اعتبر أكاديميون وباحثون وفاعلون مدنيون بمدينة تطوان أن الرفع من عدد النساء داخل المؤسسات المنتخبة لم يعد كافيا لتحقيق المساواة السياسية، داعين إلى الانتقال من منطق التمثيلية العددية و”الكوطا” إلى تمكين فعلي يضمن حضور النساء في مواقع التأثير وصنع القرار، وذلك خلال لقاء جهوي خصص لمناقشة رهانات المشاركة النسائية في انتخابات 2026 والتحديات التي ما تزال تعترض طريق المناصفة.
جاء ذلك خلال اللقاء الجهوي الثاني حول موضوع “المشاركة النسائية في انتخابات 2026: من التأثير إلى التمكين”، الذي احتضنته مدينة تطوان، السبت، بمبادرة من المركز المغربي للشباب والتحولات المجتمعية والدينامية الشبابية من أجل المشاركة المواطنة، بشراكة مع جمعية جندرة للتمكين والتنمية المستدامة وبدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت.
وشكل اللقاء، الذي عرف مشاركة أكاديميين وباحثين وفاعلين في المجتمع المدني ومهتمين بقضايا المشاركة السياسية للنساء، مناسبة لفتح نقاش حول واقع وآفاق حضور النساء في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، واستعراض الإكراهات القانونية والمؤسساتية والثقافية التي ما تزال تحد من انخراطهن في الحياة العامة، إلى جانب البحث عن آليات عملية لتعزيز تمكينهن السياسي.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد يوسف الكلاخي، رئيس المركز المغربي للشباب والتحولات المجتمعية، أن توسيع مشاركة الشباب والنساء في الحياة العامة يظل مدخلا أساسيا لترسيخ الديمقراطية وتجديد النخب وتحقيق العدالة الاجتماعية، معتبرا أن مشاركة النساء ليست مطلبا ظرفيا، بل استحقاقا حقوقيا ودستوريا كرسته الاتفاقيات الدولية والدستور المغربي من خلال مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والسعي نحو المناصفة.
من جهتها، شددت لبابة الخراز، رئيسة جمعية جندرة للتمكين والتنمية المستدامة والمنسقة الجهوية للدينامية الشبابية من أجل المشاركة المواطنة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، على أهمية تمكين النساء وتقوية قدراتهن ودعم انخراطهن في الاستحقاقات الانتخابية، معتبرة أن المجتمع المدني يضطلع بأدوار محورية في التوعية والتأطير والتكوين والترافع من أجل تجاوز مختلف العوائق التي تحد من المشاركة السياسية للنساء.
وفي مداخلة بعنوان “المشاركة السياسية للنساء بين الخطاب الدستوري وإكراهات الممارسة”، أوضح سعيد خمري، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني، أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة مجموعة من المكتسبات القانونية والمؤسساتية التي ساهمت في رفع عدد النساء المنتخبات، غير أن هذه المكتسبات لم تنجح بعد في تحقيق المناصفة الفعلية.
وأرجع المتدخل هذا الوضع إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف إدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية، ومحدودية الإرادة السياسية داخل بعض الأحزاب، واستمرار العقلية الذكورية ومنطق الولاءات والزبونية في اختيار المرشحات.
من جانبها، استعرضت رقية أشمال، الخبيرة في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أدوار المجتمع المدني في تعزيز المشاركة المواطنة والسياسية للنساء، مشيرة إلى أن الحركة النسائية راكمت تجارب مهمة في مجالات الترافع وبناء التحالفات والضغط من أجل تحسين تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة.
ودعت المتدخلة إلى مواصلة برامج تقوية القدرات السياسية للنساء، خاصة في الوسط القروي والمجالات الهشة، مع العمل على تفكيك الصور النمطية وبناء إعلام داعم للمشاركة النسائية وتعزيز الرقابة المدنية على أداء الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
أما أسماء أبحكان، أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، فقد سلطت الضوء على العوامل البنيوية والثقافية المؤثرة في عزوف النساء عن المشاركة الانتخابية، معتبرة أن هناك فجوة ما تزال قائمة بين تطور الإطار القانوني والدستوري وبين واقع الممارسة السياسية.
وأشارت إلى أن استمرار الثقافة الأبوية والعنف السياسي والرمزي ضد النساء، إلى جانب هيمنة منطق القرابة والزبونية في منح التزكيات الحزبية، كلها عوامل تحد من وصول النساء إلى مواقع القرار وتضعف ثقتهن في العمل السياسي والمؤسسات.
ودعت أبحكان إلى تجاوز منطق “الكوطا” نحو مواطنة انتخابية كاملة، من خلال ربط التمويل العمومي للأحزاب بمدى احترامها لمعايير المناصفة، واعتماد مقتضيات قانونية لمواجهة العنف السياسي ضد النساء، فضلا عن الاستثمار في التكوين والتأهيل السياسي للنساء الشابات.
وفي السياق ذاته، أكد الباحث ياسين إيصبويا أن المشاركة النسائية لا ينبغي أن تظل محصورة في الحضور الشكلي أو الموسمي، بل يجب أن تقوم على تمكين حقيقي يسمح للنساء بالتأثير في القرار العمومي وقيادة المبادرات والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.
وشهد اللقاء نقاشا مفتوحا بين المشاركين حول أدوار الأحزاب السياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية في تعزيز المشاركة السياسية للنساء، حيث جرى التأكيد على أن الرفع العددي لحضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق التمكين السياسي ما لم يقترن بتعزيز القدرة على التأثير والمبادرة وصنع القرار.
وخلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات، من أبرزها تقوية برامج التكوين والتأهيل السياسي للنساء، وإصلاح القوانين الانتخابية بما يعزز تكافؤ الفرص والمناصفة، وربط الدعم العمومي للأحزاب باحترام تمثيلية النساء داخل اللوائح والأجهزة القيادية، فضلا عن مواجهة العنف السياسي والرقمي الموجه ضد المترشحات، ودعم مبادرات المجتمع المدني الموجهة للنساء، خاصة في المناطق القروية والهشة.
واعتبر المتدخلون أن انتخابات 2026 ستشكل محطة حاسمة لاختبار مدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمدنيين على ترجمة المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة والمناصفة إلى ممارسات فعلية تضمن حضورا نسائيا أكثر تأثيرا في الحياة السياسية وصنع القرار.
المصدر:
العمق