان بتهم تتعلق بالاختلاس وتبديد الأموال والتزوير في محررات بنكية والمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، وذلك على خلفية اختفاء مبالغ مالية كبيرة من حسابات زبناء ومؤسسات وهيئات مختلفة.
كما ترتب عن القضية فتح تحقيقات موسعة كشفت عن امتدادات أخرى للملف، وهو ما أفضى إلى ظهور ملف قضائي ثان ما يزال معروضا أمام القضاء، ويتابع فيه عدد من الأشخاص على خلفية معطيات جديدة مرتبطة بالقضية الأصلية.
وفي الوقت الذي صدرت فيه الأحكام الأولى، لا تزال أسئلة عدد من الضحايا، ومن بينهم أفراد من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، معلقة في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية والمساطر القضائية المفتوحة بشأن الملف الثاني.
المصدر:
العمق