تحت عنوان “الطفولة الإفريقية المسروقة: التجنيد، نزع السلاح وإعادة الإعمار بعد النزاعات”، نظمت عدد من الهيئات الحقوقية الإفريقية المهتمة بأوضاع حقوق الإنسان في القارة السمراء ندوة دولية على هامش أشغال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بمدينة جنيف السويسرية، سلطت خلالها الضوء على واقع الطفولة في مخيمات تندوف، وتواطؤ الطرف الحاضن لهذه المخيمات في سحق براءة الأطفال وتحويلها إلى وقود للمشروع الانفصالي في الصحراء المغربية.
وعرف هذا الحدث، الذي أدار أشغاله عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” ونائب منسق تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إجماعًا حقوقيًا على الخطورة البالغة التي تكتسيها ظاهرة تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة، باعتبارها واحدة من أبشع الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الأممية لحقوق الطفل، خاصة اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، الذي يُلزم باتخاذ جميع التدابير الممكنة عمليًا لضمان عدم اشتراك من هم دون الثامنة عشر ربيعًا في الأعمال الحربية.
وفي مداخلة حظيت باهتمام كبير من طرف المشاركين في هذه الندوة، باعتبارها شهادة حية من الداخل لأحد أبناء مخيمات تندوف، فكّك حمادة لبيهي، رئيس “الرابطة الصحراوية للديمقراطية وحقوق الإنسان”، آلية ترحيل وتجريف هوية الأطفال الصحراويين عبر تهجيرهم قسرًا إلى كوبا طيلة عقود من الزمن من طرف قيادات جبهة البوليساريو، على مرأى ومسمع من السلطات الجزائرية، مع ما يتلو ذلك من عمليات غسيل دماغ وتلقين أيديولوجي، توازيًا مع إخضاع هؤلاء القاصرين لتدريبات عسكرية قاسية تهدف إلى تحويلهم إلى مجرد أدوات لإدارة الحروب المفتعلة في المنطقة.
وأكد الفاعل الحقوقي ذاته، ضمن ذات المداخلة، أن “العديد من الأطفال الصحراويين جُرّدوا من حقهم الطبيعي في العيش بين أحضان أسرهم، حيث تم تعريضهم لبرامج ممنهجة تسعى إلى توجيه قناعاتهم الفكرية والسياسية لخدمة التوجهات الخاصة بجبهة البوليساريو”، داعيًا المجتمع الحقوقي الدولي في هذا الصدد إلى تحمل مسؤوليته وإطلاق تحقيق دولي لبحث الخروقات المتعلقة بعسكرة مخيمات تندوف وتجنيد الأطفال القاصرين فيها.
وفي سياق ذي صلة، سلّط إسحاق باكانيبونا، الخبير في قضايا السلم والأمن بإفريقيا الوسطى، الضوء على الأبعاد المأساوية لظاهرة تجنيد الأطفال في جمهورية الكونغو الديمقراطية، محذرًا من التداعيات النفسية والاجتماعية الكارثية التي تخلّفها عسكرة الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة.
وفي مقاربة تحليلية لافتة، نبّه الخبير الأمني ذاته إلى وجود قواسم مشتركة وأوجه تشابه مقلقة بين الانتهاكات التي تقترفها بعض الجماعات المسلحة في القارة الإفريقية، وبين التقارير المتواترة بشأن استغلال الأطفال وتجنيدهم داخل مخيمات تندوف.
من جهتها، جردت الباحثة الجنوب سودانية، أشول غارانغ أبين، الأسباب الكامنة وراء استمرار ظاهرة تجنيد الأطفال، مؤكدة أن “هذه الظاهرة هي نتاج مباشر لضعف آليات الرقابة الدولية وغياب المساءلة الفعلية”، مشددة في الوقت ذاته على أن “الصمت المريب للمجتمع الدولي إزاء بعض البؤر والحالات يشكل ضوءًا أخضر يشجع الجناة ومرتكبي هذه الانتهاكات الصارخة على الإفلات المستمر من العقاب”.
كما حمّل المتدخلون الجزائر المسؤولية الكاملة، بصفتها “الدولة المضيفة” لمخيمات تندوف، عن وضع الطفولة في هذه البقعة الجغرافية التي تنازل “قصر المرادية” عن ولايته القضائية والقانونية عليها لفائدة تنظيم البوليساريو، مؤكدين أن هذا الوضع يضع الدولة الجزائرية تحت طائلة المحاسبة، ويُسائل واجب حماية الفئات الأكثر هشاشة، لاسيما الأطفال والنساء.
المصدر:
هسبريس