أكد الأستاذ المحاضر في تخصص الاقتصاد والتدبير، المهدي قيل، أن العلاقات المغربية الصينية انتقلت خلال السنوات الأخيرة من إطارها الدبلوماسي التقليدي إلى مستوى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين البعد التاريخي والتعاون الاقتصادي والصناعي، في سياق التحولات الجيو-اقتصادية التي يشهدها العالم.
وأوضح قيل، في تصريح لجريدة “العمق”، أن العلاقة بين البلدين تستند إلى جذور تاريخية تعود إلى رحلة الرحالة المغربي ابن بطوطة إلى الصين خلال القرن الرابع عشر، غير أن العلاقات الرسمية بدأت فعليا سنة 1958 عقب إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وجمهورية الصين الشعبية، قبل أن تعرف منعطفا مهما سنة 2016 بإعلان الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الملك محمد السادس إلى بكين.
وأضاف المتحدث أن هذه الشراكة تعززت بشكل ملموس بعد انخراط المغرب في مبادرة “الحزام والطريق” سنة 2017، ثم توقيع خطة التنفيذ المشترك للمبادرة سنة 2022، وهو ما جعل المملكة أول دولة في شمال إفريقيا تعتمد هذا الإطار التعاوني مع الصين، مشيرا إلى أن بكين باتت تنظر إلى المغرب باعتباره منصة صناعية ولوجستية تربط بين إفريقيا وأوروبا ومنطقة المتوسط.
واعتبر أن الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الدار البيضاء في نونبر 2024، رغم قصر مدتها، حملت رسائل سياسية مهمة تؤكد رغبة الطرفين في مواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات التعاون الثنائي، سواء في إطار مبادرة “الحزام والطريق” أو ضمن آليات التعاون الصيني الإفريقي والصيني العربي.
وعلى المستوى الاقتصادي، أبرز قيل أن الصين أصبحت من بين أهم الشركاء التجاريين للمغرب، موضحا أن المبادلات التجارية بين البلدين بلغت خلال سنة 2024 ما يقارب 9.04 مليارات دولار، منها 7.74 مليارات دولار صادرات صينية نحو المغرب و1.3 مليار دولار واردات صينية من المملكة، ما يعكس تنامي الوزن الاقتصادي للعلاقة الثنائية.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن أهمية المغرب بالنسبة للصين لا ترتبط فقط بحجم السوق الوطنية، بل أيضا بموقعه الجغرافي والبنيات التحتية التي راكمها خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط وشبكة الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية، معتبرا أن هذه المؤهلات جعلت المملكة نقطة جذب للاستثمارات الباحثة عن الاستقرار والقرب من الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وفي الجانب الثقافي والسياحي، سجل المتحدث أن العلاقات بين البلدين شهدت تطورا ملحوظا منذ اعتماد المغرب سياسة الإعفاء من التأشيرة لفائدة المواطنين الصينيين سنة 2016، ثم استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الدار البيضاء وبكين خلال سنة 2025، إلى جانب إطلاق خطوط مباشرة مع مدينة شنغهاي، وهو ما ساهم في توسيع التبادل الثقافي والسياحي بين المجتمعين.
كما لفت إلى أن التعاون الثنائي امتد إلى قطاعات أخرى من بينها الفلاحة والصحة، مذكرا بتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون الزراعي سنة 2023، فضلا عن التعاون الذي برز خلال جائحة كوفيد-19 من خلال الدعم الصحي وتوفير اللقاحات.
وحلل قيل طبيعة العلاقة المغربية الصينية من منظور استراتيجي، معتبرا أن المغرب يسعى من خلالها إلى جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتعزيز فرص الشغل وتقوية موقعه الإقليمي، بينما تتطلع الصين إلى توسيع حضورها الصناعي واللوجستي والوصول إلى أسواق جديدة في ظل تصاعد القيود التجارية التي تواجهها في عدد من الأسواق الغربية.
وشدد المتحدث على أن نجاح هذه الشراكة يرتبط بقدرة المغرب على فرض شروط تضمن الإدماج المحلي ونقل المعرفة وتكوين الكفاءات الوطنية واحترام المعايير البيئية، بما يسمح بتحويل الاستثمارات الأجنبية إلى قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد الوطني.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن العلاقات المغربية الصينية مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقات المتجددة واللوجستيك والتكنولوجيا والسياحة والبحث العلمي، مشددا على أن الرهان الأساسي بالنسبة للمغرب لا يتمثل في حجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل في قدرتها على دعم السيادة الصناعية الوطنية وتعزيز التشغيل المؤهل وترسيخ موقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية الجديدة.
المصدر:
العمق