أصدرت المحكمة التجارية بالدار البيضاء، الأسبوع الماضي، قراراً يقضي بتجديد الإذن باستمرار نشاط شركة “لاسامير” لمدة أربعة أشهر إضافية، رغم استمرار خضوعها لمسطرة التصفية القضائية منذ سنة 2016.
وجدد هذا الحكم الجدل حول مصير المصفاة الوحيدة لتكرير النفط بالمغرب، خاصة في ظل أزمة تقلبات أسعار الطاقة العالمية جراء الحرب في الشرق الأوسط.
وقالت النقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز إن “حماية مصالح المغرب المرتبطة بملف شركة سامير تتطلب الجرأة والشجاعة والمسؤولية الوطنية، من أجل الحسم في اتخاذ قرار استئناف تشغيل مصفاة المحمدية، ووقف نزيف تهالك الوحدات الإنتاجية وتبديد الخبرة والثروة البشرية وحرمان الأطر والتقنيين من بعض حقوقهم المكتسبة”.
وأضافت النقابة نفسها أن “الوضع الحالي لن يزيد سوى في الخسائر ومزيد من هشاشة المنظومة الطاقية واستمرار الاحتكار وارتفاع أسعار المواد النفطية والمحروقات، ولا سيما في ظل الأزمات البترولية العالمية المتواترة”.
وقال الحسين اليماني، رئيس النقابة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إن “الحكم الأخير يأتي كاستمرار لسلسلة الأحكام التي دأبت المحكمة على إصدارها منذ تجديد التصفية القضائية لشركة سامير في مارس 2016”.
وهذا الإجراء، الذي يتم تجديده دورياً كل أربعة أشهر، يمثل “الإذن باستمرار النشاط”. ويهدف هذا المقتضى القانوني، المستمد من مدونة التجارة، إلى الحفاظ على الأصول مجتمعة وعلى العقود الجارية إلى حين بيع الشركة.
ويعكس استمرار المحكمة في إصدار هذه الأحكام، يضيف اليماني لهسبريس، استبعاد خيار الإعدام أو الدفن النهائي للشركة، مبيناً أن المحكمة من خلال هذه الخطوة تظهر أنه مازال هناك أمل في ظهور مستثمر يشتري الشركة ويحييها من جديد؛ كما تبعث بإشارة واضحة تفيد بجاهزيتها لبيع الشركة بكامل أصولها المجتمعة وبصيغة تضمن الحفاظ على حقوق العمال الحاليين.
ويرتبط تعثر ملف البيع على مدى السنوات العشر الماضية، وفق المتحدث ذاته، بوجود نزاع معروض على التحكيم الدولي بين الدولة المغربية والمستثمر السعودي السابق. وتتحفظ الحكومة على تقديم تعهدات للمستثمرين الجدد طالما أن هذا النزاع القائم لم يحسم بعد، تجنباً لتراكم المشاكل القانونية. وحالياً يتواجد ملف التحكيم في مرحلة استخلاص الرسوم القضائية، تمهيداً لإصدار الحكم النهائي في الموضوع.
وتابع النقابي ذاته: “تكتسي المصفاة أهمية إستراتيجية بالغة للمغرب في تأمين احتياجاته من المواد البترولية الصافية، خاصة في ظل التقلبات الدولية الحالية. ويستهلك المغرب سنوياً ما بين 12 و13 مليون طن من المواد البترولية، منها حوالي 10 إلى 11 مليون طن من المحروقات والمواد الصافية الأخرى. ومن شأن تشغيل المصفاة أن يغطي جزءاً كبيراً من هذا الطلب الوطني، ولا سيما مع ارتفاع أسعار المواد المكررة عالمياً”.
وأورد اليماني أن إحياء شركة “سامير” له مكاسب هامة، أبرزها توفير حوالي 4500 منصب شغل بشكل مباشر وغير مباشر للمغاربة، كما يضمن الاحتفاظ بالقيمة المضافة لعملية التكرير داخل البلاد بدلاً من تصديرها إلى الخارج. وإلى جانب ذلك سيسهم استئناف التكرير محلياً في خلق بيئة تنافسية حقيقية في السوق الوطنية، ما سيساعد بشكل فعال في خفض أسعار المحروقات.
عبد الصمد ملاوي، خبير طاقي، قال إن “محطة لاسامير تساهم بلا شك بشكل كبير في قطاع الطاقة بالمغرب بناءً على حجم مساهمتها السابقة، إلا أن وجودها ليس بالضرورة حلاً للمشاكل الجوهرية والهيكلية التي تعاني منها المملكة، باعتبارها دولة مستوردة بامتياز لعنصر الطاقة”.
وأوضح ملاوي لهسبريس أن المغرب يسير في مستقبله الطاقي وفق مسارين متوازيين ومتكاملين، إذ يرتكز المسار الأول على السعي نحو بدائل إستراتيجية تعوض المصادر الأحفورية بالطاقات المتجددة، مشيراً إلى المشاريع الكبرى والأرقام الهامة التي حققها المغرب ويطمح إلى الوصول إليها، خاصة في أفق سنة 2030 لإنتاج 52% من الكهرباء من الطاقات المتجددة.
وأضاف المتحدث ذاته أن المسار الثاني يتعلق بالاعتبارات الاقتصادية والبيئية، إذ إن مسألة شراء الطاقة أو تكريرها تعد مسألة اقتصادية محضة؛ فكلما توفرت مصادر أقل تكلفة كان ذلك أفضل للإستراتيجية الوطنية، وبالتالي فإن جدوى محطة “لاسامير” تقارن بأسعار الشراء من الموردين الدوليين في حال كانت أقل تكلفة.
وفي الشق البيئي أشار الخبير ذاته إلى التزامات المغرب الدولية للتقليص من مصادر الطاقة الأحفورية وتعويضها بمصادر أقل تلوثاً، إذ تعهد مؤخراً بالحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53% في أفق 2035، بعد أن كان الرقم المحدد سابقاً هو 45.5% في أفق سنة 2030.
واختتم ملاوي بالإشارة إلى أهمية البعد الإستراتيجي والأمن الطاقي في ظروف الحروب، ما دفع المغرب إلى تجهيز محطة “الناظور غرب المتوسط” لتوفير كميات هائلة من التخزين الإستراتيجي للمواد النفطية والغاز المسال، وهو ما يجعل تأثير محطات التكرير مثل “لاسامير” أقل إيجابية مقارنة بالسابق، ما لم يتم إعادة النظر في الإستراتيجية الوطنية بشكل شامل.
المصدر:
هسبريس